المحتوى الرئيسى

عودة الروح وعودة الوعي

02/15 23:19

تحفل‮ ‬ الصحف والفضائيات بالعديد من الكتابات والمداخلات‮ ‬الإحتفالية التي عادة ما تصاحب فترات التغيير الثورية وفيها‮ ‬يتحول كثيرون بالمخالفة لحقيقتهم إلي مناضلين تحتشد كتاباتهم وتصريحاتهم برسائل تؤكد أنهم مع الشباب وثورتهم،‮ ‬ونكتشف فجأة بحسب طرحهم أنهم كانوا ضحايا التضليل وربما التنكيل فأجبروا علي الممالأة بينما كان قلبهم مع الشعب والوطن،‮ ‬ويروج‮  ‬بعضهم أنه كان‮ ‬ينتقد النظام ورموزه في مواجهتهم خلف الأبواب المغلقة هكذا والأعجب قدرة البعض علي الإنقلاب علي نفسه بل وعلي ما كان‮ ‬يستميت في الدفاع عنه بقلب بارد المهم أن‮ ‬يحتفظ بموقعه وبريقه الذي كان‮.‬ومن‮ ‬يقرأ التاريخ ويوقعه علي الحاضر لا‮ ‬يستغرب هذا السلوك لكنه أيضاً‮ ‬يكتشف وجود أقلام محترمة كانت تسرب بين سطورها رسائل مغلفة تحمل أنين الشارع وتحذر من مغبة بقاء الوضع علي ما هو عليه،‮ ‬فضلاً‮ ‬عمن اختار المواجهة السافرة والواضحة ودفع الثمن‮ ‬غالياً‮ ‬من حريته وربما أمنه وتشويه سمعته والتقول عليه‮.. ‬علي أن انتفاضة شباب‮ ‬25‮ ‬يناير ستظل محل قراءة وتحليل ربما لعقود طويلة فهي توقيتاً‮ ‬وترتيباً‮ ‬وأثاراً‮ ‬ محتشدة بما‮ ‬يستحق الرصد والتحليل،‮ ‬لكن هذا‮ ‬يحتاج إلي بعض الوقت ريثما‮ ‬يهدأ‮ ‬غليان الماء في القدر،‮ ‬حتي تأتي القراءة ومن ثم التحليل أكثر موضوعية بعيداً‮ ‬عن الشعبوية والإنفعالية فتتوه العبر والدروس وسط تدافع المنتفعين والمتسلقين والمتربصين بها للقفز عليها واختطافها،‮ ‬أو نقع في شرك التفرغ‮ ‬لتصفية الحسابات وتفشي روح الإنتقام والشخصنة،‮ ‬فيكون‮ ‬غاية ما نحققه‮ ‬غياب اشخاص بعينهم واستبدالهم بأخرين فنعيد مرارة التجربة من جديد‮.    ‬كانت معجزة الشباب في خروجهم المبهر في‮ ‬25‮ ‬يناير هي إعادة الروح إلي الجسد المصري في لحظة فارقة تأكدت فيها أن القيم المصرية الأصيلة لم تمت وأن التواصل بين الأجيال قائم وممتد،‮ ‬وأن التحرك الشبابي لم‮ ‬يكن إبن لحظته أو منبت الصلة بكل التراكمات الجيلية السابقة عليه وأن ما زرعه الآباء لم‮ ‬يكن بغير ثمر وهو ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يتأكد لدي كل الأطياف وخاصة عند الشباب حتي لا‮ ‬يقعوا في براثن التيه والعجب،‮ ‬فالقادم أشد وطأة وأكثر عوزاً‮ ‬للعمل الجاد والمنظم والمدقق ولن نجني ثمار ثورة شباب‮ ‬25‮ ‬يناير إلا بتكامل وتكاتف الأمة المصرية علي امتداد الجغرافيا حتي أصغر قرية ونجع وبعمق التاريخ المتمثل في اجيالنا المختلفة المتواجدة علي الساحة‮.. ‬وفي ظني أن عودة الروح بحاجة الي عودة الوعي حتي لا تخفت قوة الدفع بفعل الزمن،‮ ‬وحتي ننتقل من مربع العاطفة التي بحكم طبيعتها تقبل التبدل والتغير إلي مربع العقل الذي‮ ‬يحكمه الفكر والمنطق والمصلحة الجمعية في قراءة متبصرة لأخطاء الماضي وخطايا‮ ‬غياب التخطيط والتنظيم وإقصاء المشاركة الشعبية الحقيقية،‮ ‬والتي انتجت قبلاً‮ ‬ عمداً‮ ‬أو تهاوناً‮ ‬ سيطرة بعض من القوي الظلامية علي ذهنية الشارع عبر التدثر بالدين لإنفاذ اجندتها السياسية في دغدغة العاطفة الدينية عند الغالبية التي لم تكن تدرك تحت وطأة القهر والفساد والتغييب المتعمد خطورة تلك الدعوات والتنظيمات،‮ ‬والتي مازالت تسعي وبإصرار للقفز علي ثورة الشباب واختطافها اعتماداً‮ ‬علي مغازلة العواطف الدينية‮.. ‬عودة الوعي‮ ‬يضع التغيير في مساره الصحيح باتجاه الدولة المدنية بمعناها الحقيقي وأطرها الصحيحة بغير مرجعيات طائفية أو ايديولوجيات عنصرية،‮ ‬تفرغها من مضمونها،‮ ‬فنجد انفسنا في حقيقة الأمر أمام دولة دينية وإن رفعت شعارات مدنية،‮ ‬وفي‮ ‬يقيني أن عودة الروح كان الجهاد الأصغر،‮ ‬بينما عودة الوعي هو الجهاد الأكبر والأكثر عرضة للإنتكاس لو استغرقتنا نشوة الاحتفاء والإكتفاء باجترار ما تحقق حتي الآن‮.‬عودة الوعي كفيلة بتحجيم الإنفجار وضبط هوجة المطالبات والاعتصامات الفئوية التي لم تستوعب حجم التغيير وآثاره السياسية ومن ثم الإجتماعية والإقتصادية‮.. ‬عودة الوعي كفيلة بكشف هول انهيار مؤسسات تشكيل الوجدان والفكر الجمعي‮ : ‬التعليم والإعلام والثقافة عبرعقود ممتدة خلت،‮ ‬ووضعها علي رأس قائمة التغيير كمدخل وحيد لتنمية حقيقية وإصلاح فاعل‮ ‬يعيد وضعنا علي خريطة الدول المتقدمة التي تاهت منا طويلاً‮ ‬بفعل التخريب المتعمد لمقومات الثقافة المصرية والحضارة المصرية‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل