المحتوى الرئيسى

ما بين القصرِ.. وحتّى الشرمْ.. جاءَنا البيانُ التالي؟ بقلم: محمد هجرس

02/16 17:36

ما بين القصرِ.. وحتّى الشرمْ.. جاءَنا البيانُ التالي؟ بقلم: محمد هجرس** الآن.. أستطيع أن أكتب.. منذ جُمعة النّصر العظيم، لم أستطع أن أنطق.. فقط اكتفيتُ بصرخة عالية، عندما سمعت نبأ التنحي.. أصبت بالخرَس الشّديد، في لحظةٍ يُفترض أن تكون هستيريا فرح.. فقط، كانت الدموع أمام سيل التهاني الذي انهالَ من كلِّ العواصمْ.. ...... ...... لأول مرّة منذ ربع قرن، أفتحُ صدري للهواءِ الطلْق وأستنشقُ نفساً عميقاً. يحقّ لي أن أستلقي قليلاً وأمنحُ نفسي بعضَ الحرية.. بعضَ الأمن.. بعضاً من النشوة والفخر، والحزنِ والخجلِ معاً.. لأنني ذات يومٍ، فضّلت الهروب على أن أصبح "مخبر" بوظيفة صحفي، بعد أن رأيت زميلاً يتعرض للفصل على يد رئيس تحرير وشى بمصدره عند "الداخلية". حينما كان يسألني الزملاءُ والأصدقاءُ خلال الثورة البيضاء، عمّا سيحدثْ، كنت أجيبُ بثقة: سينتصرون وسيرحل.. كنت متأكداً أنه سيرحل، بل قلت عقب الخطاب الثالث لأصدقائي، الآن حُسم الأمر.. بن علي خرج مرّاتٍ ثلاثة، ثم هرب.. فانتظروا معي.. وبعد أقل من 24 ساعة تحققت النبوءة. حتى صديقي المرهف تيسير السجيني، حينما اتصل بي مساء الخميس الذي تلا موقعة "الجحْش" يوم الأربعاء الأسود بميدان التحرير، وهو يصرخُ باكياً : قلت له ناهراً: .. لم يملك دموعه وواصل : قاطعته صارخاً:. .... .... لم نأخذ العزاء، بل استعادت مصر نفسها.. ووعيها وقيمتها، في نفوس أبنائها قبل أن يكون ذلك في نظر غيرها.. بعد 28 ثانية فقط، هي مُدّة البيانِ الذي ألقاهُ في مشهدٍ دراماتيكي، نائبُ الرئيس السابق عمر سليمان، معلناً تنحي الرئيس، طارت مصر كلها في الهواء، وانفجرت براكين الفرح أرضاً وبحراً وجوّاً.. في ثلاثة أسطر، بدت وكأنها تؤرخ لبداية جديدة، وتنهي حقبة مثيرة للجدل، بدا فيها سليمان وكأنه يتجرّع السّم، فيما في الخلفية رجلٌ غامضٌ وصارم، يلخصُ المشهد برصاصةِ الرّحمة الأخيرة.. نظرةٌ جامدةٌ لم تتغير، ووقفةٌ لم تتحوّل.. ثم.. النعي الأخير في إعلانٍ غير مدفوع الأجر.. وبدون تحية وداع.. وبدون 21 طلقة، اختتمه نائب الرئيس السابق بعبارة "والله المستعان".. كنوعٍ من اليأس القاتل، بعد أن عجزت كل الحلول. الله.. كان المستعانُ بالتأكيد، استعانَ به الشعب فكانَ ما كانْ، ولم يكن سُبحانه في عوْنِ النظام، فكان ما لم يكن متوقعاً أن يكون. ما أن انتهى نائب الرئيس، حتى خرج قائلٌ على الهواء يبكي بدموعِ الفرح :"حمد الله على سلامتك يا مصر.. حمد الله على سلامتك يا بلدي" أدركتُ روعةَ اللحظة.. وقيمتها، فكتبتُ على الفور جملة واحدة :"الآن أستطيع أن أقول إنني مصري"، ورفعتُ رأسي. ..... .... لم يكنْ يخطرُ ببالِ فخامةِ الرئيس، ولا كل أولئك الذين يحملون المباخرَ من حوله، ويسبّحون بحمده ليلاً ونهاراً، أن يوماً سيأتي، ليحمل فيه لقب "المخلوع" وكأنّ كلّ من هلّلوا في مواكبِ النّفاق، قد باتوا اليوم في قلب الطـّوفان.. هل يقفزُ أحدٌ ما، يملك عقلاً ما.. في سفينة غارقة؟ بالطبع لا. ولكن.. ماذا عساهم الآن، وهم يأتون بصحائفهم في أيديهم، إلا أن يأتوا بصحفهم "القومية".. وإذاعاتهم، وتلفزيوناتهم، وخيلهم وبعيرهم، بسيوفهم وحجارتهم، ولكنهم سرعان ما اختفوا، إمّا هرباً أو بحثاً عن مخرجٍ ليركبوا الموجة.. كانت "الطير الأبابيل" من شباب الثورة، ترميهم "بحجارةٍ من سِجّيل".. فإذا هم، برئيسهم ونظامهم، بـ"شريفهم" و"عزّهم".. بـ"جمالهم" و"سرورهم".. بـ"مفيدهم" و"شهابهم" و"هلالهم" أصبحوا في غضون ساعاتٍ قليلة "كعصفٍ مأكول". ماذا عساهُم أن يكونوا غيرَ ما كانوا.. والآنَ تحديداً، بعدما وقع الصنم الأكبر {ما أغنى عنهُ مالُهُ}.. وما نَهَبْ، فيما هناك في الميدان، من لا يزال يرفعُ يديهِ إلى السماءِ، ويقرأ المعوذتين و"تبّتْ يدا أبي لهب".. حتى خرجت أبواق الحزب صارخةً بكل الإنجازات الوهمية منها والموعودة: "هاكم كتابيه".. كانت فيها صورُ لعزيز مصر، ونجل عزيز مصر، وامرأةُ العزيز، التي جمعت يوماً حوارييها، ليجتمعنَ على "يوسف".. ها هنَّ الآن يقطّّعن أيديهنّ، ليس من فرط جمال هذا الشعب، لكن من وهلة الجموع المدهشة التي أحاطت بجميع القصور، والميادين، وأسقطت الأصنام التي سعى إليها يوماً نبي الله إبراهيم فحطمها. وبينما تساءل أحدهم :{مَنْ فَعَلَ هذا بآلهتنا} ودمّر مقرات الحزب، وأحرق مراكز التعذيب في أقسام الشرطة، لم يجرأ أحدُ على البوح بأن {لقد فعلهُ كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون}.. لم ينطق أحد.. لم يكتب أحد.. قال قائلٌ منهم: يا بنيَّ اركبْ معنا، {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} لكن الحزبَ وكبيري شياطينه، ومنتفعيه استكبروا وقالوا: سنأوي إلى بلطجية يعصموننا من نارِ الثّورة، كانت البغالُ والخيلُ والحميرُ والجمالُ لا تدري أن لا عاصمَ اليومَ من صَوتِ الشّعب.. ...... ..... الآن.. امدُدْ يَدَكَ في جيبك، تخرج بيضاءَ من كلّ سوء.. في يوم حسابك، يكون الصراطُ مستقيماً، لا كما كان طيلة ثلاثين عاماً، أعوج وقليل الذمة، يترنّح هناكَ ما بين القصر وما بين شرمِ الشيخ، حيث في الأخير لا حاشية هناك، ولا أولئك السّحَرة الذين رموا بحبالهم وعصيّهم، فخُيَّل لك أنها تسعى.. لم تكن الصرخةُ الكبرى التي دوّت في قصر الرئاسة، ولم تبثها شاشات التلفاز: كيفَ تثورونَ قبل أن آذن لكم؟ مَدْخلاً لفهمِ ما جَرى في السّاحة الكبرى، لكنها كانت تعبيراً عن المأزق، فالصرحُ الذي بنى به هامان سُلّماً ليرى ربَّ موسى، سرعان ما كان مقبرة لما ادّعوا أنه "الفكر الجديد".. ومحرقة لمافيا النهب الجديد، ومزبلة النصب الجديد، الذي قاده يوماً جمال مبارك، وزبانية النظام الجديد.. الفكر الذي روّج لمشاريعَ وهْمية.. والخطط التي أرادت اختصار بلدٍ بأكمله، في شخص واحد.. والمصفقون والمنتفعون الذين سعوا لوراثة الحكم وتوريثه.. فلطالما اعتقدَ فرعونُ وهامان وجنودُهما وبقية الكهنة في الحزب الوثني، أن هذا الشعب الذي يعيش "أزهى عصور الديموقراطية" يمكنه أن يصدّق.. وأن كل هذه الملايين، التي أفاقت من غيبوبتها "قلّة مندسة" أو أن كلّ هذهِ الجموعِ الحاشدةِ ليستْ إلا بضعةَ مأجورينَ ومستأجرينَ، 50 يورو، ووجبة من الكنتاكي، كما قالوا ليهينوا الشعب أكثر وأكثر! ..... .... وإذْ قالوا.. اضربْ بعصاكَ الشّعبْ، {فانفلقَ فكانَ كلّ فرق كالطودِ العظيم}.. فكان حبيب العادلي! كان الأمنُ المركزيّ، كانت الشرطةً سيّئة السمعة.. وكان الرّصاصُ المطاطيّ، وكان الرّصاصُ الحي.. كانَ القنّاصةُ وكانت العرباتُ التي تدهسُ الأبرياءَ، وتحصدهم في حقدٍ غريب.. كانت البلطجةُ التي استباحتْ آخرَ ما تبقّى من كرامةِ شعبٍ، لم يعدْ لديهِ ما يخسرهُ أو يبكي عليه.. ولمّا انقلبَ السّحرُ على السّاحر.. جاء من أقصى القصرِ رجلً يسعى، قال يا قوم، آنَ لكم أن تختاروا: الفوضى... أو الانقلابْ؟ ومشى مّنْ كانَ قبلَ قليلٍ يدعو للتقوى والصّلاح :{ربّ افرغْ علينا صبراً وأنت خيرُ الرّازقين} وما هي إلا أشهرَ معدودة، وعِدةٌ مكتوبة، فتربّصوا به ستّة قروءٍ يستبينُ فيها نقلُ السلطة.. فشلت اللعبة.. ورفعَ الجميعُ أيديهم إلى أعلى.. ولمّا أطبقَ عليهم البحرُ، وأدركوا أن مّنْ في ميدان التحرير، وربوع مصر الأخرى، قالوا جميعاً بصوت واحد: آمنّا بالشعبِ وبمطالبه المشروعة. .... .... ما بين القصرِ.. وحتّى الشرمْ جاءَ البيانُ التالي، وتحيةٌ عسكريةٌ لانتفاضةِ شعبٍ، وتحيةٌ أعمقُ لأرواح الشهداء.. انتهت الرحلة، فيما تظلّ الحكاية.. (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) صدق الله العظيم ــــــــــــــــ ** كاتب صحافي مصري mmhagrass@gmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل