المحتوى الرئيسى

> «اللعبة العادلة».. أمريكا تحاكم الأكاذيب الأمريكية

02/15 22:12

أسوأ قراءة للافلام السياسية الأمريكية أن يقال مثلاً إن هذا الفيلم يؤيد وجهة النظر العربية ويدعمها، ويقال إن ذاك الفيلم يعادي وجهة النظر العربية العادلة، والحقيقة أن الأفلام السياسية الأمريكية لا تعبر إلاّ عن وجهة النظر الأمريكية سواء الرسمية أو الشعبية، أي أن الذين دافعوا عن حرب فيتنام مثلا كانوا ينظرون لمصالح امريكا، والذين عارضوها بشدة، اتخذوا هذا الموقف لصالح أمريكا ولكن من زاوية أخري. هذه نقطة هامة جدا ومحورية في حديثنا عن فيلم «Fair game» أو اللعبة العادلة الذي اخرجه دوج ليمان، والذي اشترك فيه نجمنا الموهوب «خالد النبوي» في دور صغير، الفيلم أحد أهم وأفضل الأفلام السياسية التي شاهدتها خلال السنوات الأخيرة ببنائه المتماسك، وبرؤيته السياسية الواضحة، وبدمجه الذكي والاحترافي بين تفاصيل حكايتين، ولكننا - مرة أخري - أمام وجهة نظر أمريكية تعارض قرار التورط في حرب ضد العراق، ليس من أجل حفظ السلام العالمي ، ولا لأن العراق دولة عربية كانت صديقة، ولكن ببساطة، لأن التورط الأمريكي مبني علي أكاذيب كاملة، والكذب في الفيلم يتم علي أعلي المستويات وهو خطأ لا يغتفر، وبالتالي يصبح علي النظام أن يستعيد توازنه باستخدام آلية الاعلام، وعن طريق ضغط الرأي العام، لينتصر حزب الحقيقة علي حزب الأكاذيب، ويلقي المذنبون عقابهم الجنائي والسياسي. هذه هي القراءة الصحيحة لفيلم «اللعبة العادلة» وهو أمر لا يقلل أبدًا من شأن الفيلم، ولكني اكتب هذا الكلام للذين يقرأون الأفلام الأجنبية عمومًا وكأنها صنعت من وجهة نظر عربية، تلك هي المداخل الساذجة للقراءة السينمائية التي تنتهي بنا في النهاية إلي نتائج عجيبة، لا يعني ذلك أن اللعبة العادلة لا يخدم وجهة النظر العربية فيما يتعلق بمأساة حرب العراق، بالقطع هو يخدمها ويدعمها، ولكن الفارق كبير من أن يكون هذا الدعم من وجهة نظر عربية، وبين أن يكون من وجهة نظر امريكية تدافع عن قيم الجمهورية كالحق والعدالة والثواب والعقاب ورقابة الجماهير، ويتصادف أن يكون في هذا الدفاع ما يخدم وجهة النظر العربية حول الخطأ الإجرامي في قرار غزو العراق بحثًا عن وهم وأكذوبة اصبحت مهزلة اسمها «أسلحة الدمار الشامل». التحليل التالي سيشرح لك ما اردت قوله، ولكن لابد من الاشارة إلي نقطة هامة أخري، «اللعبة العادلة» فيلم سياسي ناضج تماما، والأفلام السياسية الناضجة تحتاج إلي ثلاثة شروط تتوافر إلي حد كبير في السينما الأمريكية: تدفق معلوماتي يشرح ويكشف الحقائق ويجعل الرأي قويًا ومقنعًا ومؤيدًا بالأدلة وخبرة احترافية تستطيع تحويل هذه المعلومات إلي أحداث درامية مشوقة وجذابة والا تحول الفيلم السياسي إلي مظاهرة كما يحدث عندنا مع الأسف، أما الشرط الثالث فهو حرية التعبير بحيث تجد الأفلام طريقها إلي النور كما أرادها أصحابها، وبدون أي مصادرات أو مضايقات رقابية، استفاد صناع اللعبة العادلة من هذه الشروط، وساهمت مواهبهم في انجاز سيناريو جيد للغاية كتبه «جيربوترورث» و«جون هنري بوترورث» استلهامًا من كتابين من تأليف بطلي الفيلم: السفير الأمريكي السابق جوزيف ويلسون الذي وضع كتابًا بعنوان «سياسات الحقيقة» وزوجته عميلة المخابرات المركزية السابقة «فاليري بلام» التي وضعت كتابًا بعنوان «لعبة عادلة، والكتابان يشرحان محور قضية الفيلم التي تقول ببساطة، إن غزو العراق بدعوي العثور علي أسلحة الدمار الشامل مجرد أكذوبة، وأن الإدارة الأمريكية كانت تعرف أنها أكذوبة، وخصوصًا تلك المعلومة التي تقول إن العراق استوردت 500 طن من اليورانيوم من دولة النيجر الإفريقية، من أجل صناعة أسلحة نووية كان من أبرز شواهدها استيراد أنابيب ضخمة وعملاقة! ما علاقة «جو» وزوجته «فاليري» بالحكاية؟ لقد استعانت المخابرات المركزية بـ«چو» ليسافر إلي النيجر التي خدم بها كسفير للتأكد من معلومة شحن اليورانيوم، أو ما يطلق عليه الكعكة الصفراء إلي العراق، واكتشف أن المعلومة كاذبة، وأبلغ المسئولين أنها كذلك، ولكنه فوجئ بالحرب اعتمادًا علي معلومة أثبت هو أنها كاذبة، فلما كتب في جريدة «نيويورك تايمز» مقالاً بعنوان «الأسلحة التي لم أعثر عليها» يفضح فيه ما حدث، انتقم البيت الأبيض منه بفضح اسم زوجته التي كانت عميلة للمخابرات المركزية مما يشكل خطرًا عليها، ومما يستوجب العقاب بالسجن ضد من أفشي اسم الجاسوسة، والكتابان يحكيان عما فعله «چو»، وعما فعله البيت الأبيض انتقامًا من زوجته، ومن خلال الحكايتين نتعرض للموقف ضد الحرب في العراق، لأنها القضية محور الخلاف. لدينا إذن سيناريو قوي يمكن تقسيمه إلي عدة أجزاء متماسكة تمامًا: فمن مقدمة سريعة لطرفي الصراع: الزوجة الجاسوسة «فاليري» (ناعومي واتس) التي نراها في مهمة عمل في «كوالالمبور»، وأركان الإدارة الأمريكية «بوش» الابن و«ديك تشيني» وهما يطلقان التصريحات بإعلان الحرب علي الإرهاب بكل شراسة، ثم ننطلق إلي جزء يتحدث عن جهود «فاليري» في التأكد من مدي خطورة البرنامج النووي العراقي، واستعانة أجهزة المخابرات بزوجها «چو» (شون بن) للسفر إلي النيجر ليكتشف أكذوبة أطنان اليورانيوم، ثم لا يتوقف جهد «فاليري» العميلة المتفوقة عند هذا الحد، بل إنها تبحث عن العلماء العراقيين الهاربين أو المقيمين في بغداد للتأكد من أسئلة محددة تنتهي إلي أن هذا البرنامج قد انتهي تمامًا في التسعينيات، ويخضع العراق منذ ذلك الحين إلي التفتيش والمراقبة، ومع ذلك تندلع الحرب، ويكتب «جو» مقاله ليتحول الصراع من البحث عن الحقيقة في العراق، إلي المواجهة مع البيت الأبيض الذي يقوم بتسريب اسم «فاليري» تنقلب حياة الأسرة الصغيرة رأسًا علي عقب، تتهم «فاليري» بالخيانة، ويُتهم زوجها بالكذب وبالبحث عن فرصة عمل في المخابرات بعد أن ترك عمله الدبلوماسي، وفي الجزء الأخير تستجمع الزوجة شجاعتها، وتساند زوجها، وتبدأ شهادتها أمام إحدي لجان الكونجرس التي تنتهي بإدانة الشخص المتورط من البيت الأبيض (سكوترليبي)، ويحكم عليه بالسجن لمدة عامين ونصف العام ويتدخل «بوش» الابن لتخفيفها، وينتصر المواطن الأمريكي الفرد الذي يعرف حقوقه علي البيت الأبيض التي نسمع في الحوار أنه يحكمه - في تلك الفترة - أقوي حُكَّام علي مدار التاريخ. كل التفصيلات توظف بذكاء لخدمة هذا البناء، وإيقاع سريع لاهث يحول الفيلم إلي ما يقترب من التحقيق التليفزيوني، كتابة للتواريخ والأماكن إذا لزم الأمر، انتقالات إلي عواصم كثيرة: كوالالمبور، القاهرة، عمّان، بغداد، واشنطن، كاميرا حرة منطلقة خاصة في العواصم الشرق أوسطية مما يعطي إحساسًا بالطابع التسجيلي، هناك تعاطف لا شك فيه مع محنة العراق، ولكن من وجهة نظر انتهاك رؤساء أمريكا ومسئوليها للقوانين الأمريكية، هناك رسم بارع لشخصيتين «چو» و«فاليري» اللذين - يقول الفيلم - أنهما خدما الوطن أكثر مما فعل «بوش» لقد ذهب «چو» إلي النيجر مُتطوِّعًا بدون أجر خدمة لوطنه، وكتب عن أكاذيب «بوش» لكي يعرف الشعب الحقيقة، وحاربت «فاليري» من أجل تجنيد العملاء طوال 18 عامًا، بل إننا نراها تحاول نقل العلماء. العراقيين في البرنامج النووي المتوقف إلي أمريكا، ليس من أجل عيونهم، ولا حماية لهم من تصفية المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، ولكن لأن نقلهم هو الوسيلة الوحيدة لكيلا يذهبوا إلي إيران أو باكستان، هناك أيضًا براعة في رسم المواجهة الأسرية بين «چو» وزوجته: الضعف الإنساني والخوف يُقدَّم بمنتهي السلاسة، مأزق الزوج بين واجبه في الدفاع عن وطنه والدفاع عن أسرته، حرمانه من زوجته التي لم يكن يعرف حتي أماكن مهماتها السريّة، الزوجة ومشاعر ضعفها أمام تهديدات البيت الأبيض، حياتها المزدوجة طوال الوقت كزوجة عادية لها صديقات لا يعرفن اسمها الحقيقي، ولا مهنتها الأصلية. العراق وعلماؤه حاضرون، ولكن الفيلم يدافع عن العراق من وجهة نظر القيم الجمهورية الأمريكية، بل والقيم الهوليوودية العامة مثل الدفاع عن الأسرة الصغيرة (العائلة)، والأسرة الكبيرة (الوطن)، يستشهد «چو» في جملة حوارية هامة بعبارة فرانكلين التي قال فيها: نظامنا جمهوري بقدر ما تدافعون عنه، ويقول «چو» في جملة أخري: «الديمقراطية ليست سهلة، القضية إذن ليست تعالوا ندافع عن العراق، ولكن تعالوا ندافع عن قيم الديمقراطية والشفافية التي انتهكها اليمين المتطرف والجمهوريون الذين ساعدتهم أحداث 11 سبتمبر علي انتهاك كل القوانين، ولكن النظام يستعيد مبادرته في النهاية - كما في فيلم «كل رجال الرئيس» - عبر وسيلتين هامتين: الإعلام والرأي العام، هنا فقط تعود اللعبة عادلة ومتوازنة، وهنا فقط يمكن أن ينتصر الفرد إذا تمسك بحقوقه. نحن إذن أمام فيلم قوي سياسيًا وفنيًا: «شون بن» في دور مؤثر أدّاه ببراعة خاصة في الجزء الثاني من الفيلم، نجح ببراعة أيضًا في التعبير عن عواطف الزوج وأفكار رجل السياسة الديمقراطي، «ناعومي واتس» تألقت كذلك في دور صعب - يجمع بين القوة والضعف، بين المرأة العاملة المحترفة والزوجة الضعيفة التي تحاول حماية زواجها وأسرتها، خالد النبوي قدم مشاهد قليلة جدا في دور «حَمَدْ العالم العراقي الذي تريد اخته زهرة الممثلة الإسرائيلية ليزار شارهي تهريبه من العراق بعد سقوط صدام دور عادي تماما لا يحتاج إلي موهبة خارقة، والشخصية نفسها لم نعرف مصيرها ولكن المشاركة في فيلم كبير مثل «اللعبة العادلة» يدعم خبرة الممثل ويوسع امامه فرصة الانتشار الممثل المصري هناء عبد الفتاح ظهر في مشاهد قصيرة اخري لعالم عراقي هرب متخفيا إلي القاهرة «هناء» ممثل راسخ وكبير وأدي مشهدًا جيدًا مع «ناعومي واتس كل العناصر تقريبا في مستواها الرفيع خصوصا التصوير والمونتاج الذي نجح في دمج المشاهد الوثائقية بذكاء، لتظهر في النهاية فاليري الحقيقية وهي تقدم شهادتها أمام الكونجرس، ولتقول للجميع - إنها خدمت بلادها بشرف في المخابرات، ولحسن الحظ أنها بهذه الخدمة، قدمت خدمة مماثلة لوجهة النظر العربية التي عارضت الحرب علي العراق لأسباب مختلفة. هذه - فيما أظن - القراءة العادلة لفيلم «اللعبة العادلة» بدون تقليل من أهميته وتميزه، وبدون طنطنة ساذجة لا تساندها الأدلة!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل