المحتوى الرئيسى

سيناريو "ما بعد الحرية" ... بقلم: جاسم الكيلاني

02/18 13:18

إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلابد أن يستجيب القدر. على الرغم من أني احفظ هذا البيت من الشعر منذ أن تعلمت الكلام, لكني اعترف بأني لم افهم معناه أبدا, وعذري في ذلك عذر مشروع, فانا لم أرى الشعب يوما ينادي برغبته في الحياة, ولم أكن أتخيل طريقة يستجاب بها لهذا الشعب سوى أن يأتي ملك الموت فيقبض روح الحاكم بعد عمر طويل جدا. إما اليوم فقد فهمت, فلقد رأيت الشعب قد سئم الموت فطالب بالحياة وقد استُجيب لدُعائه. بالأمس تونس ... واليوم مصر ... وغدا .. الله اعلم. واقع جديد لم نألفه ولم نتعود عليه ونجده غريبا وصعب التصديق, فأحيانا تكون الحرية عبئا كبيرا على من تعود أن يسير مقيدا بالأغلال مثلما أن رؤية الضوء صعبة على من قضى حياته وسط الظلام. ولكن المهم أن الشعب أخيرا وجد صوته الذي أضاعه عقودا طويلة وخطى خطوته الأولى نحو الحرية. ولكن ... ماذا بعد؟ لو عدنا قليلا لنقارن المشهد العراقي وما حصل في عام 2003 بما يحصل ألان, ونتفحص تلك الحرية التي جاءت على ظهور الدبابات الأمريكية يقودها أصحاب المصالح والأجندات الخبيثة والمسيّسة, والشعب الذي يتحدث الجميع باسمه يقف متفرجا ليس له في الأمر ناقة ولا جمل, لا وبل يدفع بعد ذلك الثمن. دماء تسيل وبلد يقف على حافة الانهيار. ورغم أن البداية التي يدعي البعض أنها حررت العراق قد لا تشبه البداية التي حررت فعلا تونس ومصر, إلا أننا نقف اليوم راجين أن لا تكون النهاية متشابهه. ترددت في المشهد التونسي خلال الأيام الأولى بعد هروب ابن علي عبارات مثل فوضى السلب والنهب, الانفلات الأمني, مجموعات مسلحة, الموالون للنظام السابق, خلافات بين الأحزاب, المطالبة بالاجتثاث ... وكأننا سمعنا هذه العبارات سابقا في المشهد العراقي وبتشابه عجيب في الترتيب, والكل يقف راجيا أن لا يضيع هذا الجهد وتلك الأرواح والدماء فيبدأ الصراع على ارث ابن علي بين الأحزاب والأطراف السياسية التي لم يكن لها فضل ولا سهم في ثورة قادها شباب الطبقة المرهقة التي سحقها التغييب لعقود طويلة. أن ما حدث في العراق أضاع فرصة كبيرة كانت من الممكن أن تكون التغيير الذي حلم به العراقيون طويلا, وبدلاً من ذلك تحولت تلك الفرصة إلى نقمة ما زال يتجرعها العراقيون يوما بعد يوم. الفرصة ضاعت بسبب غياب الصورة عما سيحصل بعد ذلك, فوجد الجميع نفسه في مشهد معقد لم يستطع احد حله. واليوم تبرز فرصة أفضل, فرصة انتزعها الشعب انتزاعاً, وليس من طريقة تنتزع فيها الحرية خير من هذه. لكن العبرة دائما فيما تصير إليه الأمور, فلو أفضت هذه الثورة –لا قدّر الله- إلى فوضى وصراع وغياب للأمن فسنكون كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا, فتذهب فرحة النصر وتحل لعنة الاضطراب, ويقول القائل "لو أنّا بقينا على حالنا لكان خيرا لنا". وخلاصة قولنا هو بما أن الشعوب العربية أخيرا عرفت الطريق إلى التغيير, وخطت الخطوات التي سترسم الطريق لكل من يريد أن ينهض ضد الاستبداد واحتكار السلطة ونهب الخيرات وقمع الحرية, فربما إن على تلك الشعوب أن لا تكتفي بالتخطيط للثورة بل عليها أن ترسم طريق ما بعد الثورة, كي لا تجد نفسها بعد حين مشتتة بين من ركبوا موجة الثورة من اجل منافع شخصية وآخرون يقتاتون على الفوضى والاضطراب. وبعد أن برز واقع كان بعيدا حتى عن أحلام من يجرؤون على الحلم, وبعد أن أثبتت الشعوب بأنها ما زالت موجودة, فربما قد آن لتلك الشعوب التي تريد الحياة أن تستعد لما سيحصل بعد أن يستجيب القدر. انتهى

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل