المحتوى الرئيسى

الأبْنيةُ الخضراءْ بقلم: حسين أحمد سليم

02/17 21:06

الأبْنيةُ الخضراءْ بقلم: حسين أحمد سليم الإنسانُ مُنذُ ولادتهِ في هذهِ الأرضَ, واللجوءِ الفِطريِّ التّكويني الذي تنطوي عليهِ نفسهُ, لحركةَِ فِعلِ التّكاثرِ والتّوالدِ والإنتشارِ, لضمانِ عمليّةِ التّوالدِ والإستمرارِ, والإستفادةِ من المُعطياتِ الطّبيعيّةِ, ومن ثُمَّ تعديلها وتصنيعها ووضعها في خدمتهِ... أولى اهتمامهُ لِلمسْكنِ المعيشيِّ, الذي يأوي إليهِ ويُقيمُ, ويرتاحُ فيهِ منَ التّعبِ والعناءِ, إضافةً لضمانِ الأمانِ على حياتهِ, ودرءِ الأخطارِ عنها, من جرّاءِ تقلّباتِ الطّقسِ, والوحوشِ وضواري الحيوانات... وراحَ يتفنّنُ في هندسةِ مسكنهِ, وِفقَ ما يتناهى لِتفكّرهِ المُتطوّرِ, ويتلاءمَ معْ رُؤى الجمالِ التي ترفُلُ لها عينهْ... فاختارَ الكُهوفَ الطّبيعيّةَ والمغاورَ بدايةً, وأدخلَ عليها التّعديلاتَ التي تتلاءمَ ومُتطلّباتَ عيشه, وبدأَ في عمليّةِ التّطويرِ لمنزلهِ, فبنى له من الترابِ والحجارةِ وجُذوعِ الأشجارِ, الغُرفَةَ الواحدةَ التي عمِلَ على تَكرارها, وِفقَ احتياجاتهِ, فابتكرَ المسكنَ المُتعدِّدَ الغُرفِ, وأشادَ البيوتَ المُتلاصقةِ, وأقامَ التّجمّعاتِ السّكنيّةِ, وبنى الأسوارَ لحمايتها... ولمْ ينفكَّ عن التّحسينَ الهندسيِّ, وإدخالِ لمساتِ التّجميلِ على البيوتِ والعماراتِ والمُنشآتِ, ودراسةِ أفضلِ السّبلِ وأجداها إقتصادياً, مروراً بالحُقبِ الزّمنيّةِ المُتعاقبةِ, وُصولاً إلى العصرِ الذي نعيشْ... حضارةُ العالمِ المُعاصرِ هندسيّاً, تشهدُ حركةَ ثورةٍ عمرانيّةٍ واسعةٍ, تتلاءمُ ومُتطلّباتِ قفزاتِ العصرنةِ السّريعةِ, فأتتِ العمارةَ تختلفُ في أشكالها, وتتعدّدُ في وسائلِ ترجمتها... فبرزتْ من بينِ المفاهيمِ العُمرانيّةِ الحديثةِ, وظهرتْ مُؤخّراً في الهندسةِ المِعماريّةِ, لِتنعكِسَ تنفيذاً آخرَ على امتداداتِ المساحاتِ العقاريّةِ, تحتَ عنوانٍ ومُصطلحٍ جديدٍ, "الأبنيةِ الخضراءْ", تِلكَ الآخذةِ في الإنتشارِ, رُغمَ حداثتها, والتي تُشغِلُ رؤى المجتمعاتِ, الحريصةِ على سلامةِ البيئةِ العُمرانيّةِ, والتي تدفعُ بالدّولِ والحُكوماتِ إلى اعتمادِ الخُططِ الاستراتيجيّة, الكفيلة بتشجيعِ إقامةِ وإنشاءِ "الأبنيةِ الخضراءْ"... "الأبنيةُ الخضراءُ", هي الأبنيةُ التي يتِمُّ تصميمها على أسسٍ هندسيّةٍ, تهدفُ في تكويناتها إلى عمليّةِ تبنّي, الحلولِ العمليّةِ الفعّألةِ, والتي تُؤدّي إلى عمليّةِ التّخفيفِ من إستهلاكِ الطّاقةِ والمياه, وترشيد المستهلكِ, وتشجيعه على استخدامِ الموادّْ التي أُعيدَ تدويرها... وهو ما يسمحُ لمُستخدمي "الأبنيةِ الخضراءْ" والمُقيمينَ فيها, بالتَّمتُّعِ بصِحّةٍ أوفرَ وأفضلَ من مُستخدمي وقاطني الأبنيةِ العاديّةِ, نظراً لما يتوفّرَ في "الأبنيةِ الخضراءْ" من الإضاءةِ الطّبيعيّةِ الكافيةِ, وإلى وُجودِ التّهوئة الطّبيعيّةِ النّظيفةِ... أمامَ تزايدِ وتعاظُمِ فِعلِ التّلوّثِ في المناطِقِ الآهلةِ بالسّكّانِ, توالدَتْ الأفكارُ التي تسعى للتّخفيفِ من إنعكاساتِ التّلوّث البيئي, ونما اهتمامُ العاملينَ في مجالاتِ البناءِ, خلالَ حِقبِ السّنواتِ الأخيرةِ, وراحوا يسعونَ بتطويرِ هندسيٍّ, لانشاءِ مبانٍ ذاتَ مواصفاتٍ جديدةٍ, وصديقة للبيئة... وعليهِ لم تتردّد الدّولُ المُتقدّمةِ والمتطوّرةِ, فاعتمدت الخُططِ المستحدثةِ, وتبنّتْ مفاهيمَ "الأبنيةِ الخضراءْ", وراحتْ تسعى جاهدةً للتّعريفِ والتّسويقِ المدروسْ, لتلكَ الأبنيةِ المُستحدثةِ, والتي يتمُّ تصميمها وتشييدها ومن ثُمَّ إدارتها, بما يتوافقُ ويتميّز ويتطابق مع مُتطلّباتِ الاستدامةٍ البيئيّةِ العُمرانيّةِ في المجتمعاتْ... تشهدُ حركةِ إنشاءاتِ "الأبنيةِ الخضراءْ" في مُعظمِ الدّولِ المُتقدّمةِ والمُتطوّرةِ, نُموّاً كبيراً وملحوظاً في سوقِ إقامةِ وتشييدِ المباني... فيما تكمنُ المُعضلةُ لمثلِ هذه الأبنيةِ في مستوياتِ الكلفةِ المُرتفعةِ والباهظةَِ, هذا من جهةِ الجدوى الإقتصاديّة, أمّا من جهةِ عمليّةِ التّرويجِ الإعلاميِّ, فهناكَ بعضَ الصّعوباتِ أيضاً في عمليّةِ إقناعِ الرّأيِ العام, لجهةِ المنافعِ لهذه الأبنيةِ على المدى البعيدْ, وما تُوفّرهُ من كلفةٍ في استهلاكِ وسائلِ الطّاقةِ, عدا عن الفوائدِ الصّحّيّةِ التي تُؤمّنُ لمُستخدمي هذه الأبنيةِ... تُعتبرُ كِلفةُ إنشاءاتِ "الأبنيةِ الخضراءْ", مُرتفعةٌ عن كلفةِ الأبنيةِ العاديّةِ والمُنشآتِ التّقليديّةِ, بِنسبٍ تزيدُ عن عُشرِ الكلفةِ المئويّْ, بيدَ أنَّ هذه الأبنيةِ المُستحدثةِ, تُوفّرُ خلالَ عِدّةِ أعوامٍ مُستقبليّةٍ لإنشائها, ما يزيدُ عن أضعافَ مُتزايدةٍ من الكلفةِ الزّائدةِ... ومعِ ازديادِ الطّلبِ على "الأبنيةِ الخضراءْ", بدأتْ الأسعارُ تنخفضُ تدريجيّاً, ويعودُ هذا الإنخفاضْ إلى شِدّةِ التّنافسِ وحِدّتهِ, الذي تُمارسه الشّركاتُ والمؤسّساتُ في هذا المجالِ, وذلِكَ في سباقٍ بينها, لتقديمِ الخدماتِ ذاتِ الجودةِ العاليةِ, وبأسعارٍ تنافسيّةٍ مُشجّعةٍ, تُغري المُستهلكِ بالإقتناعِ بمدى فعاليّةِ "الأبنيةِ الخضراءْ", ومدى توفّرِ الحياةِ البيئيّةِ الأفضلْ... الخصائصِ التي تتميّزُ بها مُكوّناتُ "الأبنيةُ الخضراءْ", بأنّها تمَّ بناؤها جُزئيّاً من خليطٍ صناعيٍّ من موادَّ أعيدَ تدويرها, وتخلو هذهِ الموادُّ المُدوّرةُ, تماماً من كُلِّ مظاهرِ الدّهاناتِ التي تحملُ في تكوينها الموادَّ اللاصحّيّةِ, و خالية كذلكَ من الموادِّ اللاصقةِ السّامّةِ... هذه الموادُّ تُعتبرُ شديدةُ الفعاليّةِ من حيثُ الماءِ والطّاقةِ... وتُؤكّدُ الأبحاثُ العلميّةُ التي وضعها الخُبراءُ, أنَّ الأبنيةَ المُصنّفةُ على أنّها "أبنيةٌ خضراءْ", تستهلكُ من الطّاقةِ ما نسبتهُ ثُلثُ ما تستهلكهُ الأبنيةُ العاديّةْ... فنظامُ تشييدِ "الأبنيةِ الخضراءْ" إذا ما اعتُمِدَ في دولةٍ ما, يدفعُ بِمؤسّساتها إلى العملِ على مُعالجةِ أولويّاتِ التّلوّثْ البيئيِّ, وخفضِ نِسبِ انخفاضِ انبعاثِ الغازاتِ السّامّةِ في السّماءْ... تعتمدُ "الأبنيةُ الخضراءْ" على مجموعةِ نُظُمٍ تكيفيّيةٍ, تتلائم وتتوافقُ مع مُتطلّباتِ المُحافظةِ على البيئةِ, والحدِّ من مستوياتِ انبعاثِ الغازاتِ الملوّثةِ, وبالتّالي انخفاضِ مستوى استهلاكِ الطّاقةِ الكهربائيّةِ, وذلك عن طريقِ نُظمٍ تكيفييّةٍ يتمُّ تدويرها عن طريقِ ذوبانِ الجليدِ, من خلال تحريكِ المياهِ الباردةِ, باتّجاهِ مروحةٍ ضخمةٍ, مِمّا يؤدّي إلى تشكيل تيّاراتٍ هوائيّةٍ باردةٍ نسبيّاً, يتمُّ ضخّها عِبر أنابيبَ التّهوئةِ الكفيلةِ بتبريدِ المبنى, وهو ما يُؤدّي لِخفضِ الأحمالِ على الطّاقةِ الكهربائيّة, وخاصّةً في ذروةِ الطّلبِ على الكهرباءْ, أبّانِ أشهرِ الصّيفِ الحارّة, وخلال أشهرِ الشّتاءِ الباردةْ... نستطيعُ القيامَ بزراعةِ الحدائقِ على سطوحِ "الأبنيةِ الخضراءْ", وهو ما يُساعدُ على التّوفيرِ في استهلاكِ الطّاقةِ, والعملِ على ضبطِ مياهِ الأمطارِ والإستفادةِ منها للرّيّْ, وبالتّالي تلافي ارتفاعِ الحرارةِ في المباني, وهو ما يُساعِدُ على انخفاضِ المستوياتِ الحراريّةِ وتعديلها في مراكزِ المدنِ المُزدحمةِ بالحجرِ والبشرْ... هذا, وتُعتبرُ أنظمةُ الرّيادةِ في تصميماتِ الطّاقةِ والبيئةِ للأبنيةِ الخضراءِ, الأفضلَ كونها تهدفُ إلى تعزيزِ سلامةِ السّكّانِ وحفظِ أمنهم, وتعزيزِ الأداءِ البيئي السّليمِ في المجتمعِ, عدا عن المردودِ الإقتصادي الهامّْ, للأبنيةِ التي تُستخدم فيها الممارساتِ المُبتكرةِ, وتعتمد على التّقنياتِ الحديثةِ, والتي تستهلكُ الطّاقاتِ بالنّسبِ العاليةِ في الأبنيةِ العاديةْ... السّكّانُ وقاطنوا "الأبنيةِ الخضراءْ" وشاغلوها, يعيشونَ حياةً صِحّيّةٍ مُثلى, ويتمتّعونَ ببيئةٍ نظيفةٍ, ويُعتبرونَ من الأصدقاءْ الأوفياءَ للبيئةِ السّليمة, الخاليةِ من السّمومِ والتّلوّثْ...

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل