المحتوى الرئيسى

شباب اكتشفوا الطريق.. واخترعوا الوسيلة!بقلم: جواد البشيتي

02/16 17:18

شباب اكتشفوا الطريق.. واخترعوا الوسيلة! جواد البشيتي وكأنَّنا في دولة قومية عربية واحدة، انهارت وسقطت حكومتها المركزية، فشرعت الأجزاء والأطراف من إقليمها الواسع المترامي الأطراف، تنضمُّ إلى المركز، سقوطاً وانتصاراً؛ فهل بقي من مشكِّكٍ متشكِّكٍ في وجود الأمَّة العربية الواحدة؟! حتى هُمْ (وعلى كثرتهم، وتخاصمهم الذي مداره أمور وقضايا وزنها من أوزانهم) أقاموا الدليل على أنَّهم الواحد وقد تعدَّد؛ فإنَّهم، وعَبْر وزراء الداخلية في لقاءاتهم "الأُسَريَّة" الكثيرة والمنتظَمة، أعَدُّوا ليومهم الأسود، الذي دشَّنه عزرائيل الخاص بهم، أي الشاب التونسي محمد البوعزيزي، الخُطَط "الأمنية" المختلفة؛ وأحسب أنَّ الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى مدعو الآن، وإذا ما أراد التكفير عن بعضٍ من ذنوبه، إلى أنْ يكشف للشعوب العربية تلك الخُطَط، التي تواضع عليها وزراء الداخلية العرب في اجتماعاتهم التي عقدوها في بيته (مقر الجامعة) وفي رعايته؛ وإلاَّ ما تفسير وتعليل هذا التماثل في أساليب وطرائق تصدِّيهم لثورات شعوبهم؟! كانت مصر، بقاهرتها، عاصمتهم، فإذا بها تغدو (أي تعود إلى ما كانت، أي إلى ما يجب أنْ تكون) عاصمة الشعوب العربية وثوراتها الديمقراطية والقومية؛ وإنَّه لفَتْحٌ عظيم، لا يشبهه عظمةً إلاَّ فَتْحُ مكَّة، التي إليها جاء الحقُّ، وفيها زَهَقَ الباطل، وسقطت أصنامها صنماً بعد صنمٍ، بدءاً بصنمها الأكبر "هُبَل". وها هو الصَّنم الذي يَحْمِل في يساره كتابه الأخضر يُحاصِره "الياسمين" غرباً، و"النيل" شرقاً؛ فهل له من مَفَرٍّ؟! إنَّ أحداً من أبناء جلدتنا هناك، ومِمَّن أدْمَن "القائد" على النَّظَر إليهم، ومعاملتهم، على أنَّهم قطيع من إبله، لن يُصَدِّق مزاعمه في هذا الزمن التونسي والمصري.. الجديد، والذي من سماته الجوهرية أنَّ أحداً فيه لن يَقْدِر أنْ يَخْدَع أحداً. ما الذي تغيَّر حتى أصبح خَلْع الطغاة سهلاً يسيراً كخلع أسنان مَنْخورَةً بالسُّوس؟ من قبل، كان الخوف (الشعبي من الحاكم المستبد الأوتوقراطي) جداراً صلباً سميكاً عالياً، مع أنَّه بُنِيَ من حجارة من الأوهام، التي تضافر الحاكم والشعب على صُنْعِها. وهذا الجدار هو وحده ما جعلَّ حُكَّامنا في بروج مشيَّدة، فلا يُدْرِكهم موت سياسي. من قبل (وَلْتَتَذكَّروا في هذا الصدد حمص وحماة) كان يكفي أنْ يُطْلِق "الجيش الداخلي" للحاكم النار على جَمْعٍ ثائرٍ من الشعب، فيَقْتُل (ويصيب بجراح) بضعة مواطنين حتى يدب الذُّعر والهلع في قلوب الثائرين جميعاً، فينفضُّوا ويتفرَّقوا، ويعود الشعب، من ثمَّ، لينعم بما تنعم به الأغنام في حظائرها من أمن واستقرار. أوَّل العلاج عند الحاكم كان الكي، فإغراق الجَمْع الثائر في بحرٍ من الدم (مَنْعَاً لكرة الثلج من أن تنمو وتكبر) كان هو الأمر والقرار؛ أمَّا ما زيَّن للحاكم "المجزرة"، سلاحاً في صراعه الدائم من أجل البقاء، وجَعَله يضرب صفحاً عن نصيحة نابليون له "إنَّك تستطيع فعل كل شيء بالحراب إلاَّ جلوسك عليها"، فكان "جدار الخوف (الشعبي)"، والعجز (الموضوعي) لعيون وآذان العالم عن الرؤية والسمع، وضآلة الاهتمام الديمقراطي والأخلاقي والإنساني للمجتمع الدولي بما ترتكبه أنظمة الحكم الاستبدادي والشمولي من جرائم في حقِّ شعوبها، والفساد السياسي والأخلاقي لقوى وأحزاب المعارَضة والتي أثبت بعضها أنَّه كان (وفي أوقات الضيق والشدة على وجه الخصوص) الوجه الآخر للحاكم الأوتوقراطي المستبد، الذي عَرَف كيف يجعل الحزب الحاكم حزباً للحاكم، وكيف يجعل الشعب (بسياسة ونهج "فَرِّق تَسُد") أفراداً، توصُّلاً إلى بقاء وإدامة حُكْم الفرد الذي جَعَل لسبِّه وشتمه عقوبة أشد بكثير من عقوبة سبِّ وشتم الذات الإلهية! شبابنا، وهُمْ (على ما أثبتوا وأكَّدوا في تونس ومصر على وجه الخصوص) خيرة شباب "القرية العالمية الكبرى"، فَكُّوا السِّحر، وفَتَكوا بالسَّحَرَة، وأتوا بما يقيم الدليل الحي والملموس على أنَّ للعولمة وجهاً ملائكياً أيضاً. لقد حطَّموا وكسَّروا جدار الخوف، فإطلاق الرصاص على صدورهم ما عاد في مقدوره منع كرة الثلج من أنْ تنمو وتكبر؛ واكتشفوا إذ كفُّوا عن السجود، ونهضوا، أنَّ قامتهم أعلى من قامة حكَّامهم، وأنَّ الطاغية أو الفرعون هو من خَلْق شعبٍ ارتضى معيشة الغنم نمط عيشٍ له، وخشيَ صعود الجبال فظلَّ يعيش في الحُفَر. شبابنا الثائر، كُلُّهم اليوم "إعلاميون عالميون"، نبذوا "الحديد والنار" سلاحاً، وتسلَّحوا بما هو أشدُّ فتكاً، ألا وهو "الموبايل (العظيم)"، يَبُّثون عَبْره إلى العالم أجمع، وبسرعة البرق، أنباء الثورة، بالصوت والصورة؛ ويجعلون "الجريمة"، بوقائعها ومرتكبيها، مرئيةً للعالم أجمع، مُنْهِين، وإلى الأبد، ذلك الزمن الذي مكَّن القاتِل من دفن الحقيقة مع القتيل، وفي جُثَّته. إنَّهم إعلاميون ثوريون جُدُد لحقبة إعلامية ثورية جديدة، اتَّسَعَت فيها الهوَّة بين الشعب وبين إعلاميي السلاطين الذين ديدنهم التزمير والتطبيل والندب والبكاء على الأطلال.. وحراسة النعوش والقبور والليل بالأقلام والألسن. لقد زمَّروا وطبَّلوا كثيراً فما رقص أحد، وندبوا كثيراً فما بكى أحد، واستنفدوا الجهد والوقت والمال من أجل "تسليع" مزيدٍ من الضمائر والذمم والأفكار، ولإرغام "رأس البوصلة" على تغيير اتِّجاهها الثابت، ولاستنبات أجنحة للحمير، لعلَّها تطير؛ لكنَّهم لم يحصدوا سوى الفشل، فتراكضهم بالرؤوس والأرْجُل وراء مصالح وهمية لم يَرْوِ للجمهور، الذي جاءوا لغسل عقله، سوى قصة حُكْم الأموات للأحياء! مأساة الصحافة التي يمثِّلون أنَّها نشأت وترعرعت في كنف "ساسة" يعتقدون أنَّ الله حباهم القدرة على جعل البشر يؤمنون بأنَّهم "رجال الحقيقة"، وقد أرْسِلوا لمحاربة "كائنات الوهم"؛ أمَّا هم، أي ذلك النمط من الصحافيين، فكانوا (وكيف لهم ألاَّ يكونوا) آذاناً صاغية، يُمْسِكون بأقلام مرتجفة، لا يخرج منها غير التسبيح، بكرة وأصيلا، بكل ما يجري على ألسنة أوليائهم، الذين لا شيء يستبدُّ بعقولهم الصغيرة سوى الرغبة في تفصيل البشر على قياس مصالحهم، وفي حَمْلِهم على الإتيان بكل ما تستحسنه وتستسيغه أهواؤهم ونزواتهم الشخصية. إعلاميونا الجُدُد أرادوا إعلاماً جديداً، رجاله ليسوا من نمط أولئك الذين تربوا في مزارع الدواجن، عيونهم لا تبصر، وآذانهم لا تسمع، وعقولهم لا تعقل، ظاهرها فكر، وباطنها ما مكانه غير الرأس. رجالٌ طلَّقوا الأفواه المُكمَّمة، والأقلام المكسَّرة، والفكر الرمادي المغترب عن الواقع النابض بالحياة.. وكفُّوا عن تسويق "المُعلَّبات الفكرية"، التي انتهت صلاحية استهلاكها منذ زمن طويل؛ وأرادوا صحافة تبثُّ الكلمة الحيَّة، تحلُّ "الحوار" محل "الإصغاء"، و"الكتابة" محل "الإملاء".. هل تحتاج أُمَّتنا إلى الثورة؟ أجل، تحتاج إليها؛ وإنَّنا لنَشْكُر الرئيس المخلوع حسني مبارك على تحريره لعقولنا من أوهام "الحكم الرشيد"، و"الإصلاح (السياسي والديمقراطي..)" الذي تهبه لشعوبنا أنظمة حكم أفسدها الدهر؛ فهذا المخلوع، وقبل أنْ يُخْلَع، أصرَّ على أنْ يُثبِت لنا، بالقول والفعل، أنَّ "الإصلاح" حديث خرافة يا أُم عمرو، وأنَّه لن يُخْلي المكان إلاَّ في الطريقة التي بفضلها وصل إليه وشغله زمناً طويلاً، فمن حَكَم بالقوَّة لا يذهب إلاَّ بالقوَّة. مُذْ جاء إلى الحكم، أي مُذْ اغتصبه اغتصاباً، والحاكم العربي يتوفَّر على تهيئة وإعداد شعبه للثورة عليه؛ فإنَّه، والحقُّ يقال، عَرَف كيف يهيِّئ للبركان أسباب الثورة والانفجار؛ أمَّا الفراغ القيادي الثوري، والذي أخَّر الثورة كثيراً، فملأه شباب "الفيس بوك"، الذين اجتمعوا، على مدار الساعة، وعلى كثرتهم، في مكان هو "النِّت" وشاشة الكمبيوتر، وتحاوروا، في حرِّية تامة، وعرفوا بعضهم بعضاً، وخطَّطوا، وقرَّروا، اتَّفقوا واختلفوا، وكأنَّهم في حزب، أو في ائتلاف من الأحزاب، فأمسكوا بزمام المبادرة، وامتلكوا عنصر المفاجأة. لماذا ثاروا، وقادوا شعوبهم إلى الثورة؟ عن هذا السؤال أجاب أحدهم قائلاً: يكفي أنْ أشعر أنَّني غير قادرٍ على أنْ أعبِّر بحرية تامة، وبلا خوف، عن كل ما في رأسي من أفكار وآراء، وعن كل ما في قلبي من مشاعر، حتى اكتشف أهمية وضرورة الثورة؛ فإنَّ كل حرِّية التعبير في عالمنا العربي لا تكفي كاتباً واحداً قرَّر أنْ يكشف للقرَّاء كل ما في رأسه من أفكار، وكل ما في قلبه من مشاعر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل