المحتوى الرئيسى

> ثورة 25 يناير ثورة إسلامية بلا خوميني (2-1)

02/19 22:20

كل شيء في مصر في أواخر عهد الرئيس مبارك كان معدا للانفجار والثورة علي ذلك النظام، بدءا من انتشار الفقر والبطالة، وانعدام العدالة الاجتماعية والظلم، وانتهاك كرامة الإنسان المصري في الداخل والخارج، وانتشار الفساد المالي والسياسي والإعلامي والقيمي والأخلاقي، فحين سد نظام الرئيس مبارك كل السبل أمام جميع أطياف الشعب المصري لممارسة حقه الطبيعي في العمل السياسي لسنوات طويلة، لم يجد الشعب المصري متنفسا للتعبير عن الذات وإثبات فعاليتها سوي اللجوء إلي الدين في أي صورة من صوره التي كانت سائدة في النصف الثاني من فترة حكم الرئيس مبارك، ففي النصف الأول من حكم الرئيس مبارك كانت تنتشر كثير من صور التدين المتسم بالتطرف والتشدد والعنف في الجماعات الإسلامية المسلحة، والتي استطاع نظام الرئيس مبارك القضاء عليها بالمواجهات الأمنية والإعلامية والمحاكمات العسكرية والاعتقال إلي أن تم التوصل إلي مشروع ما سمي بالتوبة ونبذ العنف وأيدته قيادات الجماعات الإسلامية المختلفة وألف العديد من قياداتها كثيرا من الكتب التي سميت بالمراجعات. والساحة المصرية في ذلك الوقت كادت أن تفرغ تماما من التيارات السياسية الدينية سوي من جماعة الإخوان المسلمين، التي انكمش نشاطها في تلك الفترة خوفا من أن تنالها هي الأخري سطوة يد الأمن الغليظة، إلا أنه في أواخر التسعينيات بدأت حركة دينية جديدة من نوع آخر غير تلك الحركات التي تعود الناس عليها، لسد ذلك الفراغ الذي تركته الجماعات الإسلامية المتشددة، تمثلت هذه الحركة الجديدة في الدعاة الجدد الذين بدأوا في الظهور في ثوب دعوي ديني زئبقي متلون غير واضح الهدف والملامح، أخذ شكلا مظهريا غير تقليدي لم يتعود عليه المصريون من قبل، وبدأ في عرض خطاب ديني جديد، أخذ هذا التيار ينتشر ويتوغل ويحشد إلي صفوفه قطاعات عريضة من الشعب المصري، وكان من أبرز سمات هذا التيار البعد بشكل جلي واضح عن الخوض في كل ما له علاقة بالسياسة، ومن هذه السمة المبتعدة في ظاهرها عن السياسة شجعت كثيراً من الشباب المصري علي الإقبال عليها والالتفاف حول رموزها، وكان من اللافت في حركة الدعاة الجدد تركيزها علي الطبقة الوسطي وأبناء الطبقة الراقية لغزوهم بالفكر الديني المخملي الذي يتناسب وأبناء هذه الطبقة. هذا وناهيك عن التوترات الطائفية المتنامية والمشتعلة من حين لآخر بين المسلمين والمسيحيين، هذا التوتر الطائفي الذي نجح إلي حد كبير في إيقاظ وإثارة وارتفاع الانتماء الديني والولاء الديني فوق أي انتماء آخر، وقد لحق بكل هؤلاء التيار السلفي الذي بدأ ينتشر بقوة بين قطاعات كبيرة من الشعب المصري عبر الإعلام الديني المتمثل في القنوات الدينية التي بدأت في الظهور خلال السنوات الخمس الأخيرة من حكم الرئيس مبارك. إن لجوء قطاعات عريضة من الشعب المصري إلي الارتماء في أحضان التيارات والدعوات الدينية بجميع صورها وأشكالها لم يكن عن رغبة ذاتية أو قناعة داخلية لدي عامة الشعب المصري في التدين، إنما كان عبارة عن متنفس لهم من الكبت السياسي الذي كانوا يعانون منه، وانسحابا من الحياة العامة التي حرموا من أن يحيوها بشكل طبيعي ومشروع، مما أدي إلي انتشار التدين الشكلي والمظهري بين قطاعات واسعة من الشعب المصري. والسؤال الآن: هل ما حدث في مصر هو ثورة شعبية عفوية بلا عقل مدبر؟، وللجواب عن هذا السؤال المهم أقول: إن ثورة مصر كان لها من المبررات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما يؤدي إلي قيام عشر ثورات وليست ثورة واحدة، ولكن السؤال هو عن العقل الذي دبر لهذه الثورة وخطط لها وقام بتنظيمها، إذ من المعروف علميا وتاريخيا أن الثورات الشعبية دائما ما تكون لها نتائج اقتصادية خطيرة وضحايا وتضحيات كارثية، أما في ثورة مصر فالأمر مختلف تماما، فقد كانت هي الثورة الأولي من نوعها في تاريخ البشرية بهذا التحضر والانضباط والتنظيم والرقي وأقل ما يمكن من خسائر علي يد الثوار، إلي درجة أذهلت العالم كله، فلا يمكن أن يقال إن ثورة فريدة من نوعها كثورة مصر هذه قامت هكذا بعفوية شعبية ودون تخطيط أو تنظيم مسبق، ودون عقل نظم ورتب وخطط لها، ولا يمكن أن تكون بلا مرجعية فكرية، ولا يمكن أن تكون بلا هوية أيديولوجية. (البقية تأتي) باحث إسلامي مقيم في أسيوط

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل