المحتوى الرئيسى

الشرطة والشعب .. وقت المصارحة والمصالحة

02/20 14:16

 تظاهر الشرطيين .. اعتذار وتعبير عن سخط من الأوضاع «أشعر بمرارة الهزيمة والانكسار، نحن ضائعون بين خيانة المسئولين الذين لم نكن نملك مخالفة أوامرهم وغضب شعبى لا يرحم»، هكذا صرخ أحمد ــ ضابط بأحد أقسام الشرطة ــ الذى يعانى مشقة كبيرة للبقاء فى عمله. فى السابق لم يكن أحمد يترك دورة تطوير أداء إلا واشترك بها، كانت حياته مبرمجة وفقا للحاجة، وكانت إجازاته السنوية غالبا مشروعا مؤجلا. كل ذلك تبدد بين ليلة وضحاها، واليوم يفكر أحمد ــ شأنه شأن عدد كبير من الزملاء ــ فى الاستقالة بسبب الضغوط التى يواجهونها. انسحاب آخر.. قد ليس هو الحل... لكن أحمد يبادر بالرد: «كيف أمارس عملى بعد أن فقدت بزتى البوليسية هيبتها وتطاول علىّ الأطفال فى الشارع؟». ويبقى السؤال الأكثر منطقية وصعوبة: كيف يمكن إعادة جسور الثقة بين الشعب والشرطة؟ تقول سوسن العدل، ناشطة اجتماعية عشرينية: «الحياة دون وجود شرطى أكثر من مرعبة بل قد نغرق فى الفوضى الهدامة ويفعل كل شخص ما يريد. لقد أمضينا ليلة السبت 29 يناير دون وجود أمنى ورغم نقمتنا الشديدة على الأمن الذى انسحب من الشارع المصرى، كان هناك شعور متناقض بأهمية دور الشرطة عندما شعرنا بالخوف من البلطجية والمجرمين، ليس من المعقول أن تهدر طاقتنا فى الدفاع ليلا عن منازلنا ونعطل بالتالى أشغالنا صباحا».التصالح مع الجهاز الشرطى له مبررات منطقية، خاصة لو أخذنا بعين الاعتبار أن تكلفة إعداد ضابط الشرطة تتراوح بين 10 و 12 ألف جنيه سنويا، طبقا لتصريحات مسئول سابق بأكاديمية مبارك للأمن. ولو أخذنا أيضا فى الاعتبار أن دفعة كلية الشرطة تضم سنويا ما بين 1500 و1800 طالب. هل نتخيل الخسارة الفادحة التى يمكن أن تتكبدها الدولة إذا ما انهار جهاز الشرطة؟ هذا بالنسبة لتكلفة إعداد ضباط الشرطة فقط، ماذا أيضا بالنسبة لباقى أفراد الجهاز الأمنى الذى يضم الأمناء والمخبرين وصف الضباط.. إلخ؟ قد نحتاج لعشر سنوات ــ طبقا للمصدر نفسه ــ لإعادة بناء الهيكل الوظيفى للجهاز. يحاول البعض تسليط الضوء على بعض الجوانب الإيجابية لصورة الشرطة بدعوى التسامح، كما تفعل المهندسة سونيا التى وجدت ابنها غارقا فى دمائه بعد أن تصدى لعصابة مسلحة اقتحمت القسم الذى كان يعمل فيه للاستيلاء على السلاح بعد مقتل المأمور، وهى تعلق: «ليس كل الشرطيين هم من كانوا فى ميدان التحرير، هناك من رفض بالفعل ترك أماكنه واستمات فى الدفاع عن عهدته. لماذا تبخرت تضحيات هؤلاء؟». السيدة سونيا هى أرملة تولت تربية أبنائها بمفردها وتدرك جيدا ما تشعر به أمهات الشهداء، لكنها تردد دوما أنه يجب ألا تأخذنا موجة التعاطف فننسى أو نتناسى ضحايا شرفاء من نوع آخر. تضيف: « اخترقت رقبة ابنى شظية وظل الجميع يمطره بالركلات حتى فقد وعيه وظل ينزف فى الشارع دون أن يمد له أحد يد العون، لو تركت الزمام للغضب فقد أشعر بالنقمة على كل الشعب المصرى الذى اختلط لديه الحابل بالنابل، لكن هذا منتهى الظلم». تصمت المهندسة سونيا التى قادت فى السابق معارك كثيرة ضد الفساد بالحى الذى تعمل به ثم تستكمل حديثها: «من أجل شرفاء الشرطة لابد أن يفتح الشعب صفحة جديدة» هناك أسر لشرطيين بدأت بالفعل تدفع الثمن من أمنها الخاص، وتخشى بدورها أن تكرر الثورة المصرية أخطاء الثورة الفرنسية التى عاقبت إحدى الحائكات التى كانت تتعامل مع الأسرة المالكة. الشقة دون لافتة والعربة دون شعارمها، زوجة ثلاثينية لضابط شرطة تشعر حاليا أن أمن بيتها بات فى خطر بسبب وظيفة زوجها، فبعد الأحداث الأخيرة، اقتلعت اللافتة التى تحمل اسم زوجها من على شقتها وكذلك الشعار الخاص بالشرطة من على سيارته خوفا من أن تتعرض للتهشيم. همست فى أذن البواب بألا يبوح بمهنة زوجها أمام الجيران حتى لا يتعرضوا للاعتداء كما تعرضت أسر أخرى تقطن العقارات المخصصة للشرطيين فى أحد الأحياء المجاورة. ولم تعد حتى تستطيع أن تنشر بذلة زوجها فى الشرفة خوفا من أن يفتضح أمرها. «لا نرى المستقبل ولا ندرى هل سيحصل أزواجنا على رواتبهم أم لا؟ أهذه هى العدالة المنشودة» ــ هكذا تتساءل مها التى تبذل مجهودا مضنيا حتى لا تتحطم صورة الأب فى نظر ابنتها «9 سنوات» التى تسمع من معظم المحيطين أن والدها ينتمى لجهاز متهم بالفساد، حتى أصبحت الصغيرة تخشى أن تواجه اضطهادا فى المدرسة.وزارة الداخلية الآن فى سباق مع الزمن من أجل ترميم صورة الجهاز بعد ما سموه «نكسة 25 يناير». ويقول أحد المسئولين بإدارة العلاقات العامة بالوزارة ــ الذى رفض ذكر اسمه: «بادئ ذى بدء تغير شعار الوزارة إلى (الشرطة فى خدمة الشعب) هو مما ينم عن تغيير فى إستراتيجية الجهاز. كما أن الموقع الرسمى للوزارة بدأ ينشر صورا وقصصا لشهداء الشرطة كى يصلح الصورة الذهنية للكادر الشرطى. والوزير الجديد ــ اللواء محمود وجدى ــ بدأ فى زيارات ميدانية لمختلف أنحاء القاهرة بهدف رفع الروح المعنوية للضباط الذين يبدون اليوم فى حالة نفسية سيئة»، هذا بالإضافة لرسائل المحمول القصيرة التى يرسلها الجهاز لعامة الشعب لطى صفحة الماضى، والمظاهرة السلمية التى عبر فيها الشرطيون عن مشاكلهم منطلقين من كوبرى الجلاء بالدقى وحتى ميدان التحرير.هناك أصوات بدأت ترتفع أيضا مطالبة بإعطاء دورات تدريبية حقوقية للشرطيين، فالكاتب الصحفى سعد هجرس ــ مدير تحرير جريدة العالم اليوم ــ شدد مؤخرا خلال لقاء تليفزيونى فى برنامج 90 دقيقة على قناة المحور على ضرورة إعادة تأهيل الضباط الصغار وعلى مدى استيعابهم لحقوق الإنسان، كما اقترح وجود قوانين رادعة فى حالات التعذيب. ويتفق معه الخبير الأمنى السابق ذكره الذى يؤكد على أهمية الثقافة الحقوقية للكادر الشرطى المتعامل مع الجمهور أى بصفة خاصة العاملون فى المرور وأقسام الشرطة، مضيفا أن هناك أعباء يجب أن تزال من على كاهل الشرطة للتركيز على مهامها الأساسية وهى الحفاظ على أمن المواطنين.لكن حتى تكون الثقافة الحقوقية متوازنة لابد فى المقابل من إنصاف ضباط الشرطة، فليس من المعقول أن يحصل الأمين على 400 جنيه بينما يحصل الضابط على 1500 مقابل ساعات عمل قد تتجاوز أحيانا العشرين ساعة. ويضيف المصدر الأمنى نفسه: «هذه سخرة! كيف يمكن أن أطالبه باحترام حقوق الإنسان بينما هو حقوقه مهدرة؟ أعتقد أن المصالحة يجب أن تبدأ بفتح ملف حقوق العاملين فى هذا المجال، قد يكون لتظاهراتهم الأخيرة ما يبررها، فقد استفزهم أن يقذفهم الشعب بالحجارة فى حين أن ظروفهم لم تكن أفضل كثيرا عن عامة الشعب». الشباب الذى ذهب للتظاهر فى ميدان التحرير والذى ربما تتاح له فرصة إدارة دفة الأمور مستقبليا قد يستطيع انطلاقا من حسه الوطنى أن يتسامى على الأحداث، كما تقول عزة عشماوى ــ أستاذة علم الاجتماع: «أعجبنى كثيرا الحوار الذى دار بين الناشط جواد، الذى فقد عينيه أثناء المعركة، وبين أحد الأمناء. ففى أوج التصادمات كان الشاب يردد للشرطى أنه يحبه وقد نزل للتظاهر من أجل العدالة له ولغيره، فى حين كان الآخر يرد عليه: ما الذى أتى بك لهنا؟ أنت ابن ناس.. أجرى وفر حتى لا يعتقلوك». حديث هؤلاء البسطاء الذين وقعوا دون ذنب ضحية للعب الكبار يجب أن يكون مدخلا مناسبا لصفاء النفوس. وبين صيحات الغضب ودعوات التسامح، يرى البعض ضرورة محاكمة سريعة وقاطعة للرءوس الكبيرة التى اتخذت قرارات الانسحاب من الشارع المصرى. خطوة قد تهدئ من سخط الرأى العام وتعيد للشرطة ماء وجهها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل