المحتوى الرئيسى

الكتاب صدر قبل أيام من اندلاع الاحتجاجات "إغراء السلطة المطلقة" يرصد التوتر في العلاقة بين الشرطة والمصريين الأربعاء 13 ربيع الأول 1432هـ - 16 فبراير 2011م

02/17 09:22

دبي - العربية.نت خلال عقود ثلاثة هي فترة حكم مبارك حدث انفلات ملحوظ في العلاقة ما بين المؤسسة الأمنية والمجتمع؛ إذ غلّفها العداء والارتياب. بدلاً من أن يضفي مرأى رجال الشرطة في الشوارع أمناً وسكينة على المواطنين صار وجودهم رمزاً للبطش والخوف، وعوضاً عن أن تكون أقسام الشرطة ملجأ وملاذاً لمن يتعرض للظلم أو الاعتداء، صارت منبعاً للقهر وانتهاك الحقوق. ما يشي بسوء العلاقة بين الطرفين، سلوك المواطن الذي يتجنب بكل ما أوتي من وسائل التعامل مع رجل شرطة أو طرق أبواب القسم حتى إن كان شاكياً. وهو تصرف منطقي بالنظر إلى جرائم العنف والتعذيب التي صارت متوطنة في مقار الشرطة والتي يصل النزر اليسير منها إلى وسائل الإعلام، ويضل الباقي طريقه إليها. جفوة متصاعدة خالد سعيد إن قراءة عابرة للصحف اليومية قلما تخلو من حادث عنف أو أكثر. تصديقاً لما تدور رحاه على أرض الواقع وللجفوة المتصاعدة بين الطرفين، عمدت وزارة الداخلية في السنوات القليلة الماضية إلى التنصل من طبيعة عمل الشرطة الخدمي، تم تغيير الشعار المتعارف عليه (الشرطة في خدمة الشعب) ليصبح (الشرطة والشعب في خدمة الوطن)، لم يكن هذا التغيير وليد اللحظة بأية حال؛ لكنه جاء نتيجة لمقدمات منطقية ومتراكمة. وعن هذه العلاقة المرتبكة بين الشرطة والمواطن، صدر مؤخراً عن دار صفصافة للنشر والتوزيع بالقاهرة، كتابًا بعنوان "إغراء السلطة المطلقة"، للباحثة بسمة عبدالعزيز، الذي يتتبع مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، ويقع في 127 صفحة من القطع الكبير، وقد سبق له أن فاز كبحث بجائزة أحمد بهاء الدين للباحثين الشباب عام 2009. وصدرت الطبعة بمقدمة للكاتب الصحفي الكبير سلامة أحمد سلامة، الذي يشير أنه "لا يمكن في الواقع العملي فصل العنف في العلاقة بين الشرطة والمواطنين عن سيادة العدالة والقانون واحترام حقوق الإنسان في مجتمع ما، فحيث تزداد مظاهر العنف في تعامل الشرطة مع المواطن؛ تقل أساليب تطبيق العدالة والقانون، ويزداد غلو السلطة الفردية والبوليسية في تأكيد نفوذها.. إلى الدرجة التي نراها -أحيانًا- من صدام بين القضاة كونهم رموز العدالة؛ وضباط الشرطة- باعتبارهم جهازا تنفيذيا قد يُعهد إليه في بعض الأحيان بوضع السياسات والبرامج التي تتبناها الدولة، ما خلع على صورة الشرطة في وعي المواطن قوة ديناصورية هائلة ليست في خدمة الشعب بل في خدمة الحاكم". ويشير البحث إلى أن علاقة الشرطة بالمواطن المصري كانت "ذات يوم غير بعيد " علاقة طبيعية لا يحفها قدر هائل من العنف كالذي نلمسه الآن، وأنها لأسباب كثيرة بعضها اجتماعي وبعضها سياسي واقتصادي؛ فإن هذه العلاقة "الطبيعية" قد تبدلت وتحورت لتصبح مليئة بالتوتر والخوف من ناحية وبالقسوة والانتهاكات من ناحية أخرى. وتشير الباحثة "بسمة عبد العزيز" إلى عدم وجود نقطة فاصلة في التاريخ حدث بعدها هذا التحول، لكن الفرضية المثالية في تلك العلاقة، أن فصول القمع تتوالى باستمرار، قد تتوارى في فترة وتشتد في أخرى لكنها دائما حاضرة "طالما حضرت السلطة المطلقة وغاب الناس عن المشاركة". يبدأ الكتاب بتاريخ تكوين الأجهزة الأمنية، حيث" لم يخلُ مجتمع على مر العصور من وجود جهاز أو كيان ما، تكون مهمته الأولى الحفاظ على الأمن وحماية الأفراد والممتلكات وتنظيم شؤون الحياة"، فقد "عرفت مصر القديمة منذ آلاف السنوات أقدم جهاز أمني، وشهدت بناء أعرق مؤسسة شرطة في العالم في عهد الأسرة الأولى على وجه التقريب. تعرضت الأجهزة الأمنية المصرية بوجه عام إلى تغيرات كثيرة واكبت الظروف التي مر بها المجتمع؛ فظهرت لها وظائف ومسميات متنوعة مع كل فترة زمنية خضعت فيها مصر لحكم جديد؛ حيث كان من المحتم أن تلبي هذه الأجهزة متطلبات واحتياجات الحكام المتباينة ـ كلٌ حسب النظام الذي يُرسيه". ثم ينتهي الفصل الأول بنهاية حكم الرئيس السادات، حيث يشير أن فترة حكم السادات "شهدت تراجعاً واضحاً في العنف الموجه للخصوم السياسيين، حتى كادت أحداث التعذيب أن تنحصر في عدد محدود من الوقائع المشهورة، يُذكَرُ منها على سبيل المثال: التعذيب الشديد الذي طال جميع من اتهموا باغتيال رئيس وزراء الأردن. أما سلوك الشرطة تجاه المواطنين العاديين؛ فقد انتابته بعض التغييرات التدريجية. إذ ظهرت بوادر لعنف أفراد الشرطة في حوادث متناثرة هنا وهناك، وإن ظلت مجرد استثناءات لا تشكل منهجاً سلوكياً عاماً". العنف الممنهج التعذيب في اقسام الشرطة المصرية ويستعرض الفصل الثاني بدايات العنف المنهجي في الثمانينيات والتسعينيات والتطورات التي لحقت به، واتساع الدائرة التي أخذ يطال أفرادها، حيث "لم يقتصر العنف على تعذيب مشتبه فيه أو متهم في أماكن الاحتجاز المتنوعة التي تراوحت بين الأقسام والمعسكرات، فعلى الجانب الآخر تنامت السياسات الأمنية العقابية ورصدتها تقارير المنظمات الحقوقية"، فقد "أبدت الملاحظات (التي جاءت في تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان للعام 1988) تخوفًا مُلِحًّا من الظاهرة وأطلقت عليها مسمى "الحملات الأمنية". أشار التقرير المذكور إلى تصاعد هذه الحملات باضطراد يثير التوجس والقلق. الحملات الأمنية التي عناها التقرير هي تلك الهجمات التي تقوم بها قوات الشرطة في إطار التأديب أو العقاب الجماعي لمنطقة أو قرية أو شارع، وتضم صورًا وأشكالاً عديدة من العنف من دون أن تستهدف شخصاً بعينه، إذ أنها تُمارَس بقصد الترويع وتأكيد السيادة المطلقة للسلطة التي لا ينبغي استفزازها أو إغضابها". ثم يناقش الفصل ظهور نمط جديد من العنف الذي تمارسه الشرطة خارج الإطار المنهجي المعتاد في بداية الألفية الثالثة مع التحليل "فإن العنف المنهجي المدروس يُمَارَس على نطاق شديد الاتساع في أغلب أقسام الشرطة المصرية ومقار الاحتجاز، بالطرق نفسها والوسائل المتبعة، والأدوات نفسها المستخدمة، وباشتراك أكثر من فرد في معظم الحالات.. المحصلة النهائية تشير إلى أنه لا يمكن تصنيفه في إطار الأحداث الفردية أو الاستثنائية وأنه يُمَارَس بمعرفة السلطة الأعلى، وأن هناك اتفاقًا ضمنيًا غير موثق بين مرتكبيه.. في العام ألفين واثنين.. ورد إحصاء بأقسام الشرطة التي أبلغ مواطنون عن تعرضهم للتعذيب فيها، وبلغ عددها 38 قسمًا، أما في الفترة ما بين العام ألفين وثلاثة والعام ألفين وستة، فقد بلغ العدد ما يزيد على 88 قسما للشرطة، مورس فيها العنف والتعذيب ضد عدد هائل من المواطنين". قضية خالد سعيد وفي الفصول التالية يلقي الكتاب الضوء على صورة الشرطي التي تكونت في وعي المواطن وعلى مدار سنوات من القمع المتواصل، ثم يتعرض للعوامل والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن في ظلها فهم التطور في العلاقة بين الشرطة كونها أداة تنفيذية للدولة والمواطن، وطرفًا أصيلا في عقد اجتماعي ينبغي أن يضمن له حقوقًا غير خاضعة لأية مساومات، وينتهي الكتاب باستعراض رد فعل المواطن على كم العنف الموجه إليه ومآل العقد الاجتماعي الذي أصابته الشروخ في جهات متعددة، فقد تنبأ البحث الذي صدر قبل أيام قليلة جدًا من أحداث الخامس والعشرين من يناير، بغرض اللحاق بمعرض الكتاب والذي كان قد تقرر افتتاحه في التاسع والعشرين للشهر نفسه، قبل أن يتم تأجيله إلى أجل غير مسمى، بما حدث يوم جمعة الغضب 28 يناير، حيث أوردت الباحثة في نهاية الكتاب فصلا بعنوان "الأدوار المتبادلة" والذي يستعرض رد فعل المواطن على كم العنف الموجه إليه، من خلال استباحة المواطن لـ "القانون"، وما تستبيحه الشرطة لنفسها، واستباحة المواطن للشرطة، ثم "انفراط العقد وغياب الدولة" حيث أشارت تحديدًا تحت بند "واستباحة المواطن للشرطة" أنه "لم يعد في استطاعة الناس تحمل مزيدًا من القهر والإذلال من دون أن يلمسوا أي أمل في تحقيق تقدم أو بناء مستقبل أفضل، فلا الدولة المستبدة قادرة على تحقيق مستوى معيشة مقبول، ولا هي تحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.. لم تعد العلاقة بين المواطن والدولة وعسكرها مبنية على الخوف والخضوع فقط؛ بل تلونت بكثير من التحدي والعداء". ويؤكد البحث أن مقتل الشاب السكندري خالد سعيد بعد ضربه وتعذيبه في الشارع على يد اثنين من أفراد الشرطة أحدث تغييرًا كبيرًا في وعي الناس، من ناحية فإنه جذب اهتمام الكثيرين إلى قضايا التعذيب والعنف الأمني، ومن ناحية أخرى دفع بحركة واسعة منظمة انتقلت إلى الشارع عبر الإنترنت؛ هدفها الأول ـ كما يبدو ـ هو متابعة الإجراءات والتطورات لعدم نسيان القضية والضغط لضمان عقاب عادل لمرتكبي الجريمة، الآليات التي اتبعتها هذه الحركة شجعت الكثيرين على الانضمام لها؛ إذ لم تدع إلى عمل ميداني عنيف، بل على العكس؛ فإنها استخدمت وسائل غاية في البساطة والذكاء تحايلت بها على جميع الأفعال التي تجرمها حالة الطوارئ، من ثم؛ فإنها قد أوجدت ليس فقط تعاطفًا، بل ومشاركة متزايدة من الناس العاديين، المثابرة والإصرار على التذكير بمقتل الشاب أحدث تطورا جديدا في الأداء، فقد جرت العادة على أن تفتر الحماسة المصرية سريعًا وينسى الناس بسرعة أكبر مآسيهم ويعتادوا على أزماتهم، وهو الأمر الذي ظهر جليًا في الثورة التي قام بها الشعب المصري في 25 يناير من العام الحالي، ولعبت تلك الحادثة دورًا كبيرا في التمهيد لتلك الثورة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل