المحتوى الرئيسى

لغة الأميركيين.. مليون دولار للغزل

02/16 20:57

الشعب الأميركي طوّر لغة خاصة به مستمدة من نمط حياته السريعة (الأوروبية-أرشيف)زينب عساف-ديترويت عندما تتعلّم لغة جديدة فإنك تأخذ الكثير من ثقافة متحدّثيها الأصليين وقيمهم وطرق تفكيرهم وسلوكهم. ووجود الشخص المتعلّم للغة الجديدة في البيئة الأصلية لهذه اللغة مهم لتكوين صورة كاملة عن المجتمع الذي طوّرها. لذلك، برأي بعض اللغويين، لابد لك من العيش في المجتمع-الحاضنة لأي لغة كي تتقنها فعلاً. وفي هذا الإطار تأتي الأمثال والأغاني الشعبية أو التشابيه والصور لتشكّل أصدق تعبير عن خلفية الناطقين بلغة معينة، مثل كونهم عاطفيين أو عنيفين أو باردي الطباع.. إلخ. روت لي حنان نعمة، وهي طالبة بالجامعة الأميركية في بيروت، أنها كانت يوماً مع شلّة من الأميركيين العاملين في الجامعة بأحد مقاهي شارع "بلسّ" عندما تلقّى أحدهم اتصالاً من نيوجرسي. وقالت "كانت جاكي في حالة مرح قبل أن يتلقى صديقها اتصالاً ثم يخبرها بعدما أقفل السماعة بكثير من الأسى بأن أباها قد رفس السطل". طبعاً لم تفهم حنان الطالبة الجامعية ذات المستوى الجيد في اللغة الإنجليزية ماذا كان يقصد، واستغربت كثيراً بكاء جاكي وانسحابها من السهرة ثم مواساة الجميع لها، هل يستدعي "رفس السطل" كل هذا البكاء؟ أسرعت نعمة إلى قاموسها الإلكتروني الذي يحتوي عبارات أميركية شائعة، ففهمت عندها أن جاكي تبكي لأن والدها قد توفيّ.  الدراسة الأكاديمية لا تكفي وحدها لاتقان اللغة (الأوروبية-أرشيف)عبارات خاصةحالة حنان تنطبق على عدد كبير من القادمين الجدد إلى الولايات المتحدة، لأنهم وإن كانوا يجيدون الإنجليزية، فهم يفاجأون ببعض العبارات الخاصة التي تستند إلى حكايا شعبية، أو التي خضعت لاختصارات وتأثيرات من لغات الشعوب المتعددة التي استوطنت البلد.  القادم حديثاً سيلاحظ بعد فترة الاختلاف في اللهجات بين الجنوب والشمال من جهة وبين البيض والأفارقة الأميركيين من جهة أخرى. في اليوم الأول لوصوله سيسمع كثيراً "ليكن سعيداً" وسيعرف في اليوم التالي أن المقصود هو "ليكن يومك سعيداً" بعدما خضعت لضرورات الاختصار الأميركية.لفهم الشخصية الأميركية لا بد من الاتجاه نحو المعدة. الأكل السريع أو "الفاست فود" الذي غزا العالم ويُعدّ اليوم أحد أبرز مظاهر الأمركة، كما يعتبر موقع الهجوم الأول بالنسبة للعديد من "الخائفين" على ثقافاتهم الأصلية. وهو قد انتشر منذ بدايات القرن العشرين التي أدخلت آلات عديدة إلى منازل الأميركيين كآلتي غسل الثياب والصحون، ومهّدت للتخلّي عن الدور التقليدي للمرأة في المطبخ وخروجها إلى العمل بعد أكثر من نصف قرن على نداء رائدة الحركة النسوية إليزابيت ستاتون من أجل المساواة الذي أطلقته عام 1848. "الفاست فود" يعبّر أصدق تعبير عن صراع الأميركيين اليومي مع الزمن الذي يبدو أنه يُحسب باستخدام عدّادٍ سريعٍ هنا. تشرح جنيفر سياك الأمر كما يأتي "بدلاً من أن أمضي ساعتين في طهو الطعام، أشتري وجبة بخمسة دولارات وأتقاضى أربعين دولاراً كأجرٍ عن هاتين الساعتين". ويبدو أن هذه العملية الحسابية المبسّطة تمس الكلام أيضاً، لأن الأميركي "المستعجل" دائماً يسعى إلى حذف كل الزوائد الممكنة من الحوار في حديثه المحكيّ، ليخرج بعبارات جديدة تضاف إلى مفردات الإنجليزية الأميركية القائمة على دمج الكلمات. "لفهم الشخصية الأميركية لا بد من الاتجاه نحو المعدة. الأكل السريع أو "الفاست فود" الذي غزا العالم ويُعدّ اليوم أحد أبرز مظاهر الأمركة، كما يعتبر موقع الهجوم الأول بالنسبة للعديد من "الخائفين" على ثقافاتهم الأصلية"ليمونة للسودالحياة السياسية الأميركية تعجّ بمصطلحات شعبية لا يفهمها سوى أهل البلد. على سبيل المثال، عشية انتخاب الرئيس أوباما علّق مات هندريكس، وهو أفريقي أميركي يعمل بإحدى الإذاعات المحلية في ديتروت "لقد حصلنا على ليمونة" والمقصود هنا "لقد خُدعنا". لأنه، وفق هندريكس، لم يتغيّر شيء من أوضاع المناطق السوداء المزرية بعد وصول أول ملّون إلى سدّة الرئاسة الأميركية. من جهة أخرى وصف توماس فريدمان المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس، سارة بيلين، في زاويته الأسبوعية في نيويورك تايمز بـ"الثور الأجوف في متجر الخزف الصيني" تعبيراً عن استيائه من الحجم الكبير الذي لا تستحق والذي أُعطي لها في الحياة السياسية الأميركية. أما أحد الطلاب الأميركيين العرب الصغار فقد جمع عبارات شعبية عديدة ووجهها على شكل رسالةً إلى البيت الأبيض كالآتي "عزيزي الرئيس أوباما، أشعر بأنك في الفترة الأخيرة تلعبها بالأذن، هذا ما سمعناه مباشرة من فم الحصان، لذلك دع القطة خارج الكيس، لأنك تجعلنا نسحب المسدّس". "أنا لا أريد لأبي أن يبقى في الخطّ" والترجمة غير الحرفية هي "عزيزي الرئيس أوباما، يبدو أنك لا تملك أي خطة وهذا ما سمعناه من مصادر موثوقة، لذلك لا تدّعي بأنك لا تعرف الأمر فأنت تغضبنا بهذه الطريقة. أنا لا أريد أن يبقى أبي تحت خطر فقدان وظيفته في أي لحظة". معايدة ثمينةإنه لمن الممتع حقاً ملاحظة كيف تتقاطع الأمثال الشعبية بين الثقافات المختلفة. فهذه الأمثال تعبّر أصدق تعبير عن الشخصية القومية كما تحمل معها العديد من خصائص بيئة معينة. هنا، نلاحظ تقاطعاً بين اللغتين العربية والأميركية، لأنه ثمة أفكار كثيرة متشابهة ولكن مصاغة بطرق متعددة. إزاء المثل العربي "من سبق شمّ الحبق" يأتي المثل الأميركي "العصفور الأول ينال الدفء" ومقابل المثل المصري "يا رب تيجي في عينه" يأتي "يلعبها بالأذن" أي بدون تخطيط مسبق. أما مقابل عبارة "مثل ورقة النعي" العربية المستخدمة لوصف شخص متشائم وكثير الشكوى فتأتي عبارة "يشبه غطاءً رطباً" الأميركية. وفي أجواء الاحتفالات بعيد العشاق قريباً، لابد أن أميركيات كثيرات سيسمعن العبارة الآتية "حبيبتي تشبهين مليون دولار". وبالعودة إلى مقدمة هذا المقال، يمكننا استنتاج أشياء كثيرة عن شخصية الأميركي المعاصر. ولعل العربي، الذي يعاني الفقر والجوع والبطالة، يعايد حبيبته قائلاً "آه كم تشبهين رغيفاً"!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل