المحتوى الرئيسى

بائع الترمس بقلم:مي أبو راشد

02/17 21:06

بائع الترمس شهدت حياتي عدة مفترقات ومفارقات كان لاحداها الاثر العظيم والابرز في صياغة قناعاتي و مفاهيمي و قيمي و احكامي. لقد تعلمت من تلك الحادثة القصيرة أن لضمير الانسان طاقة عظيمة لا تضاهيها طاقة وأنه المحرك الخفي الذي يدفع باتجاه واحد لا ثاني له- هو الاستقامه والرضا عن النفس. فما عاد الوصف الملائم لتلك الحادثة هو أنها قصيرة أو عابرة فقد كان الأثر عظيما. حقا. ما قيمة المال والجاه والالقاب البراقة إن كان ضمير الانسان نتنا مهترءا؟ ما قيمة البهرج الخداع إن كان الانسان عاجزا عن الاحساس بالرضا؟ حدثني صديقي – ضميري- أن الكثيرين يعجزون عن النوم ليلا وأن الكثيرين يجهشون بالبكاء اذا ما انفردو بانفسهم وعرفني أن لهذا سببا مؤكدا وهو مقدار رضاهم عن أنفسهم . في القصة التي سوف أرويها شخصا أصبح الان في ذمة الله. في ذلك اليوم كنت لم أتجاوز العاشرة من عمري ولم يكن ادراكي للأحداث ا كما هو الأن . لم أدرك المسببات ولا التبعيات ولم يكن عقلي قادرا على حساب النتائج والأثار ولا الفوائد والمضار ولا السلبيات أو الايجابيات ولكن فطرة الإنسان غلبت كل الحسابات والتحسبات . كانت أيام العيد فلبست الجديد وجمعت "عيديتي" من أهلي و أقاربي وخرجت للعب مع أقراني في حارة "رفيديا" في مدينتي نابلس في فلسطين المحتله. كنا نلهو ونقفز على أسوار الجيران خلسة عن ناظر أهلنا ونلتمس البائع الطيب "أبو خليل" أن يعطينا الحلوى بسعر أقل فيرفض متذمرا وكلما أقفلنا بخيبة حن قلبه لينادي علينا ويقسم لنا ما تسنى. جاء رجل في الثلاثينيات من عمره وكان رث الثياب يحمل وعاءا يبيع منه أكياس "الترمس" اللذيذ في أكياس بلاستيكية صغيرة. لم يكن صعبا على الناظر أن يدرك أن الرجل يعاني من إعاقة جسدية من طريقة مشيته ولا أدري لماذا توقفت عن اللعب وأمعنت النظر اليه. حينها لم أقرأ شيئا من قسمات وجهه أما اليوم فأستطيع أن أروي من وجهه الغائب حكايات و أخبار ما كنت قد أدركتها ذلك الحين. أستطيع أن أستقرأ التصميم والأباء على كسب الرزق وعراك الحياة وإرادة الاستمرار بعزة وكرامة رغم الاعاقة حتى اخر قطرة من العمر. ثعثر الرجل وسقط أمامي مباشرة وكأن الحدث كان اختبارا للانسان في داخلي. ضحك الاطفال من حولي ولكن يدي سبقت ضحكاتهم لتعينه على الوقوف من جديد. امعنت النظر اليه. كان طويل القامة وكنت كمن ينظر الي السماء. مسح بيده على شعري وقال بعض الكلمات فهمت انها عبارات شكر ومع مرور الزمن أدركت انه استحلفني أن لا يقسو قلبي وأن لا أتخلى عن بذرة الخير التي منحها الله لنا حتى وإن كانت مصدر شقاء لي في هذا الزمن . مي أبو راشد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل