المحتوى الرئيسى

صلاح صبح يكتب: مبارك يتنحى.. والبورصة تصعد

02/16 00:17

خطاب قصير لم تتخطَ مدته نصف دقيقة، ولم تتجاوز كلماته الثلاثين، ألقاه بتأثر عمر سليمان، نائب الرئيس المصري السابق، ونزل برداً وسلاماً على أسواق المال العالمية، التي تلقفته بشوقٍ، وغيرت اتجاهها الهابط صوب الصعود، واستعادت خسائر سابقة تكبدتها، إثر تصاعد التوتر في مصر خلال يوم «جمعة الرحيل».الإثارة والسخونة وحالة القلق التي غلفت الأوضاع في مصر، مساء الجمعة الماضية، مع تدفق نحو 20 مليون مواطن إلى شوارع القاهرة والمدن الرئيسية، ومحاصرة مئات الألوف منهم لاثنين من القصور الرئاسية المحاطة بقوات الجيش، للمطالبة بوضع حد لحكم حسني مبارك، لم تكن غائبة عن أسواق المال العاملة في ذلك الوقت، خصوصاً الأمريكية والأوروبية، والتي تلقفت نبأ التنحي بفرحة تمت ترجمتها إلى صعود جماعي «فوري» للمؤشرات الرئيسية.. فرحة لا يضاهيها إلا تلك التي سرت بين المصريين في ذات اللحظة، بعدما تحقق واحد من أهم مطالب ثورتهم، فيما يمكن وصفه بـ«أهم وأكبر فرحة للمصريين في التاريخ المدون» .بالفعل كانت ليلة مثيرة، فبعد لحظات من إعلان التنحي، نقلت وكالات الأنباء أخباراً تقول، «اتجهت بورصة (وول ستريت) الأمريكية إلى الصعود، بعدما كانت قد افتتحت تداولاتها على هبوط، متأثرة بقلق المستثمرين حول الأوضاع في مصر، وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي»، إضافة إلى أنباء مماثلة عن بورصات لندن، وفرانكفورت، وباريس، وغيرها. وفي لحظة إعلان التنحي أيضا، انخفضت تكلفة التأمين على الدين السيادي المصري من العجز عن السداد، أو إعادة الهيكلة لمدة 5 سنوات، بمقدار 25 نقطة أساس، بعدما كانت قد لامست أعلى مستوى لها على الإطلاق.وكان الجنيه المصري «المعوم»، قد أظهر، قبل ذلك، ثباتاً في مواجهة العملات الدولية الرئيسية، وعلى رأسها الدولار، طوال أسبوع التعاملات الذي انتهى بالتنحي، بعدما كان تراجع بنسبة 1.3 بالمئة في مطلعه.بعد هذه المقدمة، أستطيع القول إنني لن أصاب بالدهشة إذا اتجهت البورصة المصرية، وعلى خلاف أغلب التوقعات، نحو الصعود فور استئناف التداولات فيها، ولا أرى مبرراً لتلكؤ الجهات المعنية في اتخاذ قرار بإعادتها إلى العمل، إلا إذا كانت لم تتمكن بعد من اتخاذ التدابير اللازمة لرصد وتجميد الأسهم المملوكة لرجال الأعمال والوزراء والمسؤولين السابقين المتهمين بالفساد، والذين كانوا من نجوم النظام السابق ورموزه».وعودة إلى الوراء، كانت الأسهم المصرية خسرت نحو 11 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال آخر جلستي عمل، وبعد يوم واحد من اندلاع الاحتجاجات في 25 يناير الماضي، قبل وقفها عن العمل تماماً، ثم تحديد أكثر من موعد لاحقا لاستئناف النشاط ثم العدول عنه، ولست هنا بصدد مناقشة ما إذا كان قرار الإرجاء صواباً أم خطأ، ولكن ما أود التركيز عليه؛ تلك الروح المساندة للاقتصاد المصري، التي سرت بين فئات عريضة من المصريين، الذين دعوا إلى ما يمكن تسميته «اكتتاب شعبي»، لدعم السوق، عبر مبادرة «ساهم ولو بـ100 جنيه لمساندة البورصة»، والتي تناشد كل مواطن بالقيام بضخ ما يستطيع من أموال في السوق، لتجنيبها أي انهيار محتمل، وبغض النظر عن إمكانية تنفيذ هذه المبادرة فور استئناف التعاملات من عدمه، لكنها تكشف عن انتعاش الوعي بكل شؤون البلاد بفعل الثورة، ولم يكن غريبا أن تنتشر دعوات عديدة في كل أوساط المصريين تقول «نجحت الثورة. انتهت المهمة الأساسية.. وعلينا الآن أن نبني بلدنا من جديد»، وتعزف هذه المبادرات على أكثر من وتر فمنها ما انطلق يدعو السياح إلى سرعة العودة إلى بلد الكنانة لأنها أصبحت أكثر آمانا من ذي قبل، ومنها من استهدف المصريين في الخارج وطالبهم بالعودة والمشاركة في إعادة بناء الوطن أو على الأقل زيادة تحويلاتهم المالية إليه، ومنها من دعا إلى تشكيل لجان تطوعية للعمل على استعادة أموال البلاد المنهوبة المقدرة بعشرات المليارات من الدولارات، ومنها من دعا إلى إطلاق حملة تبرعات دولية لجمع 100 مليار جنيه لـ«إعادة إعمار مصر».وتزامن كل ذلك مع مبادرات أخرى لمساندة فقراء الوطن والفئات الأكثر تضررا من الثمن الباهظ الذي دفعته البلاد على مدى 18 يوما تمسك فيها النظام السابق بأركان حكمه على غير رغبة أو هوى من الشعب، بالاضافة إلى مبادرات تنظيف الشوارع والميادين العامة، لدرجة دفعت محطة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية إلى القول، «إنها المرة الأولى التي نرى فيها شعباً يثور، ثم ينظف الشوارع بعد ذلك».قد يتهمني البعض بأنني مفرط في التفاؤل، أو مصاب بحالة من «الرومانسية الثورية»، بما يجعلني أغفل حقيقة الموقف، ولكن المعلومات المتواضعة المتوافرة لدى كاتب هذه السطور تؤكد أن مؤسسات مالية عالمية تجري حالياً عمليات إعادة هيكلة لاستثماراتها في أسواق المنطقة، بما يصب في اتجاه زيادة الوزن النسبي للبورصة المصرية في محفظة هذه المؤسسات، والسلوك نفسه يفكر فيه جدياً مستثمرون عرب كبار أفراد ومؤسسات، وهؤلاء يرون في سقوط النظام المصري السابق عاملاً إيجابياً ومحفزاً إلى ضخ مزيد من الاستثمارات «التائهة» الباحثة عن سوق بِكر، وآمنة لم تطلها تداعيات الأزمة المالية العالمية، ويقصدون بذلك مصر، بل لن أكون مبالغاً إذا نقلت توقعات مسؤول بارز في واحدة من أهم المؤسسات المالية الإماراتية، والتي ترجح تحقيق الاقتصاد المصري لمعدلات نمو تفوق 10 بالمئة سنوياً، على الأقل، فور إسقاط النظام، واستتباب الأمور، وبالمناسبة كان لقائي مع هذا المسؤول قبل يوم واحد من «جمعة التنحي».التحدي الأبرز لتحقيق هذه التوقعات المتفائلة هو الإمساك بروح الثورة داخل كل مصري، تلك الروح التي أوحت للمتظاهرين بالقيام بدور الشرطة في حراسة المباني العامة، والممتلكات الخاصة بعد الغياب المفاجئ والعمدي المثير للدهشة لقوات الأمن على مدى أيام طويلة، والروح نفسها التي دفعت قطاعات عريضة من شباب طالما اتُهِموا باللامبالاة وعدم الانتماء للوطن، إلى الانخراط في أعمال تطوعية مدهشة ومثيرة للإعجاب. تلك الروح التي أراهن عليها في مضاعفة الإنتاج والتصدي لأي مظاهر فساد أو رشوة أو محسوبية قد تضر بإقتصاد البلاد.. وهي نفس الروح المتفانية التي ستخلق جيلا جديدا من قيادات العمل العام الذين سيضعون مصلحة مصر ورفعتها أمام أعينهم دائما في أي قرار يتخذونه.. وهي نفس الروح التي سيتحلى بها كل موظف صغير أو كبير في موقعه، بما سيوفر على البلاد مليارات الدولارات المهدرة سنويا.وفيما يخص سوق المال، فإن الجهات الرقابية وإدارة البورصة، مطالبة أولاً بتطهير نفسها من الداخل، وثانياً بالضرب بيد من حديد واتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كل مظاهر الفساد في السوق، والتي تعد صورة مصغرة لما كان عليه الوضع في اقتصاد البلاد برمته، بما استنزف مواردها، وحَوَّلَ مجموعة من «الفهلوية» إلى أعضاء في نادي أثرياء العالم من دون وجه حق، إلا بسبب ارتباطهم غير المشروع بدوائر السلطة في النظام السابق، ولهذا حديث آخر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل