المحتوى الرئيسى

خالد محمد عبده : كلمة للمؤسسة الدينية في مصر

02/15 11:46

تشرّفتُ بالقرب من شيخ الأزهر أحمد الطيب وقتًا ليس بالطويل، وكانت سعادتي بالغة حين كنت بجوار شيخٍ واعٍ وصاحب رؤيا، لم يتوان لحظة في خدمة بلاده من خلال الرقيّ بالمؤسسة التي أوكلت إليه أعمالها،وقد شهد له القريب والبعيد بإنجازاته الملموسة ونزاهته،وعراقة أصله الطيّب ودوره وعائلته الكريمة في نشر الإسلام السمح والدعوة إلى العلم والوعي،فالسلوك عنده لا يوازي الدروشة والتهليل، بل علمٌ وعمل. فوجئت بالفعل من موقفه تجاه الثورة الحرّة الطاهرة، وقلت في نفسي -وأنا أعود ليلاً إلى بيتي بعد مغادرتي لمنطقة الثورة التي كان محيطها قلب العاصمة قبل أن تستقر في الميادين العامة في كافة المحافظات- ربما أنا لا زلت صغيرًا لا أفهم في فنون السياسة ولا كيف يتكلم أهل العلم والمناصب، ربما لو رأى الشيخُ صديقي الذي أصيب بالرصاص المطاطي أو ذلك الذي دُكّ صدره دكًّا من قبل “قوات شرطتنا المصرية الباسلة”أو ذلك الرجل الهرِم الذي دخلت أجزاؤه في عجلات المدرّعة لتغيّر موقفه، كنّا لا نزال في بداية ثورة التحرير، وكان الإعلام المصري يمارس الإعتام كعادته التي دأب عليها طيلة أعوام- حسب تقرير أهل الشأن الإعلام لا حسب رؤيتي فحسب – لكن كُشفت الأمور الجسام التي تكبّدها الثوّار يومًا بعد يومًا، وشيخنا الجليل كان لا يزال يسير مع الأجندة السياسية المطروحة من قِبل الحكومة ونائب الرئيس الذي ردد مصطلحات اعتدنا على خوائها من المعنى في سياقاتها، من مثل: (حوار، خارطة طريق) ، ويلتمس الكلّ العذر لعمر سليمان في ترجيع هذه المصطلحات التي اعتاد على إطلاقها، أو جرت في أحاديثه لأعوام نظرًا لدوره الذي كان مضطلعًا في مفاوضات السلام بين دولة فلسطين المُحتلّة وإسرائيل، لكن أن تنطلي ؛خُدعة؛ الحوار على الإمام الأكبر شيخ الأزهر، فقد كان هذا محزنًا لي ولكثيرٍ من محبيه، ذلك أنه ما انطلت عليه اللعب الخارجية حين أراد بابا روما أن يتدخل في الشأن المصري الداخلي حين ضرب كنيسة القديسين بالإسكندرية- التي يرى البعض أن وزير الداخلية المخلوع كان له دور رئيس في هذه التفجيرات – وشجب مولانا الإمام موقف بابا روما، بل وأجّل الحوار الإسلامي المسيحي بين الأزهر والكنيسة الكاثولكية إلى أجل غير مسمى، لم يكن في قراره هذا ليّنًا متهاونًا كما كان يفعل الشيخ الأسبق طنطاوي، وقد أشاد الكثيرون بموقفه الصريح غير الملتوي كما تعودوا، لكنه في ظل أحداثنا التي احتجنا منه الحزم والشدة وقف مع النظام المصري، ودعا إلى الحوار الذي كان مجرد فخٍّ، وربما انقسم مؤيدوه إلى قسمين: معه من أجل صالح البلاد، وضده لأنه بوصفهم كان مع النظام، لكن موقفه الذي أثار غضب الكثيرين ومنهم كاتب السطور أنه يوم تنحّي الرئيس المصري المخلوع صدر على لسانه فتوى تُحرّم الخروج، خاصة بعد تفويض الرئيس المخلوع نائبه بمهامه. انتظر الكثيرون موقفًا حازمًا يمثل تاريخ الأزهر القديم، يوم أن كان خطيب الثورة مسلمًا ومسيحيًا يقف في الجامع الأزهر يشحذ همم المصريين للثورة على الظلم وتطهير البلاد من مغتصبيها، كان الأزهر صاحب مواقف شجاعة في الثورات السابقة هل يملك أحدنا اليوم أن يتحدث عن هذه المواقف؟ لا أظن فمثل المتحدث عنها كمثل المتحدّث عن حضارة الإسلام في السابق وظلامية الغرب في وقت لا يصنع هو خبزه بيديه، هنا لن يكون للتراث قيمة ونحن نشهد ميلادًا جديدًا وعهدًا بكرًا غير ملوّث بنفاق سلطة أو مكبّلاً بأغلال بوليس. ربما كان موقف الشيخ الأكبر أخفّ وطأة على النفس الحرّة من موقف مفتي الديار المصرية الذي اعتبر الثوّار خارجين جاهلين ، وأن مصر محسودة والكل “متغاظ” منها، وأن الثوّار أصحاب فتنة يهرفون بما لا يعرفون، نعم اعتبرهم كذلك،واقتنع أتباعه بكلامه حتى أن أحدهم التقيته في الميدان يوم هروب الرئيس المخلوع، وسألته أنت مع علي جمعة أم ضد ما قاله؟ فقال أنا معه قلبًا وقالبًا،ورغم أنّي أقف في موقف القوّة تركته ولم أرد عليه، لأن الوقت ليس وقت جدال،وربما المسكين قد غُرّر به أو يخاف على وظيفته،لكن الحق يأبى إلا وأن يُعلن، ففي الإذاعة الحرّة بميدان التحرير أعلن محامي المفتي تنازله وتخلّيه عن وكالة الشيخ ، وإعلانه تنصّله من موقفه تجاه الثورة. لستُ في هذه الكلمة أودّ التشنيع على أحدٍ، أو انتهاز الفرصة لأن أنزل على شخوص لهم مكانتهم في القلوب المصرية بما لا يستحقّونه، بل إنّي أُسجّل موقفي من شخصية لا أزال أحترمها هي شخصية الشيخ الأكبر،وأسأله من خلال هذه الكلمة أن يُراجع موقفه فيما قاله،فإن استحق الموقف من خلال قناعته أن يعتذر عمّا قاله، فليعتذر بشجاعة،ليمسح قليلاً مما سيسجله تاريخ مصر له، وقد كان ولا يزال صاحب أكبر زعامة في العالم الإسلامي، وأقول له الشيخ القرضاوي بعدما كانت له من الأخطاء ما يترّقب الكثيرون أن تزيد وتتفاقم ليدينوه خرس الكلُّ الآن وأصبح الشيخ القرضاوي خير خلف للثائر الحرّ، لن ينسى التاريخ له خطبة جمعة الغضب. أما الشيخ علي جمعة مفتي الديار، والبابا شنودة بابا الإسكندرية و بطريرك الكرازة المرقسية، فبرأيي أن كلاهما قد خطّ آخر سطر في حياتهما العامة،وليكتب التاريخ ما لهم أو عليهم .باحث مصريمواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل