المحتوى الرئيسى

الكل في واحدالجذور الثقافية العميقة للثورة المصرية

02/18 07:47

سيظل ‬يوم الجمعة الحادي عشر من فبراير ماثلاً‮ ‬في ذاكرة الإنسانية عامة،‮ ‬وفي ذاكرة المصريين خاصة،‮ ‬منذ الصباح الباكر لم يعد في ميدان التحرير موطئ لقدم،‮ ‬مشهد مهيب،‮ ‬فيه قدر من القداسة،‮ ‬حشد نادر لم يحدث من قبل،‮ ‬يشبه الحشود الكبري للمؤمنين الذين يحجون إلي الأماكن المقدسة،‮ ‬لكن هؤلاء لم يجيئوا لتأدية طقس ديني،‮ ‬إنما قدموا من أجل الحرية،‮ ‬العدل،‮ ‬حياة إنسانية أفضل،‮ ‬ضد الفساد،‮ ‬ضد الدكتاتورية،‮ ‬منذ بدء الثورة في الخامس والعشرين من يناير وميدان التحرير تحول من مجرد مكان إلي رمز،‮ ‬إلي بؤرة الثورة،‮ ‬توافد إليه المصريون،‮ ‬ليس من جموع الشباب فقط،‮ ‬إنما من جميع أنحاء مصر،‮ ‬من قري قصية في الصعيد،‮ ‬من مدن علي أطراف الصحراء،‮ ‬من مصر السفلي،‮ ‬من مصر العليا،‮ ‬جاء كل منهم وهو لا يعرف إن كان سيلاقي أهله مرة أخري أم لا؟،‮ ‬بعضهم جاء لا يملك من زاد الدنيا شيئاً،‮ ‬لكنه حمل معه ما استطاع أن يدبره من طعام لمن لا يعرفهم،‮ ‬لكم توافد علي الميدان مواطنون يحملون سلالاً‮ ‬من الخبز،‮ ‬طعام،‮ ‬لم تكن هناك جهة لاستلامه،‮ ‬كانوا يضعون ما حملوه في الميدان ويولون ظهورهم إلي حيث سيجلسون ويعتصمون،‮ ‬عندئذ يجيء من يوزع قليل الزاد علي الثوار،‮ ‬رأيت اثنين يقتسمان بيضة،‮ ‬لم ينشأ زحام علي أي شيء،‮ ‬كان التدافع علي إيجاد مكان للقدمين،‮ ‬عرفت أسراً‮ ‬ميسورة اشتري أفرادها الأغطية والبطاطين ليرسلوها إلي من لا يعرفون،‮ ‬إلي الثوار لكي يتدفأوا في العراء،‮ ‬خلال الثورة عرفت مصر أياماً‮ ‬من أبرد ما مر بها في هذا الشتاء،‮ ‬وتساقطت أمطار‮ ‬غزيرة القطر،‮ ‬لكن الناس الذين تحركوا،‮ ‬انتفضوا من أجل الحرية،‮ ‬تدفأوا بأرواحهم،‮ ‬بإصرارهم،‮ ‬نقول الناس في اللغة‮ ‬غير أننا لا نعرف معني اللفظ إلا عندما نري تجسده في جموع حاشدة تجييء من كل حدب وصوب،‮ ‬لم يكن الشباب فقط،‮ ‬إنما الذين بلغوا من العمر مراحل متقدمة،‮ ‬جاءوا بخطاهم المتمهلة يتوكأون علي عصيهم،‮ ‬أما المشهد الذي لم أعرف له مثيلاً‮ ‬في تاريخ الثورات،‮ ‬فهو الآباء والأمهات الذين حملوا علي أكتافهم وصدورهم أطفالهم الرُضع،‮ ‬رمزية المشهد وتجسده علي أرض الواقع تذهلني وتؤثر فيّ،‮ ‬قرأت تفاصيل الثورات التي قام بها المصريون خلال تاريخهم ولم أعرف مثل هذا،‮ ‬أسر بأكملها جاءت إلي التحرير،‮ ‬أب وأم وأطفالهما ليعتصموا وتمر عليهم الأيام والليالي وصولاً‮ ‬إلي هذا اليوم المهيب،‮ ‬الجمعة،‮ ‬طوال التظاهرات التي عرفتها مباشرة أو التي قرأت عنها،‮ ‬كان الشباب والرجال هم عمادها،‮ ‬عرفت مصر ثورات النساء وخروجهن في مظاهرات خلال ثورة ‮٩١٩١ ‬التي اندلعت ضد الاحتلال الانجليزي،‮ ‬نساء مصر خرجن من الحواري والأزقة في القاهرة القديمة،‮ ‬من مدرسة السنية للبنات التي أنشئت في القرن التاسع عشر،‮ ‬نظمن مظاهرات خلعن خلالها الحجاب،‮ ‬واجهن جنود الاحتلال الانجليزي بشجاعة،‮ ‬وتكرر ذلك في ثورات مصر،‮ ‬وكان آخرها مظاهرات الطلبة في السبعينيات والتي كانت موجهة ضد الرئيس السادات وسياساته وخلالها تمركزوا أيضاً‮ ‬في ميدان التحرير،‮ ‬الميدان الذي يعد في القاهرة مركزها السياسي نظراً‮ ‬لوجود مؤسسات الدولة حوله،‮ ‬كما أنه الأفسح مساحة،‮ ‬أنشأه الخديو اسماعيل في القرن التاسع عشر علي‮ ‬غرار ميدان النجمة شارل ديجول الآن في باريس‮.‬ عرفت مصر خروج النساء في مظاهرات،‮ ‬حتي في العصر المملوكي،‮ ‬لكن أن تخرج أسر بأكملها بما فيها أطفالها الصغار الرضع فهذا ما لا أعرفه من قبل،‮ ‬غير أنني تذكرت مشهد الروح الأسرية في المشاهد الموجودة بداخل المتحف المصري الذي تعرض للأسف إلي بعض الدمار،‮ ‬نلاحظ في الفن المصري القديم حرص الفنان علي تصوير الأسرة،‮ ‬الأب والأم وبينهما الابن أو الابنة،‮ ‬تلك اللمسة الحانية من يد الرجل أو المرأة علي كتف قرينها أو قرينته،‮ ‬ومشاهد الملك اخناتون في تل العمارنة كلها أسرية،‮ ‬الإحساس بالأسرة المصرية عميق،‮ ‬متأصل في الشعب المصري،‮ ‬وفي القاهرة القديمة لكم لاحظت بعض المشاهد التي تشبه لوحات وتماثيل الفن القديم،‮ ‬بائع متجول يحمل طفله بينما يدفع عربته أمامه،‮ ‬سائق عربة عامة يضع صورة ابنه أمامه،‮ ‬ومن العبارات التي رصدها العالم الاجتماعي سيد عويس والمكتوبة علي عربات النقل وسيارات الأجرة،‮ ‬وتلك ظاهرة مصرية حميمة،‮ ‬عبارات كثيرة تعبر عن التعلق بالأسرة،‮ ‬ودعوات بحفظ الأبناء الذين يذكرون الآن بالأمس،‮ ‬لذلك كان من أفدح المشاعر التي أصابت المصريين بعد بدء سياسات الانفتاح الاقتصادي التي بدأت في زمن السادات وتوحشت في عصر مبارك الذي تحول فيه نظام الحكم إلي تشكيل يشبه‮ »‬المافيا‮«‬،‮ ‬هو تفرق شمل الأسر المصرية،‮ ‬باضطرار الآباء والأبناء إلي الخروج للعمل في البلاد العربية،‮ ‬واضطر آلاف الشباب إلي ركوب قوارب الموت سعياً‮ ‬للوصول إلي الشاطئ الآخر من المتوسط،‮ ‬مازلت أذكر دخولي إلي قرية في أعماق الصعيد منذ سنوات،‮ ‬كان الوقت عصراً‮ ‬وكنت أقصد أسرة فقيرة أحمل لها مساعدة من الجريدة التي أعمل بها الأخبار فوجئت أن معظم القرية من النساء،‮ ‬والرجال المعمرين،‮ ‬معظم الأزواج سافروا إلي الخارج،‮ ‬هذا وضع لم تعرف له مصر مثيلاً‮ ‬في مختلف عصورها،‮ ‬ارتباط المصري بأسرته الصغيرة،‮ ‬إلي الأسرة الأكبر،‮ ‬الوطن،‮ ‬الإنسانية،‮ ‬في الدولة القديمة قام الفرعون بنفي أحد رجال القصر واسمه سنوحي إلي جزيرة في البحر المتوسط ربما كانت كريت،‮ ‬أمضي سنوات صعبة في المنفي،‮ ‬وكان أشد ما يؤلمه أن يموت ويدفن في أرض‮ ‬غريبة،‮ ‬راح يرسل خطابات إلي الفرعون تعتبر من أبلغ‮ ‬الرسائل في الحنين وتعبيراً‮ ‬عن فداحة الغربة،‮ ‬وتعد من أقدم نصوص الأدب الإنساني،‮ ‬ظن كثيرون أن الظروف الاقتصادية القاسية،‮ ‬وفساد النظام خلال العقود الأخيرة قد نالت من الشعب المصري،‮ ‬ولكن جاءت الثورة لتؤكد أن الجوهر سليم،‮ ‬وأن ما كان المصريون ينتظرونه الشرارة الموقدة،‮ ‬لقد طال صمتهم وكنت دائماً‮ ‬أنبه إلي خصوصية حركة المصريين،‮ ‬وأن الجميع يجب ألا ينخدعوا بهذا الصمت أو السكوت عن هذه المفاسد،‮ ‬وتلك المظالم،‮ ‬كنت أرقب مرور الوقت وأخشي مفارقة الحياة وهذا الوضع مستمر علي ما هو عليه،‮ ‬لقد عصفت بجيلي ظروف كثيرة خلال الستين عاماً‮ ‬الأخيرة عرفنا خلالها السييء ثم الأسوأ،‮ ‬سواء في عصر جمال عبدالناصر حيث انتفت الحريات،‮ ‬أو السادات الذي زرع أصول الفساد،‮ ‬لكن الوضع في العقود الأخيرة فاق كل خيال،‮ ‬ساعد علي ذلك طول بقائه في الحكم،‮ ‬وذكاء خبيث في التعامل مع المصريين،‮ ‬وأيضاً‮ ‬وحشية ضارية،‮ ‬لقد تحولت أجهزة الدولة إلي خدمة المافيا خاصة الشرطة التي ارتدي بعض أفرادها في تشكيلات خاصة الملابس المدنية للاعتداء علي المتظاهرين أو المحتجين،‮ ‬وجدت عملية اغتيالات‮ ‬غامضة وضرب للمعارضين في الطرق النائية،‮ ‬واختطاف بعضهم مثل الدكتور عبدالوهاب المسيري وإلقائه في الصحراء،‮ ‬رغم مرضه،‮ ‬كان النظام متوحشاً،‮ ‬دموياً‮ ‬تجاه المعارضين،‮ ‬خاصة عندما تصل الأمور إلي المساس بالدائرة العائلية التي تخص الرئيس،‮ ‬لقد طال صمت المصريين،‮ ‬ولكن عناصر تكوينهم وخصائصهم في العمق،‮ ‬في الجوهر تحركت يوم الخامس والعشرين من يناير وبلغت الذروة في يوم الجمعة المقدسة التي تحول فيها المصريون إلي واحد،‮ ‬إنه الكل في واحد،‮ ‬تماماً‮ ‬كما عبرت النصوص المصرية القديمة عن فناء الفرد المحدود في الكون اللامحدود‮.‬ ‮>>>‬ إنها الجمعة،‮ ‬الحادي عشر من فبراير،‮ ‬يضيق الميدان بالوافدين،‮ ‬كل أطياف المصريين،‮ ‬الرجال والنساء والأطفال جاءوا من كل فج،‮ ‬المحجبة بجوار السافرة،‮ ‬المسلم إلي جانب المسيحي،‮ ‬أثناء صلاة المسيحيين كان المسلمون يقفون لحراستهم،‮ ‬والعكس،‮ ‬توارت تماماً‮ ‬أحداث الفتنة الطائفية التي اتضح من دلائل عديدة أن النظام كان يؤججها ليبقي في السلطة،‮ ‬ثمانية عشر يوماً‮ ‬من الاعتصام المستمر،‮ ‬لم يجر خلالها تحرش بأنثي،‮ ‬ولم تمتد يد لتسرق شيئاً‮ ‬صغيراً‮ ‬أو كبيراً،‮ ‬لم يتحطم لوح زجاجي،‮ ‬وعندما كان بعض المندسين ينادون بالعنف،‮ ‬كانت هتافات الناس تعلو‮ »‬سلمية‮.. ‬سلمية‮«‬،‮ ‬اختفت التوترات الاجتماعية بين المصريين التي كانت سائدة بينهم من قبل أحداث الثورة،‮ ‬كان المجتمع يعاني مناخاً‮ ‬طارداً‮ ‬للبشر،‮ ‬واكتئاباً‮ ‬جماعياً،‮ ‬كانت المشاجرات تنشب لأقل الأسباب،‮ ‬في ميدان التحرير بعد الثورة تغير المناخ النفسي للمصريين،‮ ‬مئات الأطباء تنافسوا في الحضور،‮ ‬أقاموا مستشفيات ميدانية في مداخل محطة مترو الأنفاق،‮ ‬وفي بعض الفراغات بين المباني،‮ ‬قاموا بتنظيم أنفسهم في مجموعات ونوبات زمنية،‮ ‬بعضهم لم تكن له علاقة بالسياسة قبل الثورة،‮ ‬انخرطوا تماماً،‮ ‬ليس في أداء واجبهم المهني والإنساني فقط،‮ ‬إنما في المظاهرات،‮ ‬والتصدي لبلطجية النظام والمجرمين وأصحاب السوابق الذين أطلقهم وزير الداخلية السابق عمداً‮ ‬من السجون لترويع المصريين علي مستوي المجتمع كله عامة،‮ ‬وضرب تجمعات الثوار في مصر،‮ ‬خاصة ميدان التحرير،‮ ‬سيظل انسحاب الشرطة فجأة من النقاط السواء في تاريخ مصر ولن أنس الليلة الأولي التي اختفت فيها الشرطة عمداً‮ ‬بتعليمات منظمة،‮ ‬وترك مصر كلها للمجرمين والسجناء المطلوقين،‮ ‬وتوالت استغاثات القوم عبر الإذاعة والتليفزيون،‮ ‬في تلك الليلة نزلت إلي الشارع مع سكان العمارة،‮ ‬كل يحمل ما تيسر له،‮ ‬عصا،‮ ‬سكين مطبخ،‮ ‬القلائل أتيح لهم سلاح خفيف،‮ ‬وكان المجرمون يحملون السلام الأبيض والناري،‮ ‬وتعرضت منطقة الزهراء القريبة من إقامتي لعملية نهب واسعة،‮ ‬ستظل هذه الليلة وما تلاها من الليالي الغريبة،‮ ‬المخيفة في تجارب الشعوب،‮ ‬أسفر النظام عن طبيعته بشكل مباشر،‮ ‬بعد أن كان يمارسها بشكل‮ ‬غير مباشر،‮ ‬في التحرير كان المصريون بأطفالهم ونسائهم وعجائزهم يجسدون أشواق الحياة إلي الأفضل،‮ ‬وعلي حدود الميدان كان البلطجية والمساجين والمجرمون،‮ ‬طوال العقود الماضية كان النظام يخلق فئة جديدة لنهب البلد وثرواته،‮ ‬بعض من رجال الأعمال فتحت لهم خزائن البنوك،‮ ‬ومنحت لهم الأراضي بملايين الأمتار،‮ ‬حتي إن بعضهم امتلك مطارات خاصة،‮ ‬هؤلاء مولوا الهجمات المنظمة وإطلاق المساجين المجرمين علي الشعب،‮ ‬وسقط نتيجة لذلك مئات الضحايا،‮ ‬وللأسف فإن النظام برموزه مازال قائماً‮ ‬حتي الآن‮. ‬صحيح أن رأسه سقط،‮ ‬وبعض من رجاله،‮ ‬لكن النظام مازال قائماً،‮ ‬وتغييره مازال في حاجة إلي رؤية أشمل وحركة أسرع،‮ ‬إن توحد المصريين،‮ ‬انبعاثهم الروحي يمكن أن يكون منطلقاً‮ ‬لعصر جديد،‮ ‬لروح جديدة في جميع المجالات،‮ ‬الثقافية والاقتصادية والسياسية،‮ ‬تماماً‮ ‬كما جري ذلك بعد ثورة ‮٩١٩١‬،‮ ‬لكن استثمار نتائج الثورة يحتاج إلي إطار،‮ ‬إلي نظام مغاير،‮ ‬إلي وجوه جديدة،‮ ‬ومازال هذا في مرحلة المخاض العسير‮.‬ ‮>>>‬ صباح الجمعة الحادي عشر من فبراير اكتملت حركة المصريين،‮ ‬أصبحت مصر كلها ميداناً‮ ‬للتحرير،‮ ‬تحققت الحركة الخاصة،‮ ‬الثورة عندما لا يتوقع أحد ثورة القوم،‮ ‬التحرك عندما يتصور الجميع أن النفوس قد ضعفت،‮ ‬وهذا حال مصري دقيق لا يعرفه إلا من استوعب الثقافة الخاصة للمصريين والنابعة من تكوينهم الحضاري الذي بدون معرفته لا يمكن فهم ما جري،‮ ‬بعض أجهزة‮  ‬المخابرات العالمية وجه إليها النقد لأنها لم تتنبأ بما حدث،‮ ‬بدون فهم ثقافة المصريين الكامنة التي تعمل علي مهل،‮ ‬بتأن،‮ ‬لا يمكن التنبؤ بما ستصير إليه الأحوال،‮ ‬بدون قراءة وتأمل كتاب‮ »‬الخروج إلي النهار‮« ‬الذي كانت توضع نصوصه مع الراحلين إلي الأبدية،‮ ‬بدون فهم الرؤية المصرية إلي الكون والتي عبرت عنها النصوص القديمة،‮ ‬والأغاني الشعبية،‮ ‬والأمثال الشعبية،‮ ‬لنتأمل هذا المثل البليغ‮:‬ ‮»‬اصبر علي جار السو‮.. ‬لتجيله مصيبة،‮ ‬يا يرحل‮«‬ بدون قراءة مصادر التاريخ المصري،‮ ‬خاصة في العصر المملوكي،‮ ‬المقريزي وابن اياس وابن تغري بردي،‮ ‬ثم الجبرتي في العصر العثماني وزمن الاحتلال الفرنسي،‮ ‬بدون قراءة شكاوي المصري الفصيح،‮ ‬وعودة الروح لتوفيق الحكيم،‮ ‬وأعمال نجيب محفوظ،‮ ‬وعيون الأدب المصري الحديث،‮ ‬والإبداع المصري الصميم في جميع مجالاته،‮ ‬بدون فهم واستيعاب هذا القول القديم،‮ ‬المتجدد‮ »‬الكل في واحد‮« ‬لا يمكن فهم الثورة المصرية الأخيرة ولا استنتاج ما سيليها‮.‬ من الأمور التي تستوقف النظر،‮ ‬موقف الجيش،‮ ‬لقد دفع النظام بالقوات المسلحة متصوراً‮ ‬أنها قوة قمع،‮ ‬ولو أن قادة النظام اطلعوا علي تاريخ الجيش المصري لما اتخذوا القرار بنزول القوات إلي الشارع،‮ ‬منذ تأسيس الجيش المصري الحديث في عهد محمد علي باشا مؤسس الدولة الحديثة لم يقم الجيش المصري بأي عملية قمع ضد شعبه،‮ ‬وفي الأوقات الحرجة يتصدر الجيش المشهد،‮ ‬مثل وقفة أحمد عرابي في ميدان عابدين مواجهاً‮ ‬الخديو،‮ ‬والتي يوازيها وقفة المشير محمد حسين طنطاوي ورفاقه في مواجهة رأس النظام في اللحظة الحرجة التي بدا خلالها شبح الانهيار وتفكك الدولة،‮ ‬الرئيس لم يتخل،‮ ‬لكنه أُرغم،‮ ‬ولو أن الرئيس قرأ تاريخ الجيش الذي حارب في صفوفه،‮ ‬وكان من رموزه لأدرك النتيجة،‮ ‬عندما نزل الجيش إلي الشارع قوبل من الجموع بالورود والترحيب،‮ ‬ورأيا مشاهد مؤثرة ستظل في الذاكرة الوطنية،‮ ‬المصريون يركبون الدبابات،‮ ‬والجنود يتقاسمون طعامهم مع المعتصمين،‮ ‬والعربات المدرعة كُتب عليها‮ »‬يسقط مبارك‮«‬،‮ ‬ولعلها المرة الأولي في العالم التي ينزل فيها جيش دولة في مهمة لقمع الثورة،‮ ‬وإذا بآلياته تحمل شعارات الثورة،‮ ‬لم يحدث أن فرداً‮ ‬من القوات المسلحة دفع مواطناً‮ ‬بيده،‮ ‬كان التفاهم سائداً،‮ ‬والود قائماً،‮ ‬لقد أصبح الجيش جزءاً‮ ‬من الشعب الثائر،‮ ‬وتحقق بذلك القول الحكيم القديم‮ »‬الكل في واحد‮«‬،‮ ‬كان أشد ما أخشاه أن يقع حادث ولو بالخطأ لكن لم يحدث ذلك،‮ ‬وكان تدخل قادة الجيش حاسماً،‮ ‬فأنقذوا أرواحاً‮ ‬بلا حصر من بني وطنهم،‮ ‬وجنبوا البلاد أنهاراً‮ ‬من الدم،‮ ‬علي امتداد ذلك اليوم‮ »‬الجمعة‮« ‬أصبح الكل في واحد،‮ ‬وبدون استيعاب هذا المعني وخلفيته الثقافية فلن ندرك الأبعاد العميقة لما جري‮.‬‮

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل