المحتوى الرئيسى

حاتم حافظ : مصر الجديدة

02/18 17:49

لم يكن يخطر ببال عاقل صباح يوم الخامس والعشرين من يناير أن تكون مصر علي موعد مع قدر التغيير‏.‏ وحتى قبل الإعلان عن تخلي الرئيس مبارك عن منصبه بساعة‏,‏ كنت مؤمنا بأن الثورة إن لم تنجح في تغيير النظامالسياسي فيكفيها أنها صهرت المصريين جميعا وكشفت عن كنوز من القيم النبيلة التي كنا جميعا نظن أنها ضاعت‏.‏ ولو أن الثورة لم تنجح في تغيير النظام السياسي فيكفيها ما نجحت فيه من كشف عن قدرة علي صنع نظام اجتماعي مبهر‏.‏مصر الجديدة التي في خاطري وجدتها في ميدان التحرير‏..‏ درجة من الوعي لدي شباب ورجال ونساء وكهول لم أكن أحلم بها حتى في أحلامي‏.‏ قدرة علي الانصهار لم أكن أتخيل أن أشاهدها إلا في اليوتوبيات التي نقرأ عنها‏.‏قبل أسابيع من بداية الثورة كنت وكان أغلب الناس مهمومين ومشغولين بفكرة الطائفية كمشكلة بدت مزمنة‏.‏ كان حادث تفجير كنيسة القديسين الحدث الأكبر الذي ظللنا نتحدث عنه ونكتوي بناره‏.‏ صحيح أن كثيرا من المصريين العقلاء كرسوا أنفسهم للتعبير عن وحدتهم ووحدوا صفوفهم لتجاوز الأزمة‏,‏ عبر وسائل عديدة كانت أهمها الدعوة التي انطلقت تحت عنوان‏’‏ يا نموت سوا يا نعيد سوا‏’,‏ فإن كثيرا من المسلمين تجاهلوا الدعوة‏,‏ وكثيرا من المسيحيين تعاملوا مع الدعوة بحذر‏.‏ ولكن الوحدة الحقيقية في ميدان التحرير لم تكشف عن نفسها في صورة تليفزيونية باهتة مثل تلك التي كان التليفزيون المصري يذيعها بعد كل حادث طائفي‏,‏ وإنما كشفت عن نفسها ببساطة شديدة‏,‏ بساطة الحقيقة ذاتها‏.‏في الميدان انصهر المصريون جميعا كاشفين عن قدر كبير من القناعة بفكرة الاختلاف‏,‏ كان الجميع يمارس حريته بلا خوف من الآخر‏,‏ وبلا قيود علي حرية الآخر‏,‏ كانت كل الصور تتجاور وتتشابك مشكلة موزاييك مصري أصيل سمعنا عنه في الحكايات القديمة وتمنيناه ولم نتخيل أننا سنحيا حتي نعيشه‏.‏في الميدان توزع الثوار في لجان‏..‏ لجان تحمي ظهور المحتجين‏..‏ لجان للتفتيش علي مداخل الميدان‏..‏ لجان للنظافة‏..‏ لجان حتي لتوديعك بينما تغادر الميدان بسؤال كان الأجمل في حياتي‏’‏ فين ابتسامة الثورة؟‏’.‏ قدرة غير مسبوقة علي التنظيم سواء من الثوار الذين يبيتون في الميدان والذين صنعوا يوتوبيتهم داخل حدوده أو من الذين يفدون بالآلاف علي الميدان فيستجيبون للنظام الذي وضعه الثوار بلا مضض‏,‏ كنت تشاهد طابورا يمتد من ميدان طلعت حرب حتي مدخل ميدان التحرير‏,‏ الكل ينتظر دوره في التفتيش‏,‏ يظهر بطاقاته لأمن التنظيم ويتلقي اعتذاراته بنفس راضية واثق في أن تلك الإجراءات ليست في صالحه فحسب وإنما في صالح الثورة نفسها‏.‏في الميدان كانت السجالات السياسية علي أشدها‏,‏ دوائر دوائر من المصريين‏,‏ لم يلتقوا من قبل‏,‏ لم يتعارفوا حتي‏,‏ فمجرد أن يتجاور عدد من المصريين في زحمة الميدان حتي يبدأ سجال سياسي‏,‏ كل يعبر عن رأيه‏,‏ يطرح تصوره للموقف الراهن‏,‏ يعرض رؤيته للمستقبل‏,‏ يفكر بصوت عال مع رفقاء الصدفة في سقف الطموحات وتكتيك المواجهة مع النظام الذي يرغب في إسقاطه‏.‏ حتي في المطاعم القريبة من الميدان‏,‏ المقاهي‏,‏ وربما المحلات‏,‏ الكل يتحدث بحرية وبوعي مبهر عن المستقبل القريب والبعيد له ولأولاده‏.‏في الميدان كانت الخطب تلقي في كل ساعة‏,‏ من فوق منصات امتلأ بها الميدان‏,‏ كل من يرغب في التحدث للآخرين يمكنه الصعود للمنصة بلا دعوة‏,‏ يقول ما يشاء فتتجاوب معه الآلاف‏.‏ كانت أجمل الخطب وأكثرها وعيا تلك التي سمعتها من شخص لم يقدم نفسه‏,‏ عبر فيها عن حقيقة الثورة وجوهرها‏,‏ قال إنه ليس من المناسب أن يكون من بين المتضامنين مع الثورة من يقبل رشوة أو يرضي بمحسوبية أو يشارك في ظلم أو يكن حقدا لأخيه أو يغدر بصديقه‏.‏ كان الوعي الثوري عند الخطيب يؤمن بأن المد الثوري يجب أن يمتد من تغيير النظام السياسي لتغيير المجتمع نفسه‏,‏ بالتطهر من الخطايا التي زرعها النظام السياسي الفاسد في بنية المجتمع‏.‏في الميدان انطلقت دعوات عديدة لتغيير مصر منطلقة من التفكير في مصر الجديدة‏,‏ فتلك دعوة تحت عنوان‏’‏ من أجل مصر نظيفة‏’‏ أعلنت عنها صبية في الخامسة عشرة‏,‏ وتلك دعوة لدعم البورصة لاستعادة عافيتها بعد خسائر الفترة الماضية‏,‏ دعوة لكل مصري لشراء أسهم فور فتح أبواب البورصة وبأي مبلغ‏.‏مصر الجديدة‏..‏ مصر التي في خاطري هي التي يجب أن تمتد لها قيم الميدان‏,‏ كل القيم النبيلة التي شكلت يوتوبيا لم يحلم بها أي شاعر‏.‏مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل