المحتوى الرئيسى

الغائب الوحيد عن ميدان التحرير

02/18 07:47

منظر ‮ ‬شباب التحرير ذكرني بالغائبين عن ميدان التحرير‮.‬لم يشاركوا فيه‮. ‬ليس لأنهم مترددون‮. ‬ولا رافضون‮.‬ولكن لسبب جوهري لا يمكن مناقشته أو القفز عليه‮. ‬هذا السبب أنهم من الموتي‮. ‬تختلف أسباب الموت وتتنوع‮. ‬لكن الموت واحد‮. ‬سواء كان بالانتحار أو الموت الطبيعي‮. ‬المنتحرون من شباب مصر في السنوات الأخيرة ما أكثرهم‮. ‬لن أقدم إحصاء بهم‮. ‬لأن الإحصاء‮ ‬غير متوافر لديَّ‮. ‬ولكني أتذكر الشاب الذي تقدم للعمل في وظيفة ملحق تجاري‮. ‬كان من المتفوقين في الدراسة‮. ‬بل كان من الأوائل‮. ‬واجتاز كل مراحل الامتحانات والاختبارات‮. ‬رغم أنه كان ينافس عتاولة شباب مصر الذين تعلموا في الجامعات الأجنبية‮. ‬ويجيدون أكثر من لغة أجنبية بعد أن أصبحت إجادتها أكثر أهمية ألف مرة من إجادة العربية‮.‬منافسوه ذهبوا إلي دورات تعقد الآن لمن يتقدمون للعمل في وظائف لها بريق اجتماعي ومالي‮. ‬وهذا الشاب لم يتمكن من حضور أية دورة من هذه الدورات‮. ‬لأن‮ "‬العين بصيرة والإيد قصيرة‮". ‬ومع هذا تفوق علي من تقدموا للوظيفة التي يسيل لها اللعاب‮. ‬مسلحون بكروت التوصيات والاتصالات التليفونية من كل عواصم المعمورة توصي عليهم‮.‬تقدم هذا الشاب إلي الوظيفة لا يمتلك سوي علمه ومعرفته ومواهبه الإنسانية التي مكنته من التفوق علي كل هؤلاء المدججين بالحسب والنسب والأموال‮. ‬والتمييز الاجتماعي لسبب بسيط أنه كان شاباً‮ ‬موهوباً‮. ‬والتمييز الاجتماعي تعبير جديد عرف طريقه لمصر بعد أكثر من نصف قرن علي قيام ثورة يوليو التي اعتبر رجالها أن العدل الاجتماعي حق مكتسب لكل مصري‮. ‬بعيداً‮ ‬عن اللون والجنس والدين والموقع الطبقي‮.‬أدي الشاب الامتحان‮. ‬لكنه لاحظ عند المقابلة الشخصية أن الأسئلة الكثيرة دارت حول أصله وفصله‮. ‬وعندما عرف من يجرون المقابلة أنه من قرية مصرية‮. ‬ركزوا كثيراً‮ ‬علي حجم الأراضي التي تمتلكها العائلة‮. ‬استغرب السؤال‮. ‬لأن ملابسه لم تكن لتوحي بأن أهله من أصحاب الأراضي الذين يقال عنهم في الريف المصري‮: ‬حاملوا الطين علي أكتافهم‮. ‬حاول أن يطرد الوساوس من خاطره حتي لا يفسد لحظة الامتحان‮. ‬ونجح في طرد الشيطان ولكن مؤقتاً‮.‬بعد الكفاح الذي خاضه معتمداً‮ ‬علي زنده وعرقه‮. ‬انتظر النتيجة‮. ‬مرت الأيام بطيئة‮. ‬كل يوم يدفع الآخر‮. ‬وكل ليلة تتحايل علي الليلة الأخري حتي تسمح لها بالعبور‮. ‬ثم جاء اليوم الذي أصبح من حقه أن يعرف النتيجة‮. ‬ذهب الشاب ليعرف النتيجة‮. ‬كان بعيداً‮ ‬عن ذهنه العبارة التي تقول‮:‬يوم الامتحان يكرم الإنسان أو يهان‮.‬ولم يكن يراهن علي المثل الذي يقول‮:‬‮- ‬قيراط حظ ولا فدان شطارة‮.‬اكتشف الشاب في لحظة فارقة أنه رسب‮. ‬لم ينجح‮. ‬كان لديه يقين من اللحظة الأولي أن عدم تمكنه لا علاقة له بالقدرات والإمكانيات‮. ‬ثقته بنفسه تصل المسافة بين الأرض وعنان السماء‮. ‬مع أنه لم يقترب لحظة من مشارف الغرور‮. ‬دارت به الأرض وهو يبحث عن اسمه ولا يجده‮. ‬قرأ قائمة الناجحين‮. ‬قرأها من فوق لتحت وعاد ليقرأها من تحت لفوق‮. ‬لم يجد اسمه‮. ‬وهذا معناه أن كل أحلام الوظيفة الجديدة قد ذهبت هباء‮.‬بذل جهداً‮ ‬خارقاً‮ ‬حتي يعرف سبب استبعاده‮. ‬ورغم أن التعليمات صريحة وواضحة بعدم ذكر هذه الأسباب‮. ‬الناجح لن يبحث عن سبب نجاحه‮. ‬أما المستبعد إياكم أن تعرفوه سبب الاستبعاد‮. ‬إنه أول وآخر من يعرف نفسه‮. ‬ولذلك سيدرك سبب استبعاده‮. ‬ومحاولة طرح السؤال من أجل المعرفة لا تخرج عن طمع المحرومين من شباب هذه الأيام‮. ‬ولكن يبدو أن شكله صعب علي بعض العاملين‮. ‬فقال له السبب‮:‬‮- ‬غير لائق اجتماعياً‮.‬كانت الجملة في بدايتها‮ ‬غامضة وغريبة وتطرق مسمعه وتخدش أذنه لأول مرة‮. ‬لكنها لم تكن الأخيرة‮. ‬عاد يتساءل عن عدم اللياقة الاجتماعية‮. ‬وعندما لم يجد من يجيبه‮. ‬عاود السؤال عن اللياقة الاجتماعية ما معناها‮. ‬بعد أن حذف لم من جملته‮. ‬رد من سأله علي السؤال بسؤال‮:‬‮- ‬وهل هذا سؤال يا أيها المجتهد المصري العظيم؟اللياقة الاجتماعية تعني الغني والعز والجاه‮. ‬تعني أن يكون أهلك من أصحاب الأطيان إن كنت من أهل الريف‮. ‬وامتلاك العقارات إن كنت من أهالي المدن والبنادر‮. ‬اللياقة الاجتماعية تعني حساباً‮ ‬متضخماً‮ ‬في البنك‮. ‬تعني أن أهلك استعادوا الألقاب التي ألغتها ثورة يوليو‮. ‬وأضافوا إليها الألقاب الجديدة‮. ‬ولأنه كان يعرف أن حياته تخلو من أسباب الوجاهة واللياقة الاجتماعية‮. ‬وأنه دخل هذه اللعبة‮. ‬لأنه لم يكن يعرف ذلك‮. ‬انصرف حزيناً‮.‬لا أعرف أمرين عند هذا الحد من القصة‮. ‬متي نبتت فكرة الانتحار في عقله؟ والثاني‮: ‬كم كانت المسافة بين المكان الذي تأكد فيه الشاب من استبعاده من الوظيفة ونهر النيل؟ لكنه قطعها ومع كل خطوة كان تصميمه يزداد علي الانتحار‮. ‬المؤكد أن الشاب رأي حياته كلها في هذه اللحظات‮. ‬لم يكن وحيد أبويه مثل الأسر السعيدة‮. ‬كان أكبر أشقائه‮. ‬والده وأمه وأخوته يعيشون تحت خط الفقر‮. ‬كان حصوله علي الوظيفة أملهم ما بعد الأخير‮. ‬يعيشون وعليهم كوم من الديون‮. ‬وديون الفقراء ذل بالنهار وأرق بالليل‮. ‬قدموا له رموش أعينهم‮. ‬كانوا يجلسون في انتظار النتيجة التي ستأخذهم من حال إلي حال‮.‬ينقص قصتي أمران‮. ‬الأول‮: ‬أن هذا الشاب لو امتد به العمر باعتبار أن الاستمرار في حياة كحياتنا قد يكون انتحاراً‮ ‬مستمراً‮. ‬ماذا كان سيفعل في ميدان التحرير؟ الثاني‮: ‬هل تذكره شباب التحرير؟ وهل تمثلوا قصته وأعادوا سرد حكايته لأنفسهم أولا‮. ‬ولبعضهم البعض ثانيا‮ ‬في ذلك الوقت الطويل الذي قضوه في ميدان التحرير؟‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل