المحتوى الرئيسى

"الثورة الناقصة" هي الطريق إلى "الثورة المضادة"!بقلم: جواد البشيتي

02/15 00:17

"الثورة الناقصة" هي الطريق إلى "الثورة المضادة"! جواد البشيتي الثورة الناقصة، غير المكتملة، والتي تتوقَّف في منتصف الطريق، أو على بُعْد شبر من هدفها النهائي، أو نصرها النهائي، إنَّما هي ثورة تَحْفُر قبرها بيديها، وتُمهِّد، وتُقصِّر، الطريق إلى "الثورة المضادة"، التي من الوهم الخاص، والقاتل لصاحبه، أي للثورة المصرية، أنْ يُظَنَّ ويُعْتَقَد أنَّ قواها قد خارت وتلاشت ونفدت؛ فإنَّ لها (أي للثورة المضادة) الآن من قوَّة الدافع والحافز ما يشدِّد الحاجة إلى مزيدٍ من اليقظة الثورية، والتي يَجْتَمِع في أصحابها، أي الثوَّار والشعب، حرارة القلب وبرودة العقل. "الواقع"، بمعطياته وحقائقه الجديدة، المتغيِّرة في استمرار، والسريعة في تغيُّرها، والذي نشأ مع إعلان "تخلِّي" مبارك "عن منصب رئيس الجمهورية"، و"تكليفه" المجلس الأعلى للقوَّات المسلَّحة بـ "إدارة شؤون البلاد"، هو الآن، وكما هو دائماً، يؤثِّر تأثيراً مختلفاً في مشاعر الناس وتفكيرهم؛ وأحسب الآن أنَّ حرارة قلوب ومشاعر الشعب والثوَّار يجب ألاَّ تَحُول بينهم وبين برودة التفكير، والموضوعية في فهم هذا الواقع بوجهيه: واقع الثورة وواقع نظام الحكم. لشعب مصر، ولسائر الشعوب العربية، الحق في الفرح، وفي التعبير عنه كما يشاؤون، فإنَّها لحظة فرح احتبسوا طاقته في نفوسهم زمناً طويلاً، منتظِرين تحريرها على أحرٍّ من جَمْر؛ لكنَّ عليهم أنْ يحرسوا هذا الفرح الثوري بشيء من التخوُّف والقلق (الواقعيين) فالوردة تُحْمى وتُحْرَس بشوكها. وينبغي، على ما أرى، لبعضٍ من بيانات المجلس الأعلى للقوَّات المسلَّحة، أو لبعضٍ من مضامين تلك البيانات، أنْ يُسلِّح فرحهم بشيء من التخوُّف والقلق الواقعيين، وأنْ يشدِّد الحاجة لدى "مجلس أمناء الثورة"، ولدى قياداتها جميعاً، إلى أنْ يتوفَّروا على التفكير في موضوعية (لا تفسدها مشاعر الفرح) توصُّلاً إلى إجابة "أسئلة الساعة"، والتي في مقدَّمها: "ماذا نريد الآن؟"، و"ما هي الأولويات من ثمَّ؟"، أو "كيف نتوصَّل (أو يمكن أن نتوصَّل) إلى ما نريد؟". هذه ساعة ثورية، مصيرية، حاسمة، تَحْظر على الثوَّار وقادة الثورة إساءة الفهم والتقدير، وارتكاب الأخطاء، والمغالاة في حُسْن الظَّن، وفي إبداء النيِّات الحسنة، وتُلْزِمهم النأي بمواقفهم وأقوالهم وأفعالهم عن الثِّقة المُطْلَقة المجرَّدة العمياء؛ فإنَّ هذه الثِّقة، وبُحْكم صفاتها تلك، تأتي بالغَفْلة المؤدِّية حتماً إلى الهلاك. إنَّني لا أدعو إلى عدم الثِّقة بالمجلس الأعلى للقوَّات المسلَّحة، وإنْ اسْتَشْعَرت بأهمية وضرورة أنْ يأتي قول الثورة وفعلها، من الآن وصاعداً، بما يُظْهِر ويؤكِّد أنَّ ثقتها بالجيش، وبالجنود وصغار الضبَّاط، تفوق كثيراً، وكثيراً جدَّاً، ثقتها بهذا المجلس الذي لدى أعضائه من المصالح الشخصية، أو المشترَكة بينهم جميعاً، ومن قوَّة الدافع إلى الاحتفاظ بعلاقة قوية ووطيدة مع الولايات المتحدة، ما يُبرِّر الخوف من أنْ يكونوا، في سعيهم الخفي، قوَّة لإنقاذ نظام الحكم، ولو من خلال التضحية برأسه، وببعضٍ من كبار ممثِّليه. ما أدعو إليه فحسب إنَّما هو الموضوعية والواقعية في الثِّقة بهذا المجلس، وأنْ يتصرَّف الثوَّار بما يَحْمِل "المجلس الأعلى" على أنْ يتصرَّف بما يجعله يحظى بثقة الشعب والثورة؛ وإنَّ استمرار الضغط الشعبي الثوري هو وحده الذي من شأنه أنْ يجعل هذا المجلس يتصرَّف بما يجعله جديراً بثقة الشعب والثورة. إنَّ الشجر نعرفه من ثماره؛ وينبغي للثورة المصرية أنْ تَزِن ثقتها بـ "المجلس الأعلى" بموازين عدة، منها البيانات الصادرة عنه، والتي لأهميتها في سَبْر النيِّات لا بدَّ من أنْ تُفْهَم، معنىً ومبنىً، بمنأى عن المشاعر والعواطف الشعبية، وعن رغبة الشعب والثورة في الفرح، وفي التعبير عنه، وفي الاحتفال بالنصر، الذي تحقَّق، والذي يتحدَّى صُنَّاعه أنْ يحافظوا عليه؛ وليس من وسيلة للحفاظ عليه إلاَّ الاستمرار في الثورة، وفي الضغط الشعبي الثوري والمنظَّم قدر الإمكان. لقد تحدَّث "المجلس" في بياناته عن وقوفه إلى جانب "المطالب المشروعة" للشعب؛ وإنَّ أخشى ما أخشاه أنْ تتغيَّر الأحوال مستقبلاً، أو عمَّا قريب، بما يَحْمِل المجلس نفسه على أنْ يقول موضِّحاً إنَّ تلك العبارة تعني أنَّ للشعب مطالب بعضها مشروع، وبعضها غير مشروع؛ وإنَّ "المجلس"، من ثمَّ، يؤيِّد "المشروع" منها فحسب؛ وهذا "المشروع" لا بدَّ له من أنْ يتضاءل مع تضاؤل الضغط الشعبي الثوري، أو مع تحول المدِّ الثوري إلى جَزْرٍ لأسباب عدة منها (على ما أخشى) إفراط الشعب والثورة في الثِّقة بـ "المجلس الأعلى" للقوَّات المسلَّحة. "المجلس" أوْرد هذه العبارة في بياناته غير مرَّة؛ وكان يمكنه لو أراد أنْ يقول إنَّه "يؤيِّد مطالب الشعب التي هي مطالب مشروعة". "المجلس"، في بيانه الرابع، أعلن التزامه "كل ما ورد في بياناته (الثلاثة) السابقة"؛ وإنَّ كلمة "كل" لا تُطَمْئِن (وينبغي لها ألاَّ تُطَمْئِن) الشعب وثورته؛ فإنَّ المجلس، في بيانه الثاني، قال إنَّه يضمن إنهاء حالة الطوارئ "عند انتهاء الظروف الحالية"؛ فما هي تلك "الظروف الحالية" التي إذا لم تنتهِ لن يفي "المجلس" بعهده ذاك؟! عندما أُعْلِنَت "حالة الطوارئ" في مصر لم يَقُلْ مُعْلِنها، وهو نظام الحكم، إنَّها ستستمر إلى الأبد؛ ولقد ضمَّن بيان إعلانها عبارات تشبه كثيراً في معناها عبارة "إنهاء حالة الطوارئ عند انتهاء الظروف الحالية". "المجلس" يمكن أن يقول في معرض تبريره لاستمرار حالة الطوارئ إنَّ الشوارع والميادين ما زالت مسرحاً لعمل شعبي ثوري؛ فإذا أراد الشعب إنهاء حالة الطوارئ فإنَّ عليه أنْ يكفَّ عن النزول إلى الشوارع والميادين، وأنْ ينهي، من ثمَّ، ثورته بيديه، ويتخلَّى عن سلاحه الوحيد ألا وهو الاستمرار في الضغط الشعبي الثوري المنظَّم. ينبغي لـ "المجلس الأعلى"، قبل، ومن أجل، أنْ يرفع الشعب منسوب ثقته به، أنْ ينهي فوراً حالة الطوارئ؛ فإنَّ التزام "المجلس" استمرارها حتى "انتهاء الظروف الحالية" هو بحدِّ ذاته سبب وجيه لاقتناع الثوَّار بأهمية وضرورة الاستمرار في الثورة والضغط الشعبي. إنَّ الشعب لن يطمئِن، ولن يثق بـ "المجلس العسكري الأعلى" ثقةً مبرَّرة واقعياً، إلاَّ إذا سارع هذا المجلس إلى تلبية جملة من المطالب الأولية (غير القابلة للتأجيل) للثورة، في مقدَّمها: الإلغاء الفوري لحالة الطوارئ، مع الإفراج عن المعتقلين السياسيين جميعاً، وإلغاء الدستور (الذي قرَّر "المجلس" تعطيل العمل به فحسب) وتعديلاته، وحل كل ما "انْتُخِب" في العهد البائد من مجالس "تمثيلية"، وحل الحزب الحاكم، إذا ما جاز لنا أنْ نسمِّيه "حزباً"، ومصادرة كل أمواله الثابتة والمنقولة، وإعادتها إلى الشعب، وحل كل الأجهزة الأمنية التي أثبتت بالممارَسة (قبل سقوط حكم مبارك، وفي أثناء الثورة) أنَّها معادية للشعب، وإطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية، وحرِّية الإعلام وتداول المعلومات، وحرية التنظيم النقابي وتكوين منظمات المجتمع المدني، وحرية التنظيم لذوي المصالح الخاصة، وحرية التجمُّع والتظاهر والاعتصام والإضراب والاحتجاج..، وإلغاء كل المحاكم العسكرية وأشباهها. ومع تلبية هذه المطالب الأوَّلية تكتسب الفترة الانتقالية محتوى ديمقراطياً وثورياً؛ ولا بدَّ لهذه الفترة من أنْ تطول بما يكفي لتحرير المجتمع، وعياً وشعوراً وإرادةً، ولتمكينه من تنظيم نفسه؛ فالشعب ليس بمَصْدَرٍ للسلطات جميعاً فحسب؛ وإنَّما الحاكم لنفسه، مباشَرَةً، ومن خلال مجالس منتخَبَة وحكومة تمثيلية. ولا بدَّ للفترة الانتقالية من أنْ تَشْهَد وضع دستور (ديمقراطي عصري) جديد للبلاد، يُقرِّه الشعب في استفتاء، فتُجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفق هذا الدستور الجديد، أي وفق ما يشتمل عليه من قوانين انتخابية. وأحسب أنَّ نظام الانتخاب النسبي، الذي بموجبه تغدو البلاد دائرة انتخابية واحدة، هو الذي في مقدوره شحن المجتمع والنظام السياسي بأكبر قدر ممكن من الديمقراطية والحرية السياسية. وأحسب، أيضاً، أنَّ تركُّز السلطة التنفيذية في حكومة برلمانية (أي تؤلِّفها الغالبية البرلمانية الحزبية) وليس في رئاسة الجمهورية هو الذي يمكِّن الشعب من أن يكون (بالفعل، وبأكبر قدر ممكن) حاكم نفسه. "النظام الرئاسي" إنما هو شكل من أشكال عدة لنظام الحكم في العالم؛ أما في عالمنا العربي، وعلى ما أثبتت التجربة وأكَّدت، فكانت "حالة الطوارئ" هي شكل "نظام الحكم الرئاسي"؛ فالدستور يُكتب ويُقر ليُعطَّل العمل به على الفور، وكأنه حفل افتتاح لـ "حالة الطوارئ"، التي تستمر ما استمر الرئيس حاكماً، والذي يستمر حاكماً ما استمر على قيد الحياة. ليس مبارك الشخص، وإنَّما نظام (وخواص نظام) الحكم الرئاسي المعمول به في الدول العربية، هو ما جَعَل "سيادة الرئيس محمد حسني مبارك" فرعوناً، يَشْعُر (ويُشْعِرونه) أنَّه الأكبر والأعظم من مصر، وأنَّه الذي كان ولم تكن مصر، وأنَّه الباني الحقيقي لهرم خوفو، فإذا انتهى انتهت مصر؛ والعالم كله، وعلى رحبه واتِّساعه، يظلُّ أصغر من عالمه هو؛ ولقد نجحت الثورة المصرية في إدخاله التاريخ بصفة كونه آخر فراعنة مصر. نظام الحكم الرئاسي كان اللبوس الذي يلبسه الحكم الدكتاتوري الاستبدادي الأوتوقراطي الشمولي؛ ولقد حان له أنْ ينتهي، وإلى الأبد، فلا نظام حكم ديمقراطياً حقيقياً في عالمنا العربي إلاَّ الحكومة البرلمانية الحزبية المنتخبة، ولا انتخابات ديمقراطية حقيقية إلاَّ التي تُجْرى وفق نظام التمثيل النسبي، والذي بموجبه يغدو الوطن كله دائرة انتخابية واحدة كبيرة، فنتغلَّب على كل انتماء يُفْسِد الحياة الديمقراطية، منطقاً وواقعاً. الدستور، ومهما كان ديمقراطياً، أو ارتفع فيه منسوب الديمقراطية، في بنوده وفقراته، في نصِّه وروحه، وفي أسلوب وضعه وإقراره، لن يستنفد "الحرية"؛ لأنَّها غير قابلة للنفاد؛ أو لأنَّها، وعلى ما يقال، لا سقف لها إلاَّ السماء التي لا سقف يعلوها. وأحسب أنَّ الدستور الديمقراطي العصري يجب أنْ يتَّسِم بقدر كبير من "المرونة التاريخية"، فيخلو، من ثمَّ، من أيِّ قيدٍ على حرية الشعب في اختيار نُظُم حياته وعيشه كافَّة، فهذه النُّظُم (أو الطرائق) تشمل أيضاً الاقتصاد والاجتماع. ثورة أم إصلاح؟ من قبل، أي قبل الثورتين التونسية والمصرية، كان هذا السؤال وجيهاً، وكان، لجهة إجابته، مدار جدل وخلاف بين دعاة التغيير في العالم العربي. أمَّا الآن فانتفت الحاجة إلى السؤال نفسه؛ ويكفي دليلاً على ذلك أنْ نصوغ من تجربة الصراع بين نظام حكم حسني مبارك والثورة الشعبية السؤال الآتي: هل جاءت هذه التجربة بما يقيم الدليل على أنَّ إصلاح نظام حكم حسني مبارك لنفسه بنفسه كان أمراً ممكناً أو واقعياً؟ الجواب الذي لا ريب فيه الآن هو: "كلاَّ، لم يكن أمراً ممكناً أو واقعياً"؛ فإنَّ الوحشية التي أظهرها ومارسها نظام الحكم هذا هي خير دليل على أنَّ أنظمة الحكم الاستبدادي الأوتوقراطي في العالم العربي غير قابلة للإصلاح من داخلها؛ ولا بدَّ للشعوب، من ثمَّ، من أنْ تحرِّر عقولها من هذا الوهم، وتسير في طريق الثورتين التونسية والمصرية إذا ما أرادت ابتناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة من هدم الدولة البوليسية القمعية الإرهابية الاستبدادية الفاسدة المنفصلة عن الشعب بسياج من الحديد والنار.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل