المحتوى الرئيسى

نرفع الرءوس‮.. ‬ونبني الوطن

02/17 00:07

علي‮ ‬ بشاعتها‮.. ‬لم تكن أسوأ الجرائم التي تم ارتكابها من النظام الذي سقط هي هذا‮ ‬النهب الذي لم يسبق له مثيل للمال العام،‮ ‬ولا هذا الفساد الذي انتشر كالسرطان في جسد الوطن،‮ ‬ولا هذا التدهور الذي شمل كل مرافق الدولة‮.. ‬إلخ،‮ ‬وإنما كانت أسوأ الجرائم هي تلك التي نالت من روح الإنسان المصري وهو يشعر بالإهانة في وطنه وخارج وطنه،‮ ‬وهو يحس بأن مصر التي يعرفها قد توارت وجاء المماليك الصغار والكبار بمصر أخري علي مقاسهم الصغير وليس علي مقاس شعب مصر العظيم‮.‬قبل ‮٥٢ ‬يناير،‮ ‬كنت أنظر في عيون الناس فتملؤني الحسرة،‮ ‬هل هؤلاء هم الذين عبروا في ‮٣٧‬؟ هل هؤلاء هم الذين استعادوا قناة السويس من‮ ‬غاصبيها وبنوا السد العالي وجعلوا من مصر نموذجا للشعوب التي تنشد العدل والاستقلال في العالم كله؟ هل هؤلاء هم الذين سارت معهم الشعوب العربية من المحيط إلي الخليج بعد أن وجدت عندهم العلم والاستنارة والثقافة والقيادة التي فتحت أبواب الحرية والاستقلال والتقدم والوحدة العربية؟ إنها الجريمة الأكبر للنظام الذي سقط،‮ ‬والتي بدأت منذ السبعينيات،‮ ‬حين انقلبوا علي مصر التي كانت ملء السمع والبصر‮.. ‬سرقوا نصر أكتوبر من أصحابه،‮ ‬احتكروا الثروة لأنفسهم ووزعوا الفقر علي الملايين،‮ ‬استحوذوا علي السلطة وحاصروا الحريات وتركوا الفساد ينمو حتي توحش‮.. ‬رهنوا وطنا بحجم مصر لسيناريو توريث محكوم بالفشل‮. ‬راهنوا علي أجهزة القمع واعلام تزييف الحقائق،‮ ‬تبنوا سياسات اقتصادية انحازت للقلة المحظوظة وتركت نصف المصريين في قبضة الفقر،‮ ‬حولوا ثروات مصر إلي قصور ومنتجعات وأرصدة بالخارج وتركوا الملايين يبحثون عن مكان علي موائد الرحمن في رمضان،‮ ‬سمح لهم ضميرهم باستيراد الأغذية الفاسدة،‮ ‬وبترك الملايين تشرب المياه الملوثة ثم أخذوا‮ »‬يعايرونهم‮« ‬بأنهم في عهدهم السعيد يشربون الكوكاكولا ويتكلمون في التليفون‮!‬إنها الجريمة الأكبر للنظام الذي سقط‮.. ‬أن يهون المواطن للحد الذي يستشهد فيه ‮٠٠٤١ ‬مواطن في كارثة العبارة،‮ ‬فيسمح النظام وأركانه بهروب صاحب العبارة القاتل ومعه أسرته وأمواله للخارج،‮ ‬ثم يسارعون لمشاهدة مباراة كرة في استاد القاهرة بدلا من تقديم العزاء‮! ‬ولم تكن هذه‮  ‬حالة فردية،‮ ‬بل تكرر الأمر مع كل كارثة مشابهة،‮ ‬من حوادث القطارات إلي ضحايا السيول،‮ ‬حيث لا تجد إلا حالة من عدم اللامبالاة الرسمية تعكس كيف أصبح المواطن رخيصا في بلده‮.. ‬والرخيص في بلده سيكون كذلك خارج الوطن‮.. ‬خاصة حين يتحمل اخطاء سياسات رسمية أبعدت مصر عن عالمها العربي،‮ ‬وتصاغرت بمصر ودورها في المنطقة وفي العالم كله‮.‬كانت هذه هي الجريمة الأكبر للنظام الذي سقط‮.. ‬انكسار الروح وفقدان الأمل عند ملايين المصريين الكادحين من أجل لقمة عيش حلال‮.. ‬ولعل هذا هو ما طمأن النظام علي بقاء الحال رغم الظروف المأساوية التي أصبحت الغالبية من المواطنين تعايشها،‮ ‬ولعل هذا أيضا هو الذي جعل المراقبين في العالم يتصورون أن مصر هي آخر بلد يمكن ان تثور علي أوضاعها‮.. ‬وكانوا جميعا لا يعرفون مصر ولا يدركون أن شعبا تضرب جذوره في الأرض لآلاف السنين هو شعب يملك من عوامل المقاومة ما يجعله يقهر ضعفه ويقلب الموازين في ساعة الحسم‮. ‬وهكذا تحولت مرارة السنين إلي‮ ‬غضب نبيل انفجر في ‮٥٢ ‬يناير،‮ ‬لتولد مصر من جديد،‮ ‬وليختفي هذا الوجه المستكين الذي تصور البعض أنه قدر مصر،‮ ‬ولتظهر الثورة أعظم ما في هذا الشعب العظيم من صفات،‮ ‬انكسر حاجز الخوف وعاد الأمل للنفوس،‮ ‬وتوضأ جيل جديد بدماء الشهداء ليخرج طاهرا نقيا يطلب العدل وينشد الحرية ويصدر قراره الذي لا رجعة فيه‮: ‬سقوط النظام بكل فساده وإفساده وظلمه واستبداده‮.‬وفي لحظة الحسم،‮ ‬وبعد دقائق من سقوط النظام مساء الجمعة العظيمة،‮ ‬ووسط شلال الفرح الذي اجتاح مصر كلها،‮ ‬كان أجمل ما تسمعه في قلب ميدان التحرير هو هذا الهتاف البسيط الصادق‮ »‬ارفع رأسك‮.. ‬أنت مصري‮« ‬إنها لحظة النهاية لسنوات من امتهان الكرامة وفقدان الأمل‮.. ‬ولكنها أيضا‮- ‬وهذا هو الأهم‮- ‬لحظة البداية لمصر التي نريدها ونتمناها‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل