المحتوى الرئيسى

الحياة التي – في نموها – تشبه الموت ! بقلم:ندا أبو عسّاف

02/16 17:18

كل الأشياء تنمو ودليل نموها أن يكبر حجمها , أن يزيد عددها , إلا الحياة تنمو بالتناقص , ذلك التناقص الذي يرتبط بعدد يشمل حتى جزيئات الثواني وليس السنين فحسب , شيء لا يشبه بالضرورة العد التنازلي , بل ربما عد تصاعدي إلى حد معين و محدد في علم الغيب , حتى أن هذه النظرية لا تزعم أنه هناك تشابه بين نمو الأشياء ونمو الحياة , بل يبدو لي أمرا شخصيا تماما , وربما بعيدا عن الافتراض , وكذلك القول بأن النمو في الضرورة لا يعني أن الأشياء تكبر في حجمها أو في عددها كأن ترى بالعين أو تكون محسوسة , كل شيء ينمو بطريقة ما , حتى المشاعر , الأسرار, الأحداث , متأثرة بوجه ما بأسباب نمو الحياة الذي يفضي في النهاية إلى الموت . أنت نائم , يوقظك كل صباح رنين ساعة هاتفك , ساعة رنانة , أو ربما صوت زوجتك المهم أنك تستيقظ , والنوم يدعى " الميتة الصغرى " وقد استيقظت للتو من الموت لو تلاحظ هذا , هو روتينك اليومي قد يكون ممتع وقد تكون اعتدته فحسب , تغسل وجهك , ترتدي ثياب العمل , تجلس على المائدة تتناول إفطارك ليس شيئا جديدا أبدا , بل هناك شعور غامض بدأ ينمو , شعور جعلك تنظر إليك ففي ما مضى كنت طفلا أصبحت شابا وتزوجت وصرت أبا , لترى أن ذلك الابن أصبح له أخوه , كبروا دون أن تشعر , تفكر بأي عصر كنت تعيش ثم عدت فجأة لتكتشف أن عصرك يحمل لك مفاجآت , أنك زوج وأب لأبناء من خمسة عشر عاما تقريبا , وأن ابنك أصبح في طولك , لا شيء جديد سوى أنك اكتشفت أن نمو الحياة يسير نحو النهاية , تحدق في أبناءك في أي المراحل الدراسية هم , فتخذلك الكلمات وتتشكل استفهاما وتخرج رغما عنك فتسأل أصغرهم , شعور لن يشبه أي شعور آخر تلك الرعشة حين صوب أبناءك إليك نظرات التعجب , تنظر إلى زوجتك وقد أصبحت عجوز وانحنى ظهرها , تفكر في لو تناديها باسمها وحين تجيبك تقول لها " أنت طالق " تصرف مستعار لتعيد به الحياة إلى داخلك من خلال الزوبعة التي ستحدث من جراء هذا التصرف , وحين تجيبك تقول ببلاهة " تناولي إفطارك " , حتى حين تشعل سيجارك تفكر عن السبب الذي يجعلك تتحمل عناء إدخال هذا الدخان إلى رئتيك وإخراجه , أين المتعة في هذا ؟! فتضع إصبعك فوق اللهب بدلا من السيجارة للتأكد أنك تشعر بالألم , لا تعلم ماذا ستفعل باقي اليوم لتضبط مزاجك المتقلب ليس كالعادة , ستجعل سلوكك أكثر حدة اليوم مع صديقك الثرثار في العمل , لن تجامل مديرك أو تتملقه , قد يكون عليك أن تترك كل هذه الحياة التي بدأت تنتهي لتبدأ حياة جديدة في أبعد مكان باستطاعته أن يمنحك نمو حياة جديدة لا تسير نحو النهاية , ولكن ينقضي اليوم ونمو تلك الأفكار يقف عند حد معين وهو أنك رجل ناضج في مرحلة عمرية ما ويشبهك مليون رجل في العالم بدءا من جارك , تعود لحياتك التي كنت ترغب بأن توقف نموها في لحظة سئمت فيها سخرية نظرية النمو التنازلي لحياتك منك , ستنمو حياتك أكثر سترزق بأحفاد وستتمتع بكونك كذلك , ستمرض وستموت وستدفن في نفس المقبرة التي دفن فيها والدك وجدك من قبل , فلست الأول الذي طبقت عليه نظرية أن الحياة تنمو نحو الموت . أي عقل يمكنه رفض شمولية هذه النظرية ؟! أنت تفعل لأنك تظن أن المشاعر لا تنمو من الأساس , وتعلل أنك في حين كنت طفلا كنت تخاف الظلام ولم ينمو هذا الشعور معك في نموك , في حين أجيبك أنك لا زلت تخاف الظلام وأفعالك الآن تشبه إلى حد بعيد الأسلوب الصوفي في مغالاتك في تنظيم مشاعرك , في انغماسك المفرط في تحسين صورتك بحيث ترفض في داخلك أنك تخاف الظلام ليس لأنك أصبحت لا تخافه بل لأنك أصبحت في عمر يعطيك امتياز التحكم في مشاعرك وعدم إظهارها حتى لنفسك , بالأمس كنت تتنقل بين المحطات الإخبارية سرعان ما تحول المحطة حين تشاهد مشاهد مفزعة فتبحث عن فيلم كوميدي لتقنع نفسك أنك لا تكترث بما يحدث خارج محيطك من مآسي , في حين أنت كنت تحكم زمام مشاعرك ولم تفعل ما فعلت إلا لتمنعها من النمو فقط , كأن تمنع أشعة الشمس أو الماء عن نبتة أصبح نموها في فناءك يزعجك , ربما لم تقتنع ولكنك ستخرج الآن لمشوار ما , الإشارة خضراء وهناك طفل على أحد الجانبين يبيع بضاعة ما , وعلى الجانب الآخر امرأة تتسول , ينتظران أن تصبح الإشارة حمراء , وأنت تزيد من سرعتك ومن دعاءك الخفي أن تضل الإشارة خضراء , لست قاسيا بل لأنك ترفض أن ينمو هذا الشعور داخلك ولأنك تعرف أنك ستنهرهما, فأنت على يقين من أن بعض الأمور تحتاج تجربة واحدة فقط لتنمو بشكل مضاعف وأنت لا تريد لها ذلك . إن نظرية نمو الحياة قصة متعددة الأبطال , والشخصيات , والمشاهد أيضا , فنمو الحياة لا يعني بالضرورة أن أيامك تنتهي فقط , فأنت لم تقطع ورقة التقويم لليوم الماضي لتثبت هذا , هناك حياة يعيشها الآلاف نموها يشبه الموت من جميع نواحيها , فآخر ما يهتمون به هو أوراق التقويم , فلا تظن أن مساءك ساكنا ومساء جارك أيضا , فقد يكون صباحك غدا يحمل خبر وفاة أحد والديك , بينما جارك قد حصل على خبر ولادة حياة جديدة , لن أروي لك قصص تشبه قصص المربيات , بل يمكنك أن تجرب ما أجربه الآن , هدف لن أصل إليه إلا من خلالك فقد توقفت حياة ما عن النمو عندي فلا يتشرط بأن تكون تلك الحياة حياتي , في ليلة البارحة كنا نحلم بذات الحلم , كنت أرى والدتي في المنام وكنت ترى والدتك , الفرق أنني كنت أشعر بكل ثانية في الحلم , أشعر باحتضانها لي , وحين استيقظت كنت أذكر جيدا كل لحظة بتفاصيلها في الحلم حتى لون ثوبها لأنني أفتقدها في الواقع , بينما أنت ستستيقظ ولن تذكر سوى أنك رأيتها في المنام , لتخرج لها في الخارج وتقبلها قبلة لا تشبه تلك التي في المنام وتخبرها أنك رأيتها في المنام , وبعد كل هذا يصبح لديك اندفاعه جديدة تمنح حياتك طاقة أكبر للنمو دون أن تشعر بأن هناك أمور في مصيرها لتتوقف عن النمو , فاندفع لوالدتك الآن وأخبرها أنك حلمت بها وأنك لم تفعل هذا إلا لأنك تحبها , فمن شأن هذا أن يسلب شيء من طاقة الحياة ويوقفها عن النمو الذي يشبه الموت . هناك الكثير ممن ينذرون حياتهم لأجل أشياء يظنوها تسعدهم , والحياة تنمو ونموها في كل ثانية يؤكد أن لاشيء يستحق أن تنذر حياتك من أجله , فما الأعياد تلك التي صنعها البشر سوى صورة تقليدية لتطبيق هذا, فتبا للعمال الذين يعملون بجد في كل مرة تقسو عليهم الحياة فتكافئهم بعيد العمال , والأم التي تنجب للحياة أبناءها فتثيبها بعيد في آخر المطاف يجعلها تظل منسية حتى يعود مرة أخرى في نمو عام قادم , ذلك اليوم الذي لن يدخل نظرية "نمو الحياة الذي يشبه الموت" لأنه من الأساس دليل يثبت وجود هذه النظرية , ففي كل حقبة زمنية في نمو الحياة نقطة تقف فيها الحياة لتنظر إلى نفسها كيف أصبحت , لتبحث عن ملامح النمو فيها متمثلا في بؤس أفرادها , حبهم لها وإيمانهم الغبي بأنها تستمر , عدم إدراكهم أن الحياة دونهم لا تستمر , وهم الشيء الوحيد في هذه الحياة الذي يسير نحو نهاية محددة تشبه الموت , بل وهو الموت نفسه متنكرا بأنه الثلث الأخير للحياة , فلا أظن أن الحياة تستمر بل تنتهي . قد أكون أتفوه بكلام منمق بشكل يثير الرعب , ولكن هناك أمور لا تحتمل فكرة أن تظل مهملة خارج حيز التفكير , فمسألة النمو مسألة لا خيارات فيها ولكن هناك بدائل , فبعض الأشياء / الأمور , تستطيع أن تحد من نموها أو توقفه ولكنك لا تستطيع أن تعيدها كما كانت قبل النمو , فلن تسعد من لاشيء فالسعادة أمر ينمو بأسباب لن تستطيع التحكم في نموها ولكنك تستطيع أن تفعل هذا بأسبابها , فكيف ستبرر للناس أسباب سعادتك , أم أن هناك سبب نما فجأة واختفى فجأة , وإن كان لك يد في اختفاءه ولكنك لن تخفي سعادتك بأي شكل من الأشكال وإن كنت لا تستطيع التحكم في نموها وقد تختفي فجأة أو قد تزداد في النمو وكله يتعلق بالأسباب , في المقابل هناك أمر عاجز عن النمو ليس لأنه ليس قابل للنمو بل لأنك لا تملك أسباب نموه , كأن تقطع قدمك خلال حادث في مقر عملك فالتعويض الذي تقدمه لك الحكومة بالتأكيد لن يعمل على نمو قدم جديدة لك , ولن يفلح التعويض إلا أنه أمر كان نموه متوقفا على توقف نمو شيء آخر , هذا مثال فقط قد لا يتعلق بكون الأمر حدث فعلا أو يتعلق بأشياء محسوسة , فهناك أمور كثيرة نموها يكون متعلقا بتوقف نمو أمور أخرى , لتعود نظرية أن الحياة في نموها تشبه الموت للظهور مجددا باختلاف الأوضاع . ندا أبو عسّاف

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل