المحتوى الرئيسى

> الحرية ووهم تجاوز القيود

02/18 07:38

الحرية يبتغيها الناس في اتجاهين، الأول: اتجاه تحقيق اللذة. الثاني: اتجاه تحقيق القيم واختيار المعتقد. فأما تحقيق اللذة بكل أنواعها سواء كانت لذة المال أو لذة الظهور (الشهرة) أو لذة السلطة أو لذة الشعور بالأمن أو لذة الجنس أو لذة تحقيق الذات أو أي لذة أخري هي الشيء الوحيد الذي يدفع الإنسان نحو الحرية، إلا أن الإنسان يري في الموانع والحواجز والمسافات التي تحول بينه وبين الحصول علي اللذة سلسلة أو مجموعة من القيود والعقبات عليه أن يسعي جاهدا إلي كسرها وتخطيها، وأول القيود التي تحول بين الإنسان وبين الحصول علي اللذة وجودها بأيدي الآخرين أو وجودها بعيدا عنه، وكي يتم الحصول عليها لابد من دفع ثمن ما للحصول علي هذه اللذة أو تلك، والجهد المبذول في توفير ثمن اللذة ومدي النجاح أو الفشل في توفير ذلك الثمن قيد كذلك، بل إن توفير ثمن اللذة ليس شرطا في الحصول علي اللذة، فقد يمتنع من يملك اللذة عن إعطائها رغم توافر الثمن المطلوب لسبب أو آخر، وهذا قيد آخر يضاف إلي مجموعة القيود السابقة. بل إن الحصول علي اللذة ذاتها لا يعني الوصول إلي كامل الحرية في التمتع باللذة، بل سيواجه الإنسان بقيود أخري، منها: أن المتعة بأي لذة لها توقيت محدود، عنده تمل النفس من التمتع باللذة، ما يعني أن محدودية المتعة بأي لذة وانتهاءها عند توقيت معين وعدم استمرارها إلي ما لا نهاية قيد آخر يضاف إلي مجموعة القيود، بل إن انتهاء صلاحية اللذة ذاتها وزوال عنصر التلذذ منها لسبب داخلي في اللذة أو لعارض خارجي عنها هو قيد كذلك يضاف إلي مجموعة القيود الأخري، وبالتالي فعلي الإنسان أن يتهيأ للحصول علي لذة أخري بديلا لتلك التي تم استهلاكها وعليه أن يعود ليبدأ المحاولة مرة أخري من جديد. إن الحرية التي يبحث عنها الإنسان ما هي إلا حركة دائمة وانتقال مستمر بين حلقات سلسلة من القيود التي ما أن يتم كسر واحدة منها وتخطي الثانية حتي تبدأ سلسلة أخري من القيود متصل بعضها ببعض. أما مطلب الحرية في اتجاه تحقيق القيم واختيار المعتقد فنجد أن الخيارات المطروحة أمام الإنسان في اختياره بين القيم والمعتقدات هي في حقيقتها قيود كذلك، حيث إن الإنسان لم يشارك في صنع وإيجاد القيم والمعتقدات ولم يستشره أحد في صنعها، وليس ثمة خيار آخر سوي ما هو موجود، فعليه أن يختار بين الإيمان أو الكفر، وليس من خيار ثالث أمامه، حتي من حاول أن يوجد خيارًا ثالثًا بقوله (لا أدري) لم يأت بجديد سوي أنه اختار عدم الإيمان لكن من دون مناوئة الإيمان، وعدم اختيار الإيمان من دون مناوءة لم يخرجه عن خيار عدم الإيمان، كذلك الاختيار بين الحياة أو الموت، بين الحق أو الباطل، بين الخير أو الشر، بين العدل أو الظلم، بين الصدق أو الكذب وغيرها من الخيارات، فالإنسان لم يكن مشاركا في جعل الإيمان إيمانا، ولا في جعل الكفر كفرا، ولا في جعل الحق حقا، ولا في جعل الباطل باطلا، ولا في جعل الخير خيرا، ولا في جعل الشر شرا. ولا في جعل العدل عدلا ولا في جعل الظلم ظلما، ولا في جعل الصدق صدقا ولا في جعل الكذب كذبا، فهو مقيد بالاختيار بين ما لم يشارك في صنعه وإيجاده وما لا يمكنه إيجاد وصنع غيره. فالإنسان حر في أن يكون مؤمنا أو أن يكون كافرا وليس أمامه من خيار ثالث، حر في أن يكون يكمل حياته أو أن ينهيها بالموت وليس أمامه من خيار ثالث، حر في أن يكون في جانب الحق أو يكون في جانب الباطل وليس أمامه من خيار ثالث، حر في أن يكون خيرا أو أن يكون شريرا وليس أمامه من خيار ثالث، حر في أن يكون عادلا أو أن يكون ظالما وليس أمامه من خيار ثالث، حر في أن يكون صادقا أو أن يكون كاذبا وليس أمامه من خيار ثالث، (والبقية تأتي).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل