المحتوى الرئيسى

د. حلمي القاعود يكتب عن: تحولات المنافقين وغرفة جهنم!!

02/16 14:32

عقب سقوط النظام المصري البوليسي الفاشي، أخذ نفر من خدام هذا النظام يتبارون في هجائه وادعاء البطولة في مواجهته، ومحاولة الإيهام أنهم كانوا من وراء كثير من المواقف البطولية في الحزب والنظام والصحافة. ومشكلة هؤلاء، وأمثالهم في الصحافة والإعلام ومجالات الفن والثقافة والأحزاب الكرتونية التي صنعها النظام على عينه؛ أنهم يراهنون على مسح الذاكرة القومية، ونسيان الجمهور لتاريخهم المظلم، ومواقفهم الآثمة وحركتهم الانتهازية، ولكن الأمة لم تُصب بالزهايمر بعد، ولم تفقد قدرتها على التسجيل والتخزين. في صحف الصباح الحكومية التي صدرت عقب سقوط النظام البوليسي الإرهابي الفاشي (12/2/2011م)؛ كانت العناوين التي كُتِب بعضها بخط اليد الجميل الذي افتقدناه طويلاً؛ تتحدث عن سقوط النظام وقيام العهد الجديد، وفرحة الملايين والغناء على السمسمية، والرقص بالخيول ابتهاجًا بالنصر، وتقديم المتهمين في الفساد إلى القضاء ومنعهم من السفر، وتسهب بعض العناوين في الحديث عن العرس المصري الذي يحتفل بتحقيق التغيير وانتصار دماء الشهداء التي احتفل بها المصريون في ميدان الشهداء (التحرير سابقًا)، كما وصفت الثورة في 25 يناير بأنها أعظم ثورة في التاريخ، وأفاضوا في الكلام عن الاحتفالات الأسطورية في مصر، وانتصار الإرادة الشعبية، وقوات الشعب المسلحة التي تقول: أنا الشعب! هذه الصحف نفسها كانت قبل يوم واحد تصف الثوار بأنهم بلطجية، ومدفوعون من الخارج، وأن الذي يحركهم جهات أجنبية تجمع كل أعداء النظام بدءا من حماس وحزب الله؛ حتى إيران مرورًا بالقاعدة وطالبان، وتنقل هذه الصحف عن إعلاميين مأجورين أن الشباب الثائر يتحرك من خلال 50 دولارًا تدفع إلى كل فرد مع وجبة كنتاكي! وكثيرًا ما كانت هذه الصحف تتحدث عن حكمة الرئيس، ومعجزة الرئيس، وعظمة الرئيس، وتضحيات الرئيس من أجل شعبه لدرجة حرمانه من رائحة طشة الملوخية؟! (لم تذكر أبدًا أن شعب الرئيس كان يعامل معاملة الكلاب والحشرات في أقسام الشرطة والمعتقلات والسجون وطوابير الخبز والبوتاجاز ومكاتب المسئولين والفراعنة الصغار، وأن معظم هذا الشعب لا يجد قوت يومه، ويجلس عاطلاً على الرصيف، وإذا احتج فله الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع المستوردة من الكيان الصهيوني وأمريكا وألمانيا وفرنسا!). صحفي واحد حاول أن يكون وفيًّا للنظام البائد، فكتب لمقاله عنوانًا رجراجًا وركيكًا وغير دقيق (ليس للأصالة ثمن) ولم أفهم ماذا يريد هذا الذي يمدح سيده مذ تولى رئاسة التحرير، ويردح لخصومه منذ ذلك التاريخ؟ ماذا يقصد بالأصالة أولاً؟ وما معنى أنه ليس لها ثمن؟ في ختام اللحاف الذي كتبه بالبنط الكبير الأسود يقول: "وصحيح ليس للأصالة ثمن، ولكن للخسة أبخس الأثمان"، وهذه العبارة التي يحاول بها كما فهمت أن يشير إلى القيمة الغالية للأصالة والوفاء والأخلاق، فالرجل كان يحاول أن يبدو بطلاً في معمعة التحولات الكبرى لرفاقه، وكان يسعي للدفاع عن سيده الذي هوى، ولكن كلامه الركيك وخلطه العجيب بين مدح الثورة، ومدح النظام البائد جعله يبدو مثل البهلوان الذي يحاول أن يضحك الناس ويشد انتباههم وهو يقفز فوق الأسلاك الرفيعة، والناس تتمنى أن يمضي بلا متاعب وألا يسقط على الأرض! هذا النموذج من الباحثين عن رضا السادة الفراعنة، وخدمة فراعنة كل العصور، يجب أن يرحل مع أمثاله الذين جعلتهم السلطة الآفلة أقلامًا بلا وضوء، وأبواقًا غير طاهرة. لقد عاش هؤلاء دائمًا ومعهم بعض المنتفعين؛ تحت أقدام الفرعون الساقط، والذي قبله، وكانوا دائمًا يقومون بمهمات غير نبيلة، وإذا بهم فجأة يظهرون على الشاشات ليعلنوا استقالاتهم من حزب المنتفعين، ويدعون أنهم عارضوا واختلفوا ووقفوا ضد اتجاهات كانت سائدة في الحزب والسلطة والنظام! مع أنهم يعلمون جيدًا أن أصغر طفل في مصر يعرف أنهم منافقون!  أحدهم صفيق الوجه واللسان، لم يجد حرجًا في الإشادة بنفسه (؟!) مع أن الناس تعلم أنه نجح في الانتخابات عام 2005م؛ بالتزوير الفاضح، علنًا وعلى رءوس الأشهاد. ومن الطريف أن المذكور كان يعلل سكوته عند المواقف التي تتطلب الكلام؛ بأن القوم كانوا ينتقمون ممن يتكلم خارج المسموح، بفضحه من خلال سهرة هنا، أو لقاء هناك، كما حدث مع رجل أعمال وراقصة معروفة؟ ومعنى كلام صاحبنا أن النظام ينتقم ممن يتجاوز الحدود التي يحددها، والانتقام يكون بما يملكه من وسائل إدانة؛ قد تكون وثائق، أو تسجيلات، أو نحو ذلك مما يدين الشخص موضوع الإدانة، كما حدث مع رجل الأعمال المشار إليه وعلاقته بالراقصة إياها..المفارقة أن وسائط إعلامية نقلت عن وزير الداخلية السابق الذي أطلق ضباطه وجنوده وتنظيماته السرية على المتظاهرين، وقتل أكثر من ثلاثمائة شهيد، وجرح خمسة آلاف جريح، وتسبب في فقد خمسمائة شاب (في حكم الشهداء)، أنه تحدث عن غرفة في مبنى الاتحاد الاشتراكي أو الحزب الحاكم تسمى "غرفة جهنم"؛ كان يشرف عليها أمين الحزب السابق، وأمين السياسات شخصيًّا، وفيها الوثائق التي تستخدم عند اللزوم ضد من يتمرد على النظام أو بعض رموزه! ولا أدري بأي منطق يعيش نظام يفترض أنه يحترم القانون والدستور، ولكنه يتعامل بمنطق العصابات واللصوص، فيبحث عن الولاء والانضباط من خلال أسلوب رخيص لا يليق بدولة عرفت الحضارة قبل العالمين؛ فبدلاً من محاسبة المنحرفين، ومعاقبة المخطئين، وتطهير السلطة والنظام من الفاسدين، يتم إخضاعهم وتخويفهم بغرفة جهنم، التي تعني فضحهم على الملأ بما تحويه الغرفة من مستندات سرية ووثائق تتعلق بفضائحهم وسلوكهم الشخصي القبيح؟ كان الناس حين يرون أحدهم يقدم للمحاكمة فجأة وبدون مقدمات، ويتم الكشف عن فساده وجرائمه، يقولون: إنها شدة أذن فقط، لأنه تجرأ وأغضب الكبار! أليست هذه شريعة اللصوص ولو كانوا أصحاب مناصب ومنابر؟ إنه منهج المسئول الذي أدين عقب هزيمة يونيو 1967م، وكان يقوم بعمليات السيطرة على كبار المسئولين في مصر والعالم من خلال تصويرهم في أوضاع مخجلة غير لائقة، واستغلال بعض من يسمونهن بالفنانات في تلك العمليات المشينة، وقد اعترف بذلك صراحة في تحقيقات يتداولها الناس منذ عقود. إنه منهج الدولة الفاشية التي لا تعرف القانون ولا الإنسانية ولا الكرامة البشرية! وهو المنهج الذي سارت عليه الدولة الظالمة التي أسقطها الشعب المصري في الحادي عشر من فبراير 2011م.. لقد كانت هناك "غرف جهنم" كثيرة في لاظوغلي، تصنع وثائق ومستندات مزورة للشرفاء؛ وخاصة علماء الدين الربانيين الذين ينحازون إلى الشعب العربي المسلم، ويرفضون الطغيان والفرعنة، وكان الجلادون الفاشيون يقدمون، أو يوحون بهذه المستندات للصحفيين والكتاب العملاء، فيقوم هؤلاء بنشر تلك الوثائق المزورة، على أنها من جهدهم الصحفي والفكري، ولكنهم كانوا يبوءون بالفشل الذريع، ولا يصدقهم الناس، لأن ما يقولونه عن الشرفاء كذب مفضوح، تفضحه تناقضاته وخواؤه! تحولات المنافقين تفرض على الأمة اليوم أن تقيم نظامًا عادلاً، لا يعتمد على جهاز السافاك الدموي، ولا الضباط الدمويين الذين تجردوا من الإنسانية والرحمة، ولا عملائهم من الكتاب والمثقفين والصحفيين الذين حادوا الله ورسوله، وانحازوا لفرعون وهامان وجنودهما. نريد نظامًا حرًّا يقوم على أكتاف الشرفاء الأكفاء، وليس على ألسنة المنافقين ورجال كل العصور وكل الأنظمة، والله غالب على أمره، وهو المستعان. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل