المحتوى الرئيسى

الصندوق الاسود .. رواية مركبة من قصص عن الكتابة والحياة

02/17 10:15

بيروت (رويترز) - رواية الكاتبة العراقية كليزار أنور "الصندوق الاسود" تبدو للقارىء عملا مركبا من اكثر من قصة واحدة اريد لها ان تؤلف قصة كبرى.وهي في كثير من المجالات تشكل غورا في امور الحياة والكتابة وفي الشخصية الروائية والشخص الانساني وتصل الى حد ربما وجد فيه القارىء حياة اخرى خارج الحياة الفعلية او فلنقل حياة بديلة. وتطل علينا تلك الحياة الاخرى وكأنها هي الاصل اي هي ما يجب ان يكون او ما نحب ان يكون فتتحول الى نوع من التعويض.ولعل "القصة الاولى" اذا صح التعبير -اي الاساس الذي انطلقت منه الاحداث الذهنية والشعورية الاخرى- هي القسم القصصي الاقرب الى الحياة والاقناع بجو يشبه الحياة الفعلية. هذا لا يعني ان الاقسام الاخرى او فلنقل القسم الاخر المنبثق من الاول ليس بذي اهمية. بل لعله من الناحية التي قصدتها الكاتبة "درة" عقد عملها هذا. الا انه يبقى خلاصة امر فكري افتراضي وحياة اخرى..حياة رديفة او حياة "حلمية".وفي كل ذلك تطل كليزار انور بصورة الكاتب المعاصر ابن بيئته المحلية وابن بيئته البشرية الكبيرة. المقصود هنا انها تتكلم لغة العصر بمعناها المادي العملي التي اضحت اليوم من يومياته اي من عالم الالكترونيات المختلفة خاصة الانترنت الى عالم الاحداث المحلية وأكبرها وأفجعها طبعا حروب العراق والاحزان العراقية. الا ان الكلام عن الاحزان العراقية ويومياتها كان - وتحديدا في القسم الثاني- اقرب الى التسجيلي التقريري لا القصصي كما انه لم يجل جديدا لم نقرأه او نسمعه قبلا ولا هو شكل نظرة خاصة اليه.الرواية التي هي كتاب المؤلفة الرابع بعد ثلاثة -مجموعتين قصصيتين ورواية- صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وجاءت في 159 صفحة متوسطة القطع.تهدي الكاتبة روايتها فتقول "الى ابني الذي لم يأت". تبدأ الرواية بداية تتسم بدقة الملاحظة والتعبير والتقاط الحالات الانسانية لا من خلال " نظريات" عنها بل من خلال الغوص في الوضع البشري كما تمثله مجموعة من البشر في قاعة معينة هدفهم واحد وأملهم واحد لكن بتفاصيل مختلفة.في الامور الانسانية الاساسية يتساوى الناس اجمعون.. المثقف والفلاح والموظف والعامل والعراقي والسوري والجميع.العصر الحالي يطل علينا لا من خلال عنوان الرواية فحسب اي "الصندوق الاسود" -وهو الذي يسجل الاحداث والاقوال في الطائرة- ولا من خلال الانترنت والتليفون الخليوي او الموبايل فحسب بل من خلال الغاية التي جمعت تلك النسوة وأزواجهن في تلك القاعة.. عملية التخصيب الاصطناعي في المختبر من اجل مطلب واحد هو.. حياة جديدة اي امل.. اي طفل.نقرأ البداية.. "ست عشرة امرأة متفاوتات الاعمار.. سوريات وعراقيات.. مخطوفات النظرة والخوف من ان تفشل العملية.. جاؤوا بقلوب ملؤها الرجاء في ان تكون بطونهن حالمات بشيء يكبر في احشائهن. ويبقى الامل.. قارة نتمنى ان تطأها اقدامنا."ست عشرة امرأة توزعن بين غرف المشفى الانيق.. في صالتنا ثمانية اسرة..على كل سرير تقطن حكاية امرأة كل حلمها ان تكون أما ذات يوم. فيهن من تزوجن قبل خمسة عشر عاما او اكثر او اقل وما لجأن لاخر مرحلة الا بعد ان نفدت كل سبل العلاج الطبيعي."وبحس مرهف ترسم الكاتبة الاجواء الطبيعية والنفسية فتقول "صباحا امطرت.. بدأ رذاذا متقطعا ثم انهمر وابلا وبوشوشة ملات زوايا المكان والقلوب. استبشرن خيرا فالمطر خير.. نقر قطرات المطر وقع نغما جميلا على زجاج النوافذ. بين برهة وأخرى تفتح احداهن الحاجز الزجاجي وتتنفس بعمق ملء نفسها الهواء العذب وكأنهن يملان صدرهن به فللارض عطر خاص ينبثق لحظة استحمامها بالمطر."تروي كل منهن قصة حياتها. انهن الان في دمشق والبطلة وزوجها قدما من العراق الى العاصمة السورية حيث يتوفر اطباء ممن يختصون في هذه المجالات. وصف لدمشق وبعض المدن السورية التي كانا قد زاراها في اجازة قبل ذلك. وصف سهل ومعلومات تصلح لان تكون مواد في دليل سياحي الا انها مرسومة بشعور انساني ومن خلال عين ادبية.في النهاية وبعد وصف انواع الالم الذي تتحمله المرأة في سبيل الامومة نصل الى ختام نفهم منه ان التجربة لم تنجح. تصف الكاتبة برهافة كل الاحلام والالام التي ترافق فكرة تصور البطلة نفسها أما. عاطفة رائعة ترافق املا يخشى الا يتحقق.. ما لنا اذن الا ان نأمل ونصلي.الحداثة او فلنقل العصرنة ترافق قصة زواج هذه المرأة من البداية. تقول بطلة كليزار انور انها لم تتزوج كما يتزوج اغلب الناس عن طريق " الخاطبة او عن طريق قصة حب". كأنها تقول ان ما يغلب على هذا العصر الان هو تجاوز التقليدي والعاطفي المغرق في العاطفة الى نمط مختلف. قالت "تزوجت بشكل عقلاني جدا وبطريقة راقية ومتطورة باخر ما توصل اليه العلم... مسألتنا عادية فنحن في زمن العولمة.. والعالم تحول الى قرية صغيرة كما يقولون. كان ارتباطي عن طريق الانترنت رغم عدم ايماني به كقاعدة تؤسس منها اسرة ناجحة."كنت اعرفه ويعرفني ولكننا لم نلتق سوى على صفحات الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية... معرفتي به لا تتعدى حدود اسمه ككاتب. تفاجأت ذات يوم برسالة تصل لايميلي عنوانها "زواج"..."خلال السفر الى دمشق واثر عدم الانجاب بالطريقة الطبيعية نقرأ البطلة تقول "طوال الطريق يراودني هاجس غريب.. لقد تزوجت بطريقة متطورة... اخر ما توصل اليه العلم... وأريد ان انجب بطريقة متطورة ايضا وباخر ما توصل اليه العلم. سألت نفسي بابتسامة.. ترى كيف سأموت.. اكيد في مركبة فضائية او على سطح كوكب لم يصل اليه بشر."في هذه الاثناء -وخلال توقع نتيجة العملية التي لم تنجح- يبدو ان مبدأ "التعويض" الذي يتحدث عنه علم النفس قد فعل فعله من ناحية اخرى. كانت الكاتبة تحدثنا من خلال قصة وصلت اليها عبر الانترنت بعنوان "الصندوق الاسود" عن تجربة فيها قصة حب منيت بطلتها بخديعة جارحة. تصل الينا القصة او فلنقل الرواية على دفعات.عند قراءة ما كانت ترسله كاتبة رواية الانترنت تلك قد يتشكل لدى القارىء شعور بأن كليزار انور لم توفق في جعلنا نعتقد ان بطلة الصندوق الاسود هي شخصية مستقلة عن بطلة القصة الاساسية ولا تشبهها. الاسلوب نفسه والمشاعر متشابهة فكأننا امام حديث ومشاعر مستأنفة. نصل الى النهاية لنجد ان الاحداث تقول لنا "نعم هذا صحيح" وهو مقصود تماما اذ ان تلك الشخصية هي انعكاس للشخصية الاولى. لم تنجح في انجاب طفل او طفلة... فعوضت عن ذلك بخلق شخصية تشبهها بل هي جزء منها خلقتها من "ضلع من ضلوعها النفسية والفكرية" كما خلق الله حواء من ادم.انها التعويض. الفن يكمل الحياة او يخلق بديلا عن مفقود او عما لم يتحقق. ترى هل باستطاعته ان يقدم بديلا حقيقيا.. البعض يقول على طريقة اسطورة بيجماليون ان البديل هو الحقيقي الباقي وأما ما وصف بان اصيل فليس سوى ظل عابر.ما قد يؤخذ على "قصة الانترنت" انها حفلت بغوص عمودي في "اللحظة الراهنة" بما ليس له مبرر فكأن الاحداث "علقت فيها" كما تعلق سيارة في مكان موحل. ان ذلك يخلق مللا. كما انها حفلت بتكثيف فكري وجمالي عن الكتابة ومعناها. الاراء في الكتابة والفن -على عمقها وصحتها وجمالها- اضحت نظريات تتكرر هنا دون تجسيد روائي واضح لها. ثم ان زوج بطلة قصة الانترنت يبقى مجهولا لدينا لا نعرف شيئا عن حياته وخلفياتها فكأنه غير موجود روائيا ولكنه يبدو اقرب الى "فيلسوف جماليات ونقد" لا الى شخص بشري.ثم ان الاحداث هنا غير متكاملة او مترابطة. انها تتجاور فقط.مما يجدر ايراده هنا ان الكاتبة تناولت كتابا عربا محدثين وبينت بعض الجميل عندهم... ولكن تحدثت عن رواية "اسمه الغرام" لعلوية صبح فقالت انها "رواية راقية بأسلوبها وحبكتها الدرامية.. متطورة بأحداثها.. متجانسة بأشكال سردها الممتع في تطوره وتعقيداته. لكن ما يؤخذ على الرواية وشاح الجنس والعري والزنا الذي غطى على لغة وتفاصيل حياة البطلة."وتحدثت مثلا عن رواية شهيرة للتركي اورهان باموك "جودت بك وابناؤه" وقالت "والمفارقة ان... رواية باموك تتكون من 704 صفحات... تسرد حكاية عائلة لثلاثة اجيال دون ان تورد فيها كلمة جنس او قبلة او عري او اي شيء من هذا القبيل يحاكي الغريزة. وهنا عرفت لماذا هو وصل الى العالمية بينما كتابنا العرب ما زالوا اسارى لما هو تحت الحزام."من جورج جحا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل