المحتوى الرئيسى

ثورة مصر واتفاقية كامب ديفيد بقلم:م. هناء عبيد

02/19 20:58

ثورة مصر واتفاقية كامب ديفيد كلنا ما زال مذهولا بما تمخض عن ثورة الغضب الشعبية في مصر والتي تعتبر حدثا عظيما سيسجله التاريخ في صفحاته ، والتي لا نخفي جميعا بأننا في بداية اندلاعها كنا نعتقد بأنها مجرد فقاعات صابونية ما تلبث أن تتلاشى بعد أن سيطرت علينا مشاعر عدم الثقة بالنفس التي جعلت من أي تفكير بتحدي أي سلطة تتلقى الدعم من أمريكا والكيان الصهيوني ضربا من الخيال أو الجنون . فالغول الذي أرعب ببطشه وأعوانه الفاسدين جماح كل عزيمة ، ودب اليأس في نفوسنا إذا ما فكرنا برفع رؤوسنا بعد الإنحناءة التي اصبحت علامة فارقة على هاماتنا قد تم تجاوزه ، وأعلن الصمت نهايته لتتعالى أصوات الجماهير مطالبة بسقوط البطش والطغيان . لقد كان نجاح المرحلة الأولى للثورة الشعبية في مصر بمثابة الصدمة الكبرى التي القت صفعة الصحوة على وجوهنا لندرك أن زمن الصمت قد ولى ولتعلمنا أننا قد تجاوزنا مرحلة الخوف وأن مع العزيمة لا يوجد شيء مستحيل . لقد أعادت لنا ثورة الكرامة الكثير من الأمل والشعور بالنصرة والكرامة والعزة التي لم تعد من صفاتنا ، بعد أن القتنا رياح الخذلان على جانب هامشي من الأحداث محليا وعالميا . ومن خلالها تم التخلص من الرئيس حسني مبارك الذي استأثر بكرسي الرئاسة لمدة تقارب الثلاثين عاما وكانت ستزيد بل وستمتد إلى سلالته لولا هذا التحرك الشعبي الجارف الذي أجبره على هذا التنحي . وقد بدأت المرحلة الثانية من الثورة بعد أن انتهت المرحلة الأولى بخلع الرئيس المصري ، وهي المرحلة الحاسمة التي من خلالها سيتضح مستقبل مصر . حيث يتجلى من خلال هذه المرحلة بوضوح مطالب وطموحات الشعب وآماله المتعلقة بالتغييرات والاصلاحات التي تشمل المجالين الداخلي والخارجي . ونظرا للظروف القاسية التي يمر بها الشعب المصري نتيجة للفساد الذي واكب النظام لمدة كبيرة فإن طموح الشعب المصري ينصب بالدرجة الأولى في هذه المرحلة الصعبة على التركيز على الإصلاحات والتغييرات الداخلية ، فمطالب الشعب لا عد لها ولا حصر إذ ما أفسده النظام يحتاج للكثير من الإصلاحات والتغييرات التي ستأخذ بلا شك بعض الوقت لاتمامها . أما المطالب على الصعيد الخارجي فإن جميع الجماهير العربية تتأمل تحقيقها مع الشعب المصري وتتلخص في المطالبة بتغيير مسار التعاملات في مجال السياسة الخارجية ، ويأتي على رأسها الغاء معاهدة السلام التي وقعها الرئيس الراحل أنور السادات مع الكيان الصهيوني في كامب ديفيد والتي كان لها الأثر الكبير في أن تخرج مصر عن جسد الأمة العربية وتنهى دورها الريادي في قضايا الساحة العربية خاصة القضية الفلسطينية ، فاتفاقية كامب ديفيد كانت أكبر ثقل تركه النظام وراءه ، ويعتبر الغاؤها من أكبر الأحلام التي تصبو اليها الجماهير العربية مع الجماهير المصرية ، بعد أن يستتب الأمن وتتحسن الأوضاع الداخلية في مصر إن تقدمت الأمور نحو ما يرمي اليه الشعب المصري . فاتفاقية كامب ديفيد كانت بداية التخاذل العربي وبداية سقوط الكرامة بل وبداية شعور الشعب المصري بأنه قد عزل عن العالم العربي بعد ان تشابكت الأيادي المصرية الفاسدة التي لا تمثل الشعب المصري مع ايادي الكيان الصهيوني . والذي أدى بدوره الى مقاطعة الدول العربية لمصر ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة الى تونس لفترة من الزمن . لقد كان من ضمن ما جاء به البيان الرابع لقيادة المجلس الأعلى للجيش هو ضمان الأستمرار على الالتزام بالإتفاقيات والمعاهدات مع الخارج ، وبالطبع على رأسها اتفاقية كامب ديفيد وإن لم يتم الإفصاح عن ذلك ، وقد يؤخذ هذا الإلتزام من منظورين , منظور يرى بأن في ذلك تخاذلا واستمرارية للنظام الفاسد (الذي أسقط الشعب رمزه ويحاول في هذه المرحلة أن يطهر البلاد من عوالقه ورواسبه )، كما يرى بأن هذا القرار لا يدعو الى الطمأنينة لأنه امتداد واكمال لما بدأه النظام الذي يريد الشعب القضاء عليه بكل حذافيره . بل وإن هذا القرار ليدخل الإحباط في نفوس الشعوب العربية التي تتطلع متأملة بانتهاء سيطرة التدخلات الخارجية على شؤون بلادنا ، فالالتزام بمعاهدة السلام معناه أن العالم العربي سيظل تحت وطأة التدخل الأجنبي الذي يعتبر من أكبر العوامل التي أدت الى انتكاس الأحوال في الأمة العربية . وأما من حيث المنظور الثاني فإنه يجد التبرير لاتخاذ هذا القرار لأن المجلس الأعلى يدرك تماما بأن اتفاقية كامب ديفيد هي ورطة حقيقية وضع الرئيس أنور السادات مصر فيها عندما قبل ببنودها التي لا يوجد فيها أي مصلحة لمصر أو حتى بقية الدول العربية ، وأن مصر وبهذه الأوضاع المتردية التي آلت اليها بعد تحكم النظام الفاسد بثرواتها وتدميرها ووضعها في خانة أفقر دول العالم غير مستعدة على الأقل حاليا لوضع نفسها أمام تحديات لا تستطيع الخوض فيها . إذ أن الغاء هذه الإتفاقية يعني أن مصر ستكون في مواجهة عسكرية مع الكيان الصهيوني وهي غير مستعدة أو مؤهلة لهذه المواجهة التي تتطلب قوة عسكرية كبيرة خسرتها مصر من خلال الخوض في هذه الإتفاقية المشؤومة . حيث كان من بنود هذه الإتفاقية تحديد وتقييد القوات العسكرية المنتشرة في أراضي سيناء والتي لا تشكل أي خطرا على المواجهة مع الكيان الصهيوني مع الـتذكير هنا أيضا بأن غياب القطاع العام الذي كان له دوره الداعم في المجهود الحربي كان له اثره في اضعاف القوة العسكرية في مصر والذي تم استبداله بمعونة امريكية سنوية مقدارها 1.3 مليار دولار يقابلها 2.4 مليار دولار للكيان الصهيوني . ومن هنا فإن مصر موضوعة أمام خيارين صعبين إما القبول والألتزام باتفاقية كامب ديفيد وفي هذا طبعا قتل للثورة التي من أهم مطالبها التخلص من التدخل الأجنبي الذي لن ينفك ما دام هناك التزام بهذه الإتفاقية ، أو الغاء هذه الاتفاقية واعلان بداية التحدي للكيان الصهيوني وداعمه الاكبر امريكا والذي يعتبر تحديا لا يمكن الانكار بانه في ظل هذه الظروف الصعبة قد يكون صعب المنال وإن كنا لم نفقد الامل بعد . ما نود قوله هنا أن الآمال ما زالت كبيرة بأن تنهض مصر على أقدامها ويتحقق العيش الكريم لشعبها ، وما زالت الأحلام تتطلع إلى عودة مصر الى الساحة العربية والى دورها الريادي في مساندة القضايا العربية والتي على رأسها قضية فلسطين ، لكن لن يتم ذلك الا بعد القضاء نهائيا على عوالق النظام القديم ، وعدم السماح بالتدخل الخارجي في شؤون مصر . وإلا فإن مصير جهد الشعب الذي ضحى بأرواحه ودمائه ستضيع هباء ، وستظل مصر خاضعة للإملاءات الأجنبية لتسيير شؤونها الداخلية والخارجية . لاشك أنها مرحلة صعبة جدا ولكن يظل الأمل كبيرا بعد ان انكسر المستحيل بعد النجاح الجزئي الكبير الذي تم من خلال هذه الثورة الشعبية الكبيرة التي كسرت كل قيود الخوف واليأس ، وأصبح شعب مصر ورقة رابحة نحو حرية حقيقية إذا ما ثابر واستمر في ثورته وكان على وعي تام بما فيه مصلحته . نتمنى ان تكسر كل قيود الاستعمار والله الموفق ودمتم بالف خير . م. هناء عبيد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل