المحتوى الرئيسى

د. عصام العريان يكتب: يوميات الثورة (1)

02/20 14:21

مكثتُ في المنزل نهار الثلاثاء 25/1 يوم بداية الثورة أتابع الأحداث، وعندما شعرتُ أن الأمور مختلفة، وأنها تتطور إلى حدثٍ جللٍ عظيم سيكون له شأن في مستقبل البلاد، خاصةً بعد اتصالات تليفونية معتادة من مراسلي الصحافة والفضائيات أدركتُ أنه لا بد من الانتقال إلى غرفة عمليات لمتابعة التطورات على الأرض مع إخواني. بادرتُ بالاتصال بالدكتور محمد مرسي ود. محمود أبو زيد، وتداعينا للحضور إلى المكتب، ومعنا فريق عمل من الموظفين. وصلتُ إلى المكتب قُبيل صلاة المغرب، وأديتُ الصلاةَ بالمسجد، وتوافد الإخوان وسهرنا ليلتنا نتابع الموقف، ونرصد الأحداث ولم تتوقف الاتصالات. أدركنا قبيل منتصف الليل أننا أمام حدث جلل سيغير التاريخ وسيكون له ما بعده.لقد نجح الشباب، وفي القلب منهم شباب الإخوان، في كسر حاجز الخوف من جديد، ولم ترهبهم جحافل الأمن ولا المطاردات، وكانت بؤرة الحدث في ميدان التحرير الذي انتقل إليه المتظاهرون من أمام دار القضاء العالي الذين شاركوا النواب من جميع الاتجاهات في وقفتهم، وبدأت تطورات جديدة لم تقتصر على مجرد الوقفات الاحتجاجية التي كانت تقوم بها حركة كفاية أو الاحتجاجات العمالية والوظيفية المطلبية... إلخ. التطور الجديد كان هو المسيرات والمظاهرات كحقٍّ أصيل ينتزعه المصريون الآن، ثم الاعتصام المفتوح في الشوارع والميادين لتحقيق هدف محدد جاء الإلهام به من الشعب التونسي الذي نجح قبل أيامٍ في تحقيق هدفه العظيم بإسقاط نظام بن علي وطرد طاغية تونس الذي فرَّ مذعورًا يبحث عن ملجأ يلوذ به في الدنيا، فذهب إلى "جدة"، وبدأت مطاردة بقايا نظام بن علي وعملية بناء نظام جديد في تونس (راجع مقالات: فرار طاغية، الدرس التونسي). عدتُ إلى البيت مع منتصف الليل، وطالبتُ زوجتي بإعداد حقيبة السجن بملابس بيضاء والحاجات المعتادة لتلك الظروف، وجلستُ معها أفكر هل أبيتُ في منزلي أم بالخارج؟ تحسبًا للقبض المتوقع (الذى حدث بالفعل بعد 48 ساعة)، وهذه هي المرة الأولى في حياتي التي أتحسب فيها لهذا الأمر، فغالبًا ما كانت السكينة تنزل على نفسي وبيتي ونتهيأ دومًا لاعتقالات متكررة ومحاكمات متوقعة: لماذا؟ شعرتُ يومها بأن وجودي حرًّا طليقًا هذه المرة أمرٌ ضروري جدًّا ولم يفارقني أنا وبعض إخواني هذا الشعور ونحن داخل السجن عندما بدأت جمعة الغضب، وكان البعض الآخر يقول: الإخوان بالخارج كثيرون ويستطيعون إدارة الموقف، بينما كان شعوري ومعي د. محمد مرسي وآخرون أن الإخوان يحتاجون هذه اللحظات إلى كل جهدٍ، وأن موقعنا يجب أن يكون بالخارج. حسمتُ أمري وقررتُ المبيت خارج البيت، فإلى أين أذهب؟بعد تفكيرٍ قليل، أحسستُ أن المكان الأكثر أمنًا هو المكتب، فقررتُ الذهاب إليه، وفوجئ العمال بحضوري على غير استعداد، وعندما تمددت على إحدى الكنبات بالصالة أصرَّ أحدهم على إحضار سرير خفيف وبطانية، وقضيتُ ليلتي هناك. وفي الصباح كان اجتماعنا لمكتب الإرشاد الذي قررنا فيه إصدار بيان يدعو الإخوان إلى المشاركة الفعَّالة في مظاهرات يوم "جمعة الغضب" 28/1/2011م بعد أن كان صدر 3 بياناتٍ عن الإخوان تمهيدًا لمظاهرات 25/1 كان الأول منها في 19/1/2011م تحت عنوان "الإخوان المسلمون والأحداث الجارية انتفاضة تونس ومطالب الشعب المصري"، والثانى كان رفضًا للتهديدات الأمنية الرامية إلى منع الإخوان من المشاركة في يوم 25/1/2011م. أعلن الإخوان في بيان 19/1 تحليلاً سياسيًّا لثورة الشعب التونسي التي نجحت في التغيير، وقلنا فيه بوضوح شديد: "إن ما حدث وما ذال يحدث في تونس الشقيق يمثل حالةً واقعيةً وعمليةً لما يعرفه أهل القانون والساسة، يمثل الشرعية الشعبية التي هي فوق الشرعية الدستورية، وهو في نفس الوقت يمثل رسالةً واضحةً لا لبسَ فيها إلى كل الجهات في الخارج والداخل. - إلى الشعوب المقهورة والصابرة.- إلى الحكام الظالمين والأنظمة الفاسدة المستبدة.- إلى القوى الكبرى الظالمة الباطشة بالقوة والجبروت.وقلنا: ولأننا ومن منطلق الواجب- نحرص على الاستقرار والسلم المجتمعي في كل الظروف والأحوال؛ لأننا نؤمن بأن النضال الدستوري هو المسار الطبيعي لحركة المجتمع نحو الإصلاح المنشود في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمجتمعية. وطالبنا النظام القائم (نظام مبارك) الذي يملك القدرة على هذا الإصلاح والتغيير إذا كانت لديه الإرادة والرغبة في ذلك". وحذرنا بقولنا: "إذا لم يتحرك هذا النظام وبسرعة نحو تحمل المسئولية والأخذ بزمام المبادرة لبدء مسيرة إصلاح جاد، فإن كفة الاستقرار لن تدوم طويلاً". ثم كانت المطالب العشر التي قلنا في مقدمتها:وحرصًا منا على تجنب أثر الغضب- غير المحسوب- الذي قد يحدث من هذا الخلل، وقيامًا بواجبنا الشرعي والوطني فإننا نوجه النظر ونطالب بالبدء فورًا في الإجراءات التالية:أولاً: إلغاء حالة الطوارئ المفروضة على المصريين منذ ثلاثين عامًا، خاصةً أنها لم تحقق الأمن ولم تمنع الجريمة طوال هذه السنين. ثانيًا: حل مجلس الشعب المزور بإصدار قرار جمهوري من رئيس الجمهورية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لتكوين مجلس جديد يُعبِّر عن إرادة الأمة ويحقق آمال وطموحات المصريين، وتحت إشراف قضائي كامل. ثالثًا: إجراء تعديلات دستورية لازمة وسريعة للمواد 5، 76، 77، 88، 179 لضمان حرية الترشح وديمقراطية الاختيار في الانتخابات الرئاسية القادمة تحت الإشراف القضائي الكامل، وإلغاء التعارض الدستوري، وتحقيق التوافق مع ثوابت وتاريخ وثقافة وحضارة هذا البلد العظيم. رابعًا: العمل السريع والفعَّال على حلِّ مشكلات المواطنين الحرجة كبدايةٍ لمسيرة إصلاح اقتصادي حقيقي يحقق العدالة الاجتماعية بتوفير السلع الضرورية والدواء خاصةً، وإصلاح منظومة التعليم والصحة مع إمكانية توفر الموازنات اللازمة لذلك عبر: 1- فوائض الصناديق الخاصة التي تبلغ ميزانيتها أكثر من 1200 مليار جنيه ويتحكم فيها الفساد.2- مخصصات الوزراء وكبار رجال الدولة.3- وقف ضخ الغاز والبترول المصدر للصهاينة وإعادة النظر في سعره وتصديره إلى دول أخرى.4- إعادة النظر في أسعار الأراضي التي تم تخصيصها لبعض رجال الأعمال وللفاسدين وسدنة النظام، وهذه تُقدَّر بمئات المليارات وبيع ما لم يستخدم منها بالمزاد العلني لصالح الشعب. خامسًا: إعادة النظر وفورًا في السياسة الخارجية المصرية، وخاصةً بالنسبة للصهاينة، وضرورة قطع العلاقات معهم، مع دعم الجهاد الفلسطيني، وعلى رأسه المقاومة الباسلة لتحرير أرض فلسطين أرض العروبة والإسلام، وإقامة الدولة الفلسطينية عليها وعاصمتها القدس. سادسًا: الإفراج والعفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين وعن كل الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن من محاكم استثنائية غير مختصة بمحاكمة المدنيين كمحاكم أمن الدولة أو المحاكم العسكرية. سابعًا: الاستجابة الفورية للمطالب الفئوية التي أعلنها ويطالب بها أصحابها منذ سنوات طويلة. ثامنًا: حرية تكوين الأحزاب السياسية بمجرد الإخطار وإلغاء القيود على إصدار الصحف وعلى كل وسائل الإعلام. تاسعًا: محاكمة المفسدين الذين تضخمت ثرواتهم بصورة غير طبيعية خلال السنوات الماضية.عاشرًا: إعادة الحيوية إلى المجتمع الأهلي المصري وإلغاء تدخل الجهات الأمنية في كل الشئون الداخلية في الجامعات والمدارس والنقابات والأوقاف والجمعيات الأهلية والمنظمات الحقوقية. هذا ما طالبنا به في 19/1/2011م، وها نحن الآن وقد بدأ تحقق معظم هذه الأهداف على أرض الواقع، بل تحقق ما هو أعظم منها وأكبر، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17). وقد سبق اجتماع مكتب الإرشاد، وفي هيئة المكتب يوم السبت 21/1 أن أصدرنا بيانًا نرد به على التهديدات الأمنية والتحذيرات التي وصلت إلى جميع مسئولي المكاتب الإدارية برفض قاطع لتلك التهديدات، وأوضحنا أننا نشارك في يوم الثلاثاء 25/1، ولن نمنع شبابنا ورجالنا من شرف المشاركة في تلك الفعاليات والانتفاضة التي شاء الله لها أن تتحول إلى ثورة مباركة لكل شعب مصر. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58)، صدق الله العظيم.---------- * عضو مكتب الإرشاد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل