المحتوى الرئيسى

يوميات‮ ‬الأخباريوسف أيها الحفيد‮.. ‬إفرح ولا تفزع

02/18 07:47

‮> > ‬الغضب الساطع لشباب مصر من أجل التغيير كان لحظة حاسمة في تاريخ الوطن عشتها في هذه الليالي مع جسدك‮ ‬‮> > ‬ليل جمعة الغضب‮:‬إلا دموع‮ ‬يوسف‮..‬كان يلوذ بصدري،‮ ‬مرتجفاً،‮ ‬فزعاً،‮ ‬جزعاً،‮ ‬يطل الرعب من عينيه البريئتين‮.. ‬تقطعت أنفاسه،‮ ‬وذهبت سدي كل محاولة بذلتها لتهدئة روعه‮..‬ ددو‮.. ‬إيه ده؟رددها حفيدي مرات عديدة،‮ ‬ثم ما يلبث ان ينخرط في بكاء مرير يمزق قلبي،‮ ‬ويزيد من احساسي بالعجز أمامه،‮ ‬وأمام كل ما يجري في الشارع ويصلنا صداه،‮ ‬وما تنقله شاشة التليفزيون علي كل القنوات،‮ ‬حتي اقترحت جدته اغلاق‮ »‬هذا الذي‮ ‬يثير فزع‮ ‬يوسف‮«.. ‬وتكفي الصرخات التي تصلنا،‮ ‬والتحذيرات التي يتناقلها الجيران عبر الشرفات،‮ ‬بعد أن اختفت الشرطة،‮ ‬وخرج المجرمون من جحورهم‮.‬لم يلق اقتراح الجدة ترحيباً،‮ ‬وخطرت ببالي فكرة‮: ‬لماذا لا أحكي ليوسف حكاية طويلة؟وبصوت تصنعت فيه الهدوء،‮ ‬وابتسامة زائفة رسمتها علي شفتي،‮ ‬وإن فضحتني ملامحي،‮ ‬بدأت أحكي وقد ضممت يوسف إلي صدري‮:‬‮  ‬يوسف‮.. ‬افرح يا حبيبي ولا تفزع،‮ ‬نعم العنف والاجرام يسيطر علي كل ما حولنا،‮ ‬لكن قريباً‮ ‬سيتم حساب عسير لكل من خان أو تآمر علي الوطن‮ .‬مازال الولد يرتجف،‮ ‬والدموع تحجرت في عينيه،‮ ‬الا ان الهدوء بدأ يتسلل إلي أوصاله،‮ ‬ابتسمت،‮ ‬رد بابتسامة مشجعة فواصلت حديثي‮:‬‮-‬يا حبيبي سوف أذكرك حين تصبح صبياً‮ ‬بهذه الليلة الليلاء،‮ ‬وستقرأ أنها كانت الرد علي ما شهدته مصر خلال أربعة أيام‮ ‬غيرت وجهها،‮ ‬وإن الغضب الساطع لشباب مصر من أجل التغيير كان لحظة حاسمة في تاريخ الوطن،‮ ‬عشتها في هذه الليالي مع جدك الذي تمني ان يري انتفاضة بريئة من الحسابات والألوان والولاءات‮.‬صمت لحظة،‮ ‬ثم تساءلت‮:‬ هل تفهمني يا يوسف؟نظرته البريئة،‮ ‬ودمعة مترددة كقطر ندي طاهرة انحدرت من مقلته،‮ ‬ثم هزة من رأسه أشعرتني أنه يفهم ما أقول‮:‬ لحظات عصيبة،‮ ‬حاسمة،‮ ‬عشتها،‮ ‬ووعيتها منذ تفتح وعيي لأول مرة حين وقعت نكسة ‮٧٦ ‬لكني لا أذكر ان اللصوص كانوا بخسة ما‮ ‬يفعله كبارهم قبل صغارهم الآن،‮ ‬وعبر ليال استمرت سنوات طويلة،‮ ‬حتي فاض الكيل،‮ ‬ولم يعد بد من أن تتطهر المحروسة علي يد جيل كانت نظرتنا إليه ظالمة‮!.‬وكأن يوسف اعتاد جلبة الشارع ومشاهد الترويع والحرائق التي يبثها التليفزيون،‮ ‬واطمأن في أحضاني،‮ ‬فواصلت حكايتي‮:‬ سوف تدرس يا حبيبي فصلاً‮ ‬عن حرب أكتوبر ‮٣٧‬،‮ ‬في تلك الأيام المجيدة،‮ ‬لم تسجل أقسام الشرطة أي حادث من أي نوع،‮ ‬فأي نبل كان من لصوص هذا الزمن البعيد،‮ ‬مقابل خسة ووضاعة من قوي الظلام،‮ ‬التي تبتغي دفع المحروسة الي المجهول،‮ ‬ولو كانت ادواتها البلطجة والتخريب والترويع‮.‬اقتربت هاجر من فلذة كبدها،‮ ‬تعاين نتيجة المحاولة،‮ ‬عندما كان يوسف يرسل اشارات واضحة علي تهيئه للنوم‮:‬ في انتفاضة ‮٧٧٩١ ‬كان جدك في الجامعة،‮ ‬وكاد يدفع حياته حين حاول إثناء بعض العابثين عن التخريب،‮ ‬بعد أن انحرفوا بالانتفاضة عن هدفها الحقيقي،‮ ‬ثم جاءت أحداث الأمن المركزي‮ ‬ُ‮ ‬عام ‮٦٨٩١ ‬وكانت أمك بعد في المهد صبية،‮ ‬وعشت معها لحظات سوداء كتلك،‮ ‬لكنها مرت،‮ ‬وصمدت مصر تماماً‮ ‬كما تجاوزت‮  ‬من قبل حادثة المنصة واغتيال الرئيس السادات في أكتوبر ‮١٨٩١‬،‮ ‬مصر العظيمة،‮ ‬وشعبها الصبور الصامد تجاوز محنا صهرته،‮ ‬وأزالت نيرانها الخبث وكشفت عن جوهره عندما سمعت صوت جنزير إحدي المدرعات في شارعنا،‮ ‬وارتفاع اصوات مكبرة مهللة خشيت ان تثير فزع يوسف،‮ ‬نظرت إلي وجهه الملائكي،‮ ‬فإذا بابتسامة مطمئنة ترتسم علي قسماته،‮ ‬همست في رفق‮:‬ يوسف أيها الحبيب‮.. ‬افرح ولا تفزع،‮ ‬فسيجني جيلك ثمارا طيبة لفجر جديد يطل الآن علي مصر‮.‬طعم آخر للفرحةالأحد ‮٦ ‬فبراير‮:‬صورتان لن تبارحا الذاكرة‮:‬أولهما في احدي الجرائد العربية،‮ ‬تصدرت صفحتها الأولي بعرض ثمانية أعمدة،‮ ‬وقائد المنطقة المركزية يُقبل رأس احد المتظاهرين‮.‬الثانية كانت ضمن السيل المتدفق من الصور التي تصلنا من مصادر عدة في صالة التحرير،‮ ‬صورة فريدة من نوعها‮: ‬زفاف شاب وفتاة،‮ ‬وخلفية الصورة إحدي الدبابات كأنها‮ »‬الكوشه‮«‬،‮ ‬بعد أن شارك العروسان في ثورة ‮٥٢ ‬يناير‮.‬كنا ندرس في كلية الإعلام ان الصورة بألف كلمة،‮ ‬لكن بعد هذا العمر في مهنة البحث عن الحقيقة،‮ ‬تكشفت حقيقة أكثر سطوعاً‮..‬في صور من هذا الطراز الرائع الفريد،‮ ‬فإن الصورة بمليون كلمة،‮ ‬لأنها تشف عما يعجز القلم عن وصفه،‮ ‬ولعل القاسم المشترك في الصورتين،‮ ‬ليس فقط انهما مفعمتان بالمشاعر‮  ‬الانسانية الراقية التي تقاوم اللحظات الصعبة الملتهبة،‮ ‬لكن‮  ‬أيضا في عبقرية من سجل‮  ‬قُبلة الچنرال،‮ ‬وتحول الدبابة إلي‮ »‬الكوشة‮«.‬صباح الحريةالسبت‮  »‬صباحية الانتصار‮«:‬ذهب الليل‮.. ‬طلع الفجر‮.. ‬والعصفور صوصو‮.‬صوصوة حرية وكرامة وعزة‮.‬صوصوة تبشر بزوال ليل طويل‮.‬لا أعرف لماذا عاد بي الدهر عقوداً،‮ ‬لأتذكر مطلع أغنية محمد فوزي الشهيرة،‮ ‬علي طول الطريق من مدينة نصر الي وسط المدينة‮.‬يوم ليس كمثله يوم‮..‬وجوه مستبشرة،‮ ‬تحمل نفس الملامح،‮ ‬لكن الحزن الذي كان يحفرها علي مدي سنوات،‮ ‬يبدو الآن سعادة طاغية،‮ ‬فرح نبيل،‮ ‬ربما بفعل سقوط الخوف الذي كان يملأ القلوب،‮ ‬فيكسو الوجوه،‮ ‬ويطغي علي الأرواح،‮ ‬فيسلبها اي وهج،‮ ‬حتي تكاد تحسبها لكائنات شمعية شاحبة‮!.‬في تقاطع‮ »‬انبي‮« ‬مع عباس العقاد كان المشهد باعثاً‮ ‬لمشاعر متضاربة‮: ‬هل يأسي المرء علي ما ضاع ام يتطلع للغد الذي بزغت شمسه مبكراً؟شباب ‮٥٢ ‬يناير يلتف حول ضابط شاب وعدد من جنوده،‮ ‬يتبادلون التحية،‮ ‬ويحرص بعضهم علي التقاط صور خلفيتها الدبابة الرابضة منذ نزل الجيش لتأمين المحروسة،‮ ‬بعد ان تخلت الشرطة عن دورها،‮ ‬واطلق كبيرهم مقولته البغيضة‮: »‬خلي الجيش ينفعهم‮«!.‬بعد عناية الله كان درع البلاد وسيفه،‮ ‬جيش مصر الذي لم يخذلها حرباً‮ ‬أو سلماً‮ ‬العين الحارسة الساهرة،‮ ‬حتي تغفو عيون ارهقها السهاد والسهر والقلق بعد بدء خطة الترويع المنظم التي لن يفلت من وضعها او اطلقها من يد العدالة‮.‬لم يكن قد مضي علي تنحي الرئيس،‮ ‬وتولي المجلس الأعلي للقوات المسلحة المسئولية سوي ساعات إلا ان ميدان العباسية كان‮ ‬غير الذي رأيته امس الأول،‮ ‬فيضان الفرحة دفع الناس لتبادل التهنئة،‮ ‬واطفال بصحبة آبائهم يلوحون بعلامات النصر لرجال الشرطة العسكرية المرابطين هناك‮.‬المشاهد،‮ ‬والمشاعر،‮ ‬والكلمات كلها تترجم روحاً‮ ‬جديداً،‮ ‬كان ثمنها دماءً‮ ‬طاهرة سالت،‮ ‬وشباباً‮ ‬كالورد ترك كل شيء خلف ظهره،‮ ‬وليس أمامه الا هدف محدد‮: ‬استعادة روح مصر‮.‬حين وصلت الي مبني الاخبار،‮ ‬كانت الوجوه التي عهدت بعضها لسنوات طويلة،‮ ‬وكأنها تبدلت‮!.‬الابتسامة من القلب،‮ ‬التحية ودودة دون تكلف،‮ ‬المجاملة رقيقة بلا اصطناع و‮.. ‬و‮... ‬وكأن الحرية أعادت صياغة الناس في عشية وضحاها‮!.‬في صالة التحرير،‮ ‬الزملاء يتبادلون التهاني بالاحضان‮ »‬بالأحضان يا ثورتنا يا حلوة بالأحضان‮« ‬هكذا استقبلني شاب من جيل ‮٥٢ ‬يناير،‮ ‬أحد الأبناء الذين أصبح الاعتذار لهم واجباً،‮ ‬فقد أخطأ جيل الآباء وأنا‮ ‬منهم في تقدير حق وقدر هذا الجيل‮.‬وما أن جلست أمام مكتبي حتي دق جرس الهاتف،‮ ‬وجاء الصوت مجلجلاً‮:‬ صباح الحرية،‮ ‬صباح الثورة،‮ ‬مبروك علينا كلنا‮.‬كان صديقاً‮ ‬عزيزاً،‮ ‬اقتسمنا معاً‮ ‬حلم الثورة حتي هرمنا،‮ ‬لكن الأبناء جددوا شبابنا حين حققوا الحلم القديم‮.‬حمداً‮ ‬لله،‮ ‬جيلي كتب له ان يشهد عبور الكرامة في أكتوبر ‮٣٧ ‬وعبور الحرية في ‮١١٠٢.‬هل يكون ثالثهم؟الاثنين‮ »‬ظهراً‮«:‬رنين الهاتف لا ينقطع،‮ ‬وكأن نداء‮ ‬عاجلا‮ ‬يلح في استدعائي‮.‬ نعم‮..‬‮> ‬برضه نعم،‮ ‬نفسي أسمع‮ »‬آلو‮« ‬منك ولو مرة،‮ ‬عموماً‮ ‬مبروك علي مصر‮.‬ كلام التليفونات لا يشفي‮ ‬غليلاً،‮ ‬ألا تحتاج أن نحكي،‮ ‬نرتب أفكارنا بعد الزلزال الذي رج وهز كل مصري‮.‬‮> ‬اذن أغلق سماعتك وسأكون عندك خلال دقائق‮.‬وصل الزميل،‮ ‬قلت له‮:‬ القهوة لا تناسب المقام،‮ ‬والشربات لا يوجد في بوفيه المؤسسة و‮.... ‬و‮... ‬وقبل أن أكمل جملتي التالية قال‮:‬ لك عندم مفاجأة من العيار الثقيل جداً‮ ‬جداً،‮ ‬الأستاذ‮ »....« ‬يفكر جدياً‮ ‬في الاعتذار عن كتابة عموده اليومي‮.‬كان للخبر وقع الصاعقة،‮ ‬تطلعت إلي وجه صديقي،‮ ‬حاولت أن أقرأ مدي الجدية التي اكتست بها كلماته‮.‬ران الصمت بيننا دقيقة،‮ ‬ثم قال‮:‬ الرجل أكد لي انه ولأسباب انسانية لن يستطيع ان يكتب،‮ ‬فالتحول الدرامي الذي شهدته مصر،‮ ‬فوق احتماله،‮ ‬من ثم فإن خيار التوقف عن الكتابة هو الارجح،‮ ‬ثم‮ »‬انني لا استطيع لأسباب أخلاقية أن أهرول مع المهرولين،‮ ‬وأتحول مع المتحولين‮«..‬مرة أخري لم أجد إلا الصمت رداً‮!.‬سألني الصديق الزميل‮:‬ ما تعليقك علي ما سمعت؟‮> ‬مفاجأة‮..‬ ثم ماذا؟‮> ‬بالطبع‮.. ‬موقف جدير بالاحترام،‮ ‬مهما كان حجم الخلاف مع الكاتب فكرياً‮ ‬وسياسياً‮.‬ ليس هذا كل شيء‮.. ‬فالرجل يقول انه سوف يعيد تقييم التجربة الناصرية‮.‬‮> ‬عموماً‮.. ‬لا يعنيني في كل ما سمعت الا قرار الرجل بالتوقف عن الكتابة احتراماً‮ ‬لنفسه ومواقفه المعروفة،‮ ‬بعكس كثيرين استطاعوا التفوق علي الحرباء في قدرتها السريعة علي التلون‮.‬نظرت إلي صاحبي مستطلعاً،‮ ‬فلم يزد عن إيماءة هادئة،‮ ‬وكأنه يطلب مني الاستمرار‮. ‬ختمت كلماتي‮.‬‮> ‬هل تعرف ان الرجل اذا اصر علي موقفه،‮ ‬واصبح قراره سارياً‮ ‬يكون ثالث ثلاثة‮: ‬هيكل الذي لم يغيره رحيل عبدالناصر،‮ ‬وموسي صبري الذي لم تختلف مواقفه بعد اغتيال السادات،‮ ‬والأستاذ‮ ».....« ‬بعد تنحية مبارك‮.‬ومازال هناك كُتاب محترمون هم قلة،‮ ‬لكن الصحافة لن تعدمهم‮.‬ومضةميدان فقد يوماً‮ ‬عنوانهصار وطناً‮ ‬بلا حدودبشر كموج البحر ثاروافهدموا كل السدودخيوط فجر ودم سال أنهاراًشمس بزغت وبسمة مولودكانوا لحظتها‮ »‬شهود‮«.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل