المحتوى الرئيسى

حتمية التغيير بقلم : محمد السودي

02/16 17:26

حتمية التغيير !!! بقلم : محمد السودي ربما يكون الوقت قد ازف لاستعادة الثقة المفقودة بين الحاكم المطلق والمحكوم المغلوب على امره في دول المنطقة العربية ، وهو ما يجعل هذه الشعوب توّاقه للتغيير بأي شكل كان ، حتى وان كانت تجهل نتائجه بغض النظر عن طبيعة ولون الاداة المحركة له ، لكنه يأتي في السياق الحتمي بعد التراكمات التي مضى عليها عقود من القهر والحرمان ، وما كانت لتطول كل ذلك الوقت لولا فشل برامج الاحزاب والقوى الوطنية في تلك الدول واخفاقها في الفعل المؤثر الذي يؤدي الى عملية التغيير . ان ما يجري من غليان وغضب شعبي عارم يتم التعبير عنه باشكال مختلفة غير تقليدية لن يتوقف عند حدود ثورتي الحرية والكرامة الانسانية في تونس ومصر مع بعض الفوارق لكل بلد منهما الا ان اوجه التشابه كبيرة من حيث المضمون واخذه بالتوسع العامودي والافقي باتجاه شمولي تجاوز المطالب الاصلاحية في حدها الادنى وبات يستهدف رأس النظام في العديد من الدول التي انتهجت اسلوب الحكم النمطي القائم على عبودية الفرد والاستبداد ويأبى التغيير وتداول السلطة بشكل سلمي من خلال تطور العملية الديمقراطية التي ينبغي ان تندرج في اطار تنامي البنية الاقتصادية والاجتماعية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة ركائزها الحريات العامة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية . لقد استخّفت الانظمة بقدرات الشعوب وتجاهلت ما تصبوا اليه ولم تعد قادرة على تلبية طموحاته وامانيه واتسعت الفجوة الى حد كبير ، وبدل ان تكون الحكمة معيار الحكم ، سلكت طريق الاذلال والمهانة وكرسّت جلّ اهتمامها من اجل بناء الاجهزة القمعية وتطوير ادواتها زارعة الرعب والخوف في نفوس مواطنيها بل ربطت تأمين مصادر رزقها بمدى الولاء للنظام من خلال الاكراه على الانتساب لديكتاتورية الحزب الحاكم ، ثم انتجت لنفسها دساتير وقوانين مفصلة على مقاسها بما يمكنها من الاستئثار بالسلطة الى يوم الدين وتؤول الى الوريث المعد سلفا لهذه المهمة على اعتبار ان الحكم جزء لا يتجزأ من ممتلكات الحاكم الخاصة يتصرف به كما يشاء . ليس من قبيل الصدفة ان تستخدم الانظمة ذرائع شتى كالاخطار الخارجية والحفاظ على الامن القومي والقضية الفلسطينية للتهرب من معالجات الازمات الاقتصادية والاصلاح الداخلي الذي يفرضه واقع التطور الموضوعي حيث وجدت في هذه المبررات وسيلة لحرف الانظار باتجاه القضايا الاكثر اهمية التي تحاكي عواطف وقلوب الشعوب المجمعه على التحرير وتقرير المصير واستعادة الحقوق العربية المسلوبة ، وفي حقيقة الامر فان حقبة السبعينات من القرن الماضي شهدت تراجعا كبيرا للمشروع القومي النهضوي الذي احدثته ثورة الضباط الاحرار في مصر عام 1952 وما تلاه من عدوان ثلاثي على مصر ، وبدا الامر اكثر وضوحا بعد حرب اكتوبر وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد التي عزلت مصر عن محيطها العربي وكان ذلك اهم عوامل النكوص الذي اصاب المشروع القومي العربي وما ترتب على ذلك من تداعيات وانغلاق واضح للدولة القطرية على نفسها باتجاه تعزيز الحكم الفردي وطلب الحماية من القوى الكبرى بعد ان اصبحت اوراق اللعبة كلها بيد الولايات المتحدة كما زعم الرئيس السادات في حينه . لاشك ان سياسات الولايات المتحدة واسرائيل الحليف الاستراتيجي لها كانت ولا زالت تهدف الى اضعاف النظام العربي الجماعي وتفكيك اسس الدولة القوية وجعلها ضعيفة تتصارع مع مكوناتها الاجتماعية والعرقية والمذهبية كي تصبح فريسة سهلة لا تقوى على معالجة اوضاعها الداخلية وتحتاج الى الحماية الاجنبية مثلما فعلت بعض الدول الصغيرة التي اصبحت تستقوي على شقيقاتها بفعل هذه الحماية المدفوعة الاجر من الثروات والموارد الطبيعية هي في الاساس ملك لشعوبها استحوذت عليه فئة قليلة وجيّرته لصالح الاجنبي مقابل الحفاظ على كرسي الحكم وتأمين العيش الباذخ على حساب الاغلبية الساحقة المقهورة وبالتالي من الطبيعي ان يتراكم غضب الشعوب على حكامها الى حين موعد لحظة الانفجار . اثبتت الوقائع بالدليل القاطع ان الادارة الامريكية التي تحاول تغيير جلدها وتنسب لنفسها الفضل باشاعة الديمقراطية ، سرعان ما تتخلى عن حلفائها الطبيعيين حين يسقط هذا النظام او ذاك ، وتتغّنى بالديمقراطية والحرية وارادة الشعوب وضرورة احترام طموحاتها ، ولا يدري احد لماذا صمتت عن طغيان الديكتاتوريات خلال عقود من الحكم الفردي ، ان ذلك يؤكد بما لايدع مجالا للشك سلوك الادارة الامريكية المتحرك طردا بما يتناسب مع مصالحها حيث تعمم القاعدة التي تقول ان لاصداقات دائمة ، بل هناك مصالح دائمة بغض النظر عن الاشخاص وطبيعة النظم القائمة ، اذن الديمقراطية تكون مطلوبة عندما تلبّي مصالح امريكا واسرائيل وتكون مرفوضه وفاسدة حين تتعارض مع سياساتها ، لعل المثل الصارخ للازدواجية الامريكية في تعاملها مع قضايا الشعوب يتجلى بوضوح شديد حين يتعلق الامر بقضية الشعب الفلسطيني وحقه في نيل حريته وتقرير مصيره ، فهل هناك اسوأ من الاحتلال بكافة اشكاله . ان الموقف الامريكي والمواقف الغربية الاخرى الذي اظهرته تجاه الثورة التونسية والمصرية المطالبة بالتغيير وصل حد الغطرسه واستخدام لغة الاملاءات والتدخل السافر بالشؤون الداخلية لهذه الدول بما لا يتناسب مع ارادة هذه الشعوب ونزاهة الاهداف التي انطلقت شرارة ثورته من اجلها ، وهو دليل اخر على نفاق الديمقراطية الامريكية والغربية ، والسؤال الذي يطرح نفسه ويتبادر الى ذهن المواطن العادي ، لماذا تسكت هذه الديمقراطيات عن استعمار الاحتلال الاسرائيلي لشعب اخر ، وتصادر حرياته وتمس بكرامة وانسانية مواطنيه وتمعن بالعدوان والعنصرية بأبشع صوره ؟ لقد حدث في فرنسا ، واليونان واوكرانيا ودول اخرى مظاهرات عديده واحتجاجات واعمال شغب وعنف طال احياء كثيرة فهل كانت ردود الافعال الامريكية والغربية مماثلة بدورها ازاء التطورات في المنطقة العربية ؟ لا تريد شعوب المنطقة تدّخل هذه القوى الدولية المنحازة كل الانحياز الى دولة الاحتلال حتى لاتشوه نقاء الثورة الشعبية ، وهذه الشعوب وحدها القادرة على تحديد خياراتها كما ترفض الوصاية من قبل اي كان ولديها مخزون هائل من التجارب والامكانيات في الصراع مع قوى الاستعمار القديم الجديد ولا ينقصها الخبرة والفطنة ، وعلى هذه الدول ان تعيد حساباتها في التعامل مع قضايا الشعوب وفق نظرة ومعيار واحد ، وتنظر الى الاحتلال والعدوان الاسرائيلي بكونه يشكّل الخطر الاكبر على السلم والامن الدوليين ، كما يتوجب اعادة النظر بأحقية الشعوب في استخدام كافة الوسائل لانهاء الاحتلال وعدم الخلط بين ما تسمّيه الارهاب والتغاضي عن الارهاب المنظّم الذي تمارسه حكومة الاحتلال، وما بين الاهداف السامية للشعوب في الحرية وحق تقرير المصير ، واستكمال عملية التحول الديمقراطي والاجتماعي بما ينسجم مع خصوصيات الشعوب وتاريخها العريق . * عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل