المحتوى الرئيسى

> استنزاف الثورة والثروة

02/16 22:22

دخلوا إلي المستشفي يحملون ابنتهم التي جرحت بقسوة في قدميها.. دماؤها تنزف بشدة ولا يستطيعون وقف النزيف.. الجميع يصرخون: أبواها وإخوتها وأخواتها.. الجيران القلقون علي الفتاة الجميلة جاءوا إلي المستشفي هم أيضا.. تعالت الأصوات واختفت العبارات والكلمات في خضم الصياح ومحاولة إيجاد طبيب ينقذ الفتاة.. جري كل واحد في ناحية وإذا بعدة أطباء يحضرون إلي استقبال المستشفي المزدحم. نظر الأطباء بعضهم لبعض.. مَن منهم سوف يفحص الفتاة؟ تفضل يا دكتور.. لا بل تفضل أنت.. ولكن هذا الطبيب هو من جاء أولا.. هذا الطبيب أكبر سنا ويبدو أنه أكثر خبرة فليتولي المهمة.. تعالت صيحات الأهل مرة أخري.. فليقم أحدكم بالعمل.. وذاك يصر علي أن الطبيب الذي أحضره هو ينبغي أن يعالج الفتاة.. وآخرون يصيحون: أي دكتور قبل أن تنزف الفتاة دمها كله. هذا ما صار كثيرون يهتفون من أجله الآن للقيام بوقف استنزاف الثورة والثروة المصرية قبل ضياع الوقت.. فحالنا لا يختلف كثيرا عن حال أهل الفتاة المجروحة.. كلنا كأهل الفتاة نخاف علي بلدنا ونحبها ونري ما قد استنزف من ثرواتها في الفترة الماضية وما يستنزف منها الآن.. نري خسائر اقتصادية ليست بقليلة.. وهبوطا حادا في السياحة.. وانفلاتا أمنيا لم نشهد له مثيلا.. ولكن رد الفعل من جانبنا هو صخب إعلامي وشعبي.. محاولات لاستقطاب الانتباه إلي هذه الشخصية أو غيرها واستدعاء أطباء السياسات والأيديولوجيات.. مناقشات مطولة حول ما حدث وما الذي ينبغي أن يحدث.. كل هذه المحاولات لا تشمل العمل علي وقف استنزاف الثروة.. أما الثورة التي قام شبابها بإزالة مخلفات ميدان التحرير ومحو أي صورة سلبية فيه، فهي أيضا في حالة استنزاف خطيرة.. ما بين دعاوي غريبة غير موثقة المصدر إلي إنتاج ما دعوه بقوائم العار من ناحية.. ودراسات مطولة حول من كان معنا ومن انقلب ليسرق الثورة ومن الخائن من ناحية أخري.. وكيفية محاسبة المخطئين قبل وقف النزيف من ناحية ثالثة.. هذه كلها مظاهر استنزاف للثورة بدلا من الإسراع في تعميم فكرة إصلاح ما فسد، ونقلها من ميدان التحرير إلي أنحاء مصر كلها.. القصة لم تنته بعد.. مازال أهل الفتاة يحملونها في استقبال المستشفي، ولم تدخل إلي حجرة الكشف.. لم يقم أي من الأطباء بفحصها ولا تحديد الإجراء السريع لإنقاذها.. ويبدو أن الأطباء غير متفقين علي خطوات العلاج بالرغم من أن المنطق البسيط الذي لا يحتاج الاحتكام للطب ولا العلم هو وقف النزيف أولا ثم مناقشة أي أفكار أخري.. لكن يبدو أن هذا الإجراء الذي ينبغي أن يسرعونا في اتخاذه لم يبدأ بعد.. والخوف كل الخوف أن يؤدي النزيف الحاد للفتاة إلي تفاقم مشكلات لا حلول لها. أرجو ألا نستنزف الثورة ولا الثروة.. إنقاذ مصر أكثر أهمية الآن من أي اعتبارات أخري.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل