المحتوى الرئيسى

د. حسين شحاتة يكتب: صندوق التكافل مع أسر شهداء ثورة مصر ضرورة شرعية وحاجة وطنية

02/17 19:10

* فكرة إنشاء صندوق التكافل مع أسر الشهداء:لقد قدَّم شهداء ثورة شعب مصر أرواحهم من أجل تحرير الإنسان من الظلم والطغيان والعبودية والاستبداد، وصدق عليهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111). ولقد جاهد هؤلاء الشهداء وتركوا خلفهم ذريتهم وأسرهم يحتاجون الرعاية الشاملة معنويًّا وماليًّا، وهذا يوجب على من لم يجاهد بنفسه لسبب من الأسباب، أن لا يحرم نفسه من الجهاد بماله، وهذا من الضرورات الشرعية ومن الموجبات الوطنية ودليل ذلك من الكتاب قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2)، ومن السنة النبوية قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (رواه  البخاري ومسلم). والتعاون والتكافل مع أسر الشهداء ليس بالعاطفة والوجدان فقط، بل كذلك بالدعم المادي؛ حتى يستشعروا بأن إخوانهم في الوطن لن يتركوهم، وهذا يكون بأساليب وصيغ مختلفة منها إنشاء صندوق يساهم فيه كل مصري وعربي ومسلم بقدر ما يستطيع لينفق منه على أسر هؤلاء الشهداء, وهذا ما سبق تناوله في هذا المشروع التكافلي. * ما المقصود بصندوق التكافل مع أسر الشهداء؟هو صندوق يساهم فيه كل شخص طبيعي أو معنوي، مصري أو غير مصري، مسلم أو غير مسلم، عربي أو غير عربي، كل بقدر استطاعته، ويخصص لرعاية أسر شهداء ثورة مصر برعاية مستدامة حسب مجموعة من القواعد والنظم والإجراءات، ويكون تحت رعاية مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني مثل الجمعيات الخيرية والاجتماعية أو النقابات المهنية أو ما في حكم ذلك, وغايته تحقيق حياة كريمة رغدة لهذه الأسر. - أهداف صندوق التكافل مع أسر الشهداء:من أهم مقاصد هذا الصندوق حتى هذه المرحلة ما يلي:1- تقديم الإعانات المالية العاجلة لأسر الشهداء حتى لا يحدث هناك خلل في توفير متطلبات الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومأوى وتعليم وعلاج.. وما في حكم ذلك من الحاجات الأصلية المعيشية. 2- تقرير إعانات مالية مستدامة لأسر الشهداء في صورة معاشات دائمة؛ حتى يكونوا على قوام من الحياة الكريمة الرغدة. 3- كفالة وسداد ما عليهم من ديون للغير إن وجدت. 4- رعاية أولاد وأخوات الشهداء في المراحل التعليمية المختلفة؛ من حيث سداد الرسوم، ونفقات التعليم المختلفة. 5- رعاية أولاد وأخوات الشهداء في الحصول على فرص عمل، وأن يكون لهم حق الأولوية والتميز في الحصول على الوظائف الحكومية بضوابط معينة. * مشروعية صندوق التكافل مع أسر الشهداء:يعتبر إنشاء هذا الصندوق والمساهمة في تمويله ودعمه من الواجبات الدينية في جميع الأديان السماوية، ويستمد مشروعيته من الكتاب والسنة والإجماع؛ وذلك على النحو التالي: - الدليل من القرآن: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الأية 2)، وينطبق ذلك على وجوب التعاون مع أسر الشهداء. - الدليل من السنة: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (رواه البخاري ومسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" (رواه ابن ماجه)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم" (رواه مسلم). - الدليل من الفقه: يرى الفقهاء أن التعاون بين مجموعة من الأفراد في تحمل مخاطر الكوارث والمصائب من مقاصد الشريعة الإسلامية، ويدخل في مجال عقود التبرع. وخلاصة القول أن إنشاء صندوق التكافل مع أسر الشهداء من الواجبات الدينية ومن مقاصد الشريعة الإسلامية. * الحكم الشرعي في مصادر تمويل صندوق التكافل مع أسر الشهداء:في ضوء الحقوق الشرعية في مال المسلم، يمكن أن يمول هذا الصندوق من المصادر الآتية:(1) من زكاة المال، ويدخل ذلك في مصرف في سبيل الله؛ لأن غاية الغايات من هذه الثورة هو الجهاد ضد الظلم والطغاة والطواغيت، وتحرير الإنسان من العبودية والاستبداد. (2) من الصدقات التطوعية والجارية في مجال الخير والنفع العام، ولقد قدَّم الشهداء خيرًا لمصر وللأمة العربية والإسلامية وللناس جميعًا؛ حيث استطاعوا بدمائهم تحقيق الحرية. (3) من الوصايا والكفارات والنذور وما في حكم ذلك؛ لأنه إنفاق في مجال الخير والتكافل والتضامن الاجتماعي. (4) من الوقف الخيري الذي يمتد ثوابه لما بعد الموت، وإنه من مجالات الخير دعم أسر الشهداء. (5) من دعم رجال الأعمال والشركات والمؤسسات ومن خزانة الدولة؛ لأن هذا يدخل في مجال المسئولية المجتمعية. (6) نسبة 2.5% من حصيلة أموال الشعب المستردة من أفراد النظام الحاكم الذي حصل عليها بدون حق, وكان للشهداء وغيرهم الفضل في استردادها. * تبعية صندوق التكافل مع أسر الشهداء:هناك بدائل ممكنة وقابلة للتطبيق لتبعية إدارة هذا الصندوق من هذه البدائل حتى هذه المرحلة من التفكير ما يلي: أولاً: إنشاء كيان قانوني مستقل على منوال مؤسسـات ومنظمات المجتمع المدني يكون مـن مسئوليته إنشاء وإدارة هذا الصندوق، ويوضع له لائحة ونظم عمل، ويمكـن أن توسـع أغراضه في المستقبل لتشمل كل صور التكافل الاجتماعي. ثانيًا: التبعية لمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني مثل الجمعيـات الخيرية والاجتماعية والنقابات والاتحادات وجمعيات حقوق الإنسان، والتي من بين أغراضها التضامن والتكافـل الاجتماعي، ومن الأمثلة العملية البارزة في هذا المقام: لجنـة الإغاثة بنقابة أطباء مصر والجمعية الشرعية للعامليـن بالكتاب والسنة وهكذا. ثالثًا: التبعية لبنك ناصر الاجتماعي؛ حيث ينشأ به إدارة مستقلة تتولى تنفيذ أغراض الصندوق على منوال لجان الزكاة. ولا ننصح أن تكون تبعية هذا الصندوق لوزارة التضامن الاجتماعي، ولكن يمكن أن تشرف عليه كما هو الحال في إشرافها على مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني. * الضوابط الشرعية لصندوق التكافل مع أسر الشهداء:يحكم إنشاء وإدارة صندوق التكافل مع أسر الشهداء مجموعة من المعايير والضوابط الشرعية وأسس العمل التكافلي، والتي تُمثِّل الإطار العام لوضع دستور ولائحة عمل له، من ذلك حتى هذه المرحلة ما يلي: - ضابط باعث وحافز التعاون على البر: ويقصد به أن يكون المقصد من المساهمة في هذا الصندوق هو ابتغاء الثواب من الله سبحانه وتعالى وفقًا لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الأية 2). - ضابط المشروعية: ويقصد به أن تكون كل أعمال ومعاملات هذا الصندوق متوافقة مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ذات العلاقة بالتعاون على البر والتقوى والتكافل والتضامن. - ضابط فقه الأولويات: ويقصد به أن يكون ترتيب الإنفاق من هذا الصندوق لأسر الشهداء هو الضروريات فالحاجيات، وتجنب الكماليات والتحسينات. - ضابط الاستدامة: (التأبيد) ويقصد به أن يظل هذا الصندوق مستمرًّا في عمله، تحت مقصد التعاون على البر والخير ويمكن أن يمتد نشاطه في المستقبل إلى غير أسر الشهداء مما يدخل في نطاق التعاون على البر والخير. - ضابط المحافظة على المال وتنميته: ويقصد به إذا كان هناك فائض في الصندوق يستثمر استثمارًا حلالاً رشيدًا، مثل إنشاء مشروعات صغيرة لتشغيل العاطلين من أبناء وأخوات أسر الشهداء, ويوجه ريعها إلى الصندوق وفقًا لمعايير وصيغ الاستثمار الإسلامي. ضابط الإدارة الفنية الرشيدة: ويقصد به أن يكون لهذا الصندوق إدارة علمية رشيدة تتولى كلِّ شئونه من حيث وضع السياسات، ورسم الخطط والبرامج، وتنفيذ الإجراءات لتحقيق الأهداف. - ضابط الرقابة الشرعية والشعبية: ويُقصد به أن تخضع كل أعمال ومعاملات الصندوق للرقابة الشرعية والشعبية للاطمئنان من تحقيق مقاصده وفقًا للوائح والنظم والإجراءات. - ضابط حرمة الاعتداء على أموال الصندوق: ويقصد به أنه لا يجوز للحكومة أو غيرها تأميم أموال الصندوق أو فرض عليه أي رسوم أو مُكوس، ويطبق عليه ما يطبق على مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني. - أي ضوابط أو معايير أو أسس ذات علاقة بمقاصد الصندوق ولا تتعارض مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية. * صكوك المساهمة في صندوق التكافل مع أسر الشهداء:من منظور التطبيق العملي للفكرة في ضوء الضوابط الشرعية والأسس الفنية السابق الإشارة إليها، ويقترح أن يصدر الصندوق صكوكًا يطلق عليها: صكُّ التكافل مع شهداء ثورة مصر بقيمة مالية فرضًا 100 جنيه للصكِّ على منوال نظام الأسهم أو صكوك الاستثمار، وتطرح للاكتتاب العام في الداخل والخارج يمكن لأي مشترك في الصندوق شراء أي عدد منها حسب استطاعته، وتجمع الحصيلة، وتوضع في أحد البنوك الإسلامية لحساب الصندوق، ليتولى إنفاقها في مصارفها الشرعية حسب اللوائح والنظم والإجراءات الفنية المعتمدة من مجلس إدارته. * الخلاصة:تقوم مشروعية إنشاء صندوق التكافل مع أسر شهداء ثورة مصر على أنه من قبيل التعاون على البر والخير الذي أمرنا الله به، وهذا من الموجبات الشرعية والحاجات الإنسانية، فهو ضرورة شرعية وحاجة إنسانية. ومن مقاصده تقديم الدعم المعنوي والمالي بكلِّ صوره لأسر شهداء ثورة مصر؛ لاستشعار روح الأخوة والمحبة والود والتراحم والتعاطف بين أعضاء الوطن جميعًا. والحكم الشرعي للمساهمين في هذا الصندوق أنه من مصارف الزكاة والصدقات الشرعية: (مصرف في سبيل الله) ومن غاياته: الجهاد ضد الظلم والطغيان، وتحرير الإنسان من العبودية، وحفظ عقيدته ونفسه وعقله وعرضه وماله، وهذا من مقاصد الشريعة الإسلامية. ويجب أن يكون لهذا الصندوق شخصية اعتبارية مستقلة على منوال مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني الهادفة لتقديم خدمات البر لأسر شهداء ثورة مصر العظيمة، ويعتبر المساهمة في هذا الصندوق فرض عين على من لديه الاستطاعة المعنوية والمالية، وصدق الله القائل: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.-----------------* الأستاذ بجامعة الأزهرDrhuhush@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل