المحتوى الرئيسى

حين يتحول الشعر إلى يد ترقص خارج جسدها بقلم:د. خيرالله محمد الدليمي

02/14 21:49

الشاعر الكبير محمد اللغافي. حين يتحول الشعر إلى يد ترقص خارج جسدها أخيراً اكتشفت حقيقة لم اعرفها خلال النصف القرن الأخير: أدب المشرق يتجاهل أدب المغرب، وأدب المغرب يكتبه أنبياء لا كرامة لأدبهم في وطنهم. وكانت صدفة عابرة أن أكتشف هذه الحقيقة. وبينما نتابع أحداث شعبنا العربي ونؤمن أنّ ما حدث في تونس ومصر هو ثورة، أتمنى لهذه الثورة أن تعيد تقييم ثوابتنا الثقافية أيضا لأنّ الثورة تغيير جذري للقيم والمواقف. تبدأ قصة هذا الاكتشاف إلى بداية عام 2011 : كنت في المغرب، أجالس صديقي عبد اللطيف مصباح، في مقهى الادارسة، التي تقع في حي شعبي في أحدى ضواحي مدينة الدار البيضاء. وبينما كنا منهمكين في الشأن السياسي والثقافي وواقع حال امتنا المتردي من محيطها إلى خليجها، وبما أن واقع الحال يشكل لنا قاسم مشترك، فقد جعلنا نصغي لبعضنا البعض إلى درجة كتمان النفس. وبينما أنتهز السيد عبد اللطيف مصباح لحظة قدوم النادل وهو يحمل لنا إبريق الشاي المغربي بزخرفته التي تعكس مجد المغرب وعراقته المتميّزة بين باقي الشعوب، وهو يعطّر النفوس برائحة النعناع البلدي، وإذا به يفتح حقيبته اليدوية ويستل منها، بتمهّلِ ملكيّ، كتيّب من الحجم الوسط، وقدّمهُ لي بصمت وتواضع، قائلا: - تفضل يا صديقي أبو الخير، هذه مجموعة شعرية لشاعر الفقراء والبؤساء. دهشت. لم أسمع بشاعر الفقراء ولم أعرف أنّ للبؤساء لسان حال ينطق بالشعر.. وهنا قام صديقي بتعريف الشاعر بكلّ ذوق مغربي وطيبة لا يعايشها المرء بمكان في الدنيا غير المغرب. - الشاعر العصامي محمد اللغافي. أملي أن ينال إعجابك. أمعنت النظر بدقة بغلاف المجموعة الذي احتوى على شيئين فقط: كلمة كرسي وهو أسم المجموعة. وصورة للمؤلف. خرج السيد عبد اللطيف مصباح، عن صمته قائلاً : - أخي أبو الخير، أن أبريق الشاي أصبح باردا وتحوّل إلى بيبسي كولا. أشرب الشاي يا أخي وحدثني ما الذي شد انتباهك طوال هذا الوقت وأنت فقط تتمعن بغلاف المجموعة قبل أن تفتح أيّ من صفحاته. رشفت رشفة طويلة من الشاي المغربي، حتى أنني شعرت أنّ صوتها قد أزعج مًنْ كان يجاورنا على الطاولة المقابلة. قلت : - يا صديقي، هل أنت تعرف الشاعر اللغافي جيداً وعن قرب؟ - نعم، نعم أعرفه نفساً ونبضاً. أخذ السيد عبد اللطيف مصباح يقدم لي رتوشاً عن حياة وواقع حال الشاعر العصامي محمد اللغافي. ولم ينتهي من كلامه حتى فتحت المجموعة أطالع أوّل قصيدة: كم يلزمنا من سلحفات كي نعبر المسافات الوقت حرج هذا المساء حتى طائر السنونو لم يعد في حاجة إلى لملمة حقائبه نزيف عارم دم يتدفق من بؤر الضوء والنساء كما الرجال، يتنفّسن نيكوتين العالم داخل السهرة طفل يجيد العزف التصق أصبعه الشاهد بزناد البندقية قلب هناك ينبض خارج جسده يد ترقص بعيدا عن جسدها توقف الكون عن الحركة. انقطع صوت زبائن المقهى. لم اسمع جهاز التلفزيون وصراخ برامجه. وقفت لحظة أمام نفسي: إنني أقرأ لشاعر كبير. وصور حداثية لا تلوك شعرنا القديم وقفا نبكي والخيل والليل والبيداء تعرفني. انه شاعر يتحدث مباشرة إلى القلب ويختصر المسافات لينقل ما يعنيه لا إلى العقول بل إلى نبضات القلب وشهوات الروح. فكأنّ الشاعر اللغافي واحد من أثنين. أمّا أنه لا ينتمي لعصرنا، أو نحن لا ننتمي إلى عصره. وهذا ما أثار في مكامني شوق شديد من أجل التعرف المباشر على شخص الشاعر العصامي محمد اللغافي. لكن أين وكيف، لذا قمت بتكليف السيد عبد اللطيف مصباح، في أن يعدّ لي لقاء مع اللغافي، حيث بات في داخلي شغف للقاء مرتقب. وظننت أنني سألتقي بشاعر له مكتب وأتباع وجوقة موسيقية. بعد مرور 48 ساعة أخبرني السيد عبد اللطيف أن موعد اللقاء بالشاعر اللغافي في مقهى الأدارسة نفسها التي اعتدنا الجلوس فيها، وهي مقهى تكاد أن تكون خاصة بالفقراء، والمكان تم تحديده هناك بناءً على رغبة اللغافي نفسه.، وكان لقاء تعارف وتمهيد للقاء أخر. بتأريخ 20/01/2011 كان لي لقاء آخر بالشاعر اللغافي في مقهى (المتعة) هذه المرّة، خلال جلستنا التي طالت حوالي ساعات، وأنا أمعن النظر المستدام بشخصية اللغافي، لدرجة أني لم أجد تشبيهاً لهذا الرجل أبلغ من القول أنهُ "جبل شامخ أكل التعرّي سفوحه، ليزداد شموخاً وتواضعاً وتفرداً"، فكل شيء في اللغافي يشكّل قصيدة: لباسه، حذائه، شعره، كلها قصائد كالصخر المتهاوي من سفوح الجبل، لكنها تتهاوى من غير أن تصل إلى الوادي.. حتى تعرّجات وجه اللغافي، وعمق غور خطوطها، قصيدة رومانية عن مجد تليد، بل خرائط تحمل تضاريس مجسّمة لزمن لا زال وقعهً يعصف بقسوة بشريحة اجتماعيه محددة: أنه لها يحدو كحداء البدو، و يشجوا كقارئ الآيات ويؤذّن لها شعراً مقهورا مما تيسّر من اللغافيات. كنت أحادثهُ وأملي على ذاكرتي أن تسجّل : الاسم: محمد اللغافي تاريخ الازدياد: عام 1960 المكان: الدار البيضاء، المغرب التحصيل الدراسي: ابتدائي المهنة: اسكافي ( مصلح أحذية ) الحالة الزوجية: متزوج وأب لثلاثة أطفال النشاط: رئيس جمعية المبدعين المغاربة الإصدارات: ثمانية دواوين، وديوان جديد تحت الطباعة بعنوان "ليسقط شقياً"، وقصائد عديدة لم يضمّها لدواوينه، من أبرزها قصيدة بعنوان "بغداد". المهنة: إسكافي ( مصلح ) أحذية. مستأجر لدكان صغير من الصفيح في سوق سيدي مومن القديم. السكن : أفي كوخ من الصفيح، لا يحميني وأسرتي من برد الشتاء ولا من حر الصيف. ملكيتي: مطرقة، سندان، وبضعة مسامير، و ورقة وقلم. السيرة الحياتية: باختصار: "لم اخطط أن أكون شاعر، ولا أن أكون اسكافي. كلاهما التصقا بي من دون أذن أو استشارة." وأتابع بسؤاله: بصفتك لم تتجاوز المرحلة الابتدائية من التعليم، والشعر لغة واللغة شعر، كيف لك أن تبحر في عالم الشعر وأنت تعيش ما بين شعراء مغاربة لهم باع طويل في مفردات اللغة العربية؟ ألا تجد صعوبات؟ اللغافي: أنا أفخر بكوني اسكافي، وأعتزّ بكوني شاعراً. يوجد كثير من فحول الشعر العربي أما أمّيين تماماً، أو شبة أمين، فالشاعر امرئ ألقيس كان أمّياً، وكذلك حال حسان بن ثابت والصعاليك وعنترة وغيرهم. ألا كان العملاق محمد الماغوط منارة ودرة تاج المثقفين العرب، علماً أن هذا العملاق لم يجتاز الصف الرابع الابتدائي. وأسأله: سمعت بأنك ملقب بالشاعر العصامي ؟ اللغافي: أنا أسكن في منطقة جلّ بيوتها من الصفيح. بالكاد يستطيع الإنسان أن يمدّ قامتهُ واقفا. ويبلغ تعداد سكان الحيّ الذي اسكنه ربما أكثر من تعداد سكان دولة. وفي هذه المنطقة التي اسمها سيدي مومن القديم أطلق عليّ ساكنيه قبل غيرهم لقب الشاعر العصامي أعترض: عفواً سيدي الشاعر، لقد سمعت من غيرك، أن سبب حصولك على لقب عصامي كان لأسباب منها انك تتصف بالأمانة والصدق، والعفة، والزهد في هذه الدنيا، ولك حضور دائم في أفراح الناس وأتراحهم، لطيف حتى الدماثة، لا تضحك ألا من القلب، ولا تبكي ألا من القلب، أنت تعيش حالة من الانحياز الدائم لأبناء طبقتك، لذا لقبوك الفقراء قبل غيرهم بلقب العصامي. فسألته: هل يعطيك شعرك رافداً مالياً؟ اللغافي: لم يدخلني من جراء الشعر ولا درهم واحد. أسأله: أن كثير من الشعراء قتلتهم أشعارهم. هل مورس بحقك من جراء أشعارك شيء من الضغوط أو ما شابة ذلك؟ اللغافي: نعم واكتفي بكلمة نعم. د. خيرالله محمد الدليمي المملكة النرويجية أوسلو smssajer@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل