المحتوى الرئيسى

د. توفيق الواعي يكتب: هل آن للديكتاتوريات في العالم الثالث أن تزول؟

02/16 13:10

(يبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون، أي عند انتهاك القانون وإلحاق الأذى بالآخرين)، (فالشرطي الذي يجاوز حدود سلطاته يتحول إلى لص أو قاطع طريق، كذلك كل من يتجاوز حدود السلطة المشروعة سواء أكان موظفًا رفيعًا أم وضيعًا، ملكًا أم وزيرًا، بل إن جرمه يكون أعظم إذا صدر عمن عظمت الأمانة التي عُهِدَ بها إليه..) من أقوال: (جون لوك). (إذا ذاق المرء قطعة من لحم الإنسان تحوَّل إلى ذئب!!)، (فمن يقتل الناس ظلمًا وعدوانًا، ويذوق بلسانه وفمه الدنسين دماء أهله ويشردهم ويقتلهم؛ ينتهي به الأمر أن يصبح وحشًا وطاغية وذئبًا) من أقوال: (أفلاطون).. مثل هذا الطاغية، أو الشخصية البهيمية، أو الحيوان الأكبر- كما يسميه أفلاطون- لن يصادق إلا رفقاء السوء، ولهذا لا ينبغي لنا أن ندهش عندما نجد أعوان الطاغية يمارسون مجموعة من الجرائم الكبيرة، كالسرقة، واغتصاب الأموال، وهتك الأعراض، وبيع الأحرار، وقتل الآمنين، وإذا كانوا يجيدون الحديث احترفوا الوشاية، وشهادة الزور أو الاتهام الكاذب للأبرياء، وأخذ الرشوة، وبيع الأسرار، وهذه الجرائم تعد قليلة وصغيرة بالنسبة للجرائم الفادحة التي يرتكبها الطغاة، وهذه الآثام كلها لا تكاد تكون شيئًا مذكورًا إذا ما قُورنت بما يجلبه الطاغية على الناس والدولة من بؤس ودمار وبلاء، كما يشير أفلاطون إلى أن هؤلاء الأعوان يمكن أن يخلقوا الطاغية، فيقول: إذا وجد في الدولة عدد كبير من هؤلاء النفعيين والمتسلقين ومن أتباعهم وشعروا بقوتهم، فإن هؤلاء- مستعينين بغباء الشعب- هم الذين يخلقون الطاغية. والتاريخ دائمًا يعيد نفسه ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140)، وقد حدثنا القرآن عن كثير من الطغاة وأعوانهم الذين استخفوا بالشعوب والأقوام: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾ (الزخرف)، حدثنا عن فرعون وغيره فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾ (القصص)، ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر). كما حذرنا من عواقبهم الوخيمة التي تحيق بهم فقال: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾ (إبراهيم). وقد أنار الإسلام التاريخ الإنساني وخلص البشرية من ظلم الطغاة والجبابرة، وجعل الركون إليهم هلاكًا وكفرًا، فقال: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113)﴾ (هود)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97)﴾ (النساء). ولكنه وبعد خمود الجذوة الإسلامية في ديار المسلمين وضياع المثل الإسلامي من العالم؛ استفادت نهضات، وارتكست أخرى، وخصوصًا في العالم الثالث الذي جاست خلاله عصابات من الديكتاتوريات ووحوش من الطغاة، أكلت الآمنين، وعاشت على دمائهم، وتألهت في مجتمعاتهم، وأسامت الناس صنوف العذاب أشكالاً وألوانًا، وأَنَّتْ الجماهير تحت وطأتهم أنين الاحتضار، وحشرجت من بأسهم وبغيهم حشرجة الموت، وما حظيت بشيء من الرحمة أو بلفتة من الرعاية، رغم أنهم البقرة الحلوب التي ينهبون حلابها، ويسرقون قوتها، ويطؤون ظهرها، ويلوكون أكبادها. والحقيقة.. أنني كلما قرأت عن الاستبداد والطغيان في القديم أو الحديث أجده يرتبط بعضه ببعض ويأخذ بعضه بِحُجز البعض الآخر، فصفحات الديكتاتورية القديمة هي هي ديكتاتورية العصر الحديث المتخلفة، ففي القديم حين يتحدث المظلوم والمكلوم عن الديكتاتور الذي تسلط عليه، وسامه سوء العذاب؛ يقول: الراعي الموكل بي قد أرسل قوى الشر عليَّ، أنا الذي لست عدوه، أعوانه لا يقولون فيَّ كلمة الحق، يقولون عن كلامي الصادق إنه كذب وزور، ولقد تآمر عليّ المخادع المرائي، وأنت يا إلهي (الحاكم) لا تحبط مسعاه بل تساعده، فأنا الحكيم، لماذا أقيد مع الجهلة، وأنا المدرك العاقل، لماذا أُحبَس مع المجرمين؟!، الطعام وفير في كل مكان، لكن طعامي الجوع، في اليوم الذي قسمت فيه الأنصبة على الناس كان نصيبي هو الألم والغباء، يا إلهي أريد أن أقف بين يديك، أريد أن أكلمك، وكلمتي أنين ونواح، وأريد أن أعرض عليك أمري، وأندب مرارة سبيلي، أريد أن أندب اضطراب حالي، عيناي تحدقان ولكن لا تبصران، أذناي مفتوحتان ولكن لا تسمعان، الوهن تَمَلَّك جسدي كله، والرعشة قضت على لحمي، قبض الشلل على ذراعي، والعجز على ركبتي، حتى نسيت الحركة قدماي، آلامي موجعة، وجرحي قاسٍ، المُعذِب لا يكف عن تعذيبي طوال النهار، ولا يتركني أستريح بالليل ولا للحظة واحدة، لقد انشقت عروقي، وتمزق جسدي، وأنا أقضي الليل كالثور في الروث، وأتمرغ في مضلاتي كالغنم، وأنا الآن كأن قبري ينتظرني، وأنا أعد جنازتي وقد توقف النواح عليَّ قبل أن أموت، لكنني أعلم اليوم الذي سيجيء فيه الفرج، إنني أراه، وذلك عندما تشرق شمس الحرية ويكلؤنا الله برحمته، وتكون انتفاضة الحياة السعيدة هذه الأنات القديمة من المقهورين. ألا ترى معي يا أخي أن هذا الألم هو نفسه الذي يعانيه الذين يرزحون تحت الديكتاتوريات الآن، وأن هذا العناء الذي تقاسيه الأفراد والشعوب هو هو نفسه، وأن الأمم المقهورة اليوم تمنِّي نفسها بانتفاضة، وتحلم بيوم الخلاص، كما كانت تتمناه الشعوب من قبل، ولقد رأت دول العالم الثالث هذه الأيام، وينظر العالم معها إلى تهاوي طاغية وسقوط ديكتاتور أذاق أمته الويل والثبور, بعد انتفاضة شعبه الذي رزح تحت الظلم كثيرًا؛ حيث كان هذا تحقيقًا لهذه الأحلام المكبوتة، وتخليصًا لهذه الشعوب المنكوبة، رغم أنه سرق أموال الشعب بما يقدره المحللون بأكثر من 70 مليارًا من الدولارات، والتي تكفي لسداد ديون بلاده التي أثقلها بها هذا الطاغية، فبعد 30 سنة عجاف طوال، أكلت من المشردين ما أكلت، وخلّفت من المآسي ما خلفت، ولكن الشعب اليوم في سعادة وفرح؛ لأن الحرية لا يعدلها شيء. ولكني أريد أن أقول: هل ما زالت ديكتاتوريات العالم الثالث اليوم تظن أنها مُخلدة أم أنها فهمت أن يومها آتٍ لا محالة؟ أظن أنها زائلة وعن قريب إن شاء الله.. وهل سيكون حكامنا الجدد أكثر ديكتاتورية، ولكن بلون جديد، وديمقراطية مزيفة؟ أقول: نعم، إذا أصبح الشعب نائمًا، والجهل سادرًا.. ونسأل الله ألا يكون ذلك.. آمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل