المحتوى الرئيسى

الأدب الشعبي بهتافات ميدان التحرير

02/13 22:14

الشعارات والهتافات كانت وسيلة حارب بها الثوريون نظام مبارك (الجزيرة نت)عدي جوني هل يمكن تصنيف الهتافات التي ظلت تتردد في ميدان التحرير في القاهرة وفي المدن المصرية الأخرى أثناء المظاهرات الضخمة المطالبة بإسقاط النظام في دائرة الأدب الشعبي؟أولا وقبل كل شيء، هناك نوع من الاتفاق العام على أن الأدب الشعبي هو فنُّ القول الذي تنتجه جماعة شعبية يتناقل بالمشافهة من جيل إلى آخر بوصفه ذخيرة مشتركة وأحد التعبيرات الفنية التي تدخل في إطار تشكيل أو إعادة تشكيل التراث، فضلا عن كونه تعبيرا عن الشعور الجمعي لمجموعة ما في نطاقها الثقافي المرتبط بعامل الجغرافيا والتاريخ.لكن بعض الآراء ترى أنه من غير الممكن لهذا الفن أن يعتبر أدبا إلا إذا اتسم بمعايير وقوالب فنية وأشكال تقبلها الذائقة الشعبية، وبالتالي يخضع هذا التصنيف لسلطة ورقابة المجتمع على بعض أشكال ومضامين هذا الأدب رفضا وقبولا. مع الإشارة إلى أن التحولات الاجتماعية تغير هذه المعايير من فترة لأخرى إما بحكم عامل التطور التاريخي التدريجي المرتبط بارتقاء مستوى التعليم وشموله أفقيا لأكبر مساحة من الشرائح الاجتماعية الداخلة في تركيبة المجتمع نفسه، أو بحكم التغييرات المفاجئة التي تشكل انقلابا جذريا على المفاهيم والأنماط السائدة كما هو الحال في زمن الثورات.  "لا تكاد مدرسة أدبية واحدة تتجاهل التراث الشفوي المتناقل عبر الأجيال بل حتى إن بعض المدارس الأدبية نسبت لهذا الفن غير الموثق نصًّا الفضل في ترسيخ أشكال فنية معينة ومنها المدرسة الرومانسية الأوروبية "مخزون حيوبغض النظر عن القبول بهذا التعريف الأكاديمي لمفهوم الأدب الشعبي، تبقى المأثورات والأمثال الشعبية والنكتة مخزونا حيا يعطي لهذا الشكل التعبيري -إن قبلنا مبدئيا بعدم اعتباره أدبا قياسا على التعريف التقليدي للأدب- مناخا تعبيريا وجماليا لم تستطع أشد النظريات والدراسات الأدبية التقليدية صرامة تجاهله. إذ لا تكاد مدرسة أدبية واحدة تتجاهل التراث الشفوي المتناقل عبر الأجيال بل حتى إن بعض المدارس الأدبية نسبت لهذا الفن غير الموثق نصًّا الفضل في ترسيخ أشكال فنية معينة ومنها المدرسة الرومانسية الأوروبية التي أعطت للشعراء الجائلين الإسبان (التروبادور) الفضل في تأسيس وترسيخ غنائية الشعر الرومانسي.ولا يختلف الأمر مع الموشحات الأندلسية التي هي قصائد خرجت في العديد من أشكالها عن المألوف في الشعر العربي الموروث منذ عصر الجاهلية.لكن قد يعترض قائل هنا بأن شعراء التروبادور والموشحات الأندلسية أنتجوا نتاجا أدبيا يتسم بالمعايير والشروط الفنية التي وضعتها مؤسسة الأدب النخبوي وبالتالي لا يجوز قياسه على أنه معيار يؤكد مفهوم الأدب الشعبي، وهذا بدوره يقود إلى سؤال عن الشروط الفنية للأدب ومدى قابلية استقطاب نوع فني معين في إطار الاعتراف الشرعي للمؤسسة الأدبية المتعارف عليها.وفي الرد على هذا السؤال، أجد أنه من الأفضل العودة إلى الناقد الأدبي الروسي ميخائيل باختين (1895-1975) أحد منظري الشكلانية الروسية في الأدب والذي تحدث في العديد من دراساته عن مفهوم الكرنفالية وتحديدا في كتابيه "شعرية دوستويفسكي" 1929 و"ربالييه وعالمه" 1965.في هذين الكتابين يشير باختين في تعريفه لمفهوم الكرنفالية إلى نوع من النشاط الذي يجري في المواسم الاحتفالية في الثقافة الشعبية والتي تنقلب فيها التراتبية الهرمية للمجتمع وسلوكياته رأسا على عقب، وتخضع المسلمات والحقائق الاجتماعية للمحاكمة وتسمح للأصوات المقهورة بالعلو والبروز. وانطلاقا من هذا التعريف ربط العديد من النقاد مفهوم باختين عن الكرنفالية بنمط أدبي يكسر القيود التي يفرضها الأسلوب السائد المهيمن وذلك إما في إطار مناخ من المرح أو من الفوضى.  العنوان الأبرز لثورة 25 يناير: الشعب يريد إسقاط النظام (الجزيرة-أرشيف)أدب شعبيوانطلاقا من هذه المقدمة النظرية، يطرح السؤال مرة أخرى عن إمكانية اعتبار الهتافات التي رددها المتظاهرون في ميدان التحرير على سبيل المثال لا الحصر جزءا من الأدب الشعبي، ولماذا؟إن أي نتاج فكري إبداعي يعتبر تعبيرا عن ظاهرة أو حالة، أما مسألة تصنيفه فنيا فتعود لشروط ومعايير أخرى تطورت عبر تطور أشكال التعبير نفسها، وهنا لا مفر من الاعتراف بأن الشعر الشعبي موجود ومتداول كما هو الحال مع العبارات المأثورة والأقوال والأهازيج الشعبية التي تقف -كما يقول باختين- بين الأدب كمنظومة ذات تقاليد فنية محددة فقط وبين الثقافة كآلية تجمع الاثنين في إطار المشترك الإنساني العام.وبالتالي ما جرى في ميدان التحرير من هتافات سمعناها عبر شاشات التلفزيون يمكن أن تصنف في دائرة الأدب الشعبي، أولا لأنها تبقى نصا أدبيا محكوما بتعريف الأدب بوصفه منتجا لغويا تعبيريا يستند على عدة عناصر نجدها في الأشكال الأدبية المعروفة مثل الشعر، وتعبيرا شعبيا كونه يعبر عن موقف جمعي في إطار الكرنفالية التي تحدث عنها باختين.ومن يعود إلى العديد من الهتافات التي رددت في ميدان التحرير وخاصة تلك التي تجاوزت حدود التعابير الخطابية المباشرة إلى الصورة البلاغية والمجاز -على رغم من بساطتها- يرى أن هذه التعابير يمكن أن تدخل في تفاصيل الشكل الأدبي.فاستعمال المجاز والدلالة الإيحائية صفتان موجودتان في الأدب على تنوع أشكاله وقوالبه الفنية، والعديد من الهتافات حملت الصفتين معا لتعبر بشكل جمالي يستقطب الذائقة السمعية بشكل تصبح معه راسخة في الذهن كتعبير جمالي.  "بعض الهتافات أخذت شكلا غنائيا مستساغا ومقبولا سهل الحفظ والترداد مثل: إلحقوها إلحقوها السوايسه ولعوها. ومن يتمعن في هذا الهتاف يدرك أنه يتبع نمطا وزنيا وإيقاعا سليما على مجزوء الرمل "إشارات مختزلةيضاف إلى ذلك الخصائص الأسلوبية لنصوص الأدب الشعبي مثل شيوع التكرار، والميل إلى تحوير الكلمات واللعب بها، والاستقلال النسبي لوحدات هيكلها البنائي، واعتماد منطق التصوير الفني فيه مراوحة بين الإلماح والتفصيل، والارتكاز على الإشارات المختزلة سواء إلى التصورات المرجعية أو إلى المظاهر الواقعية.على سبيل المثال لا الحصر من بعض الهتافات التي رددت في ميدان التحرير مثلا: - يا جمال قول لخديجة جوزك (زوجك) خلانا على الحديده. طبعا المقصود هنا نجل الرئيس المتنحي حسني مبارك جمال وزوجته خديجة فيما تقف كلمة "الحديده" بوصفها دلالة مرجعية لصورة الفقر والإفلاس وضيق ذات اليد.- يا مبارك بسرعة اتنحى أنا عاوز استحمى. جملة موجزة مختصرة ومباشرة تدل على ضيق المتظاهرين من عناد مبارك (قبل تنحيه طبعا) ورفضه مطالب الشعب، مع الإشارة إلى أن هذه الهتافات رددت في اليوم السادس عشر من المظاهرات لتعطي معنى أن المتظاهر يعبر عن فترة اعتصامه الطويل في الميدان الذي منعه من العودة إلى المنزل والاستحمام. يضاف إلى ذلك أن بعض الهتافات أخذت شكلا غنائيا مستساغا ومقبولا سهل الحفظ والترداد، منها على سبيل المثال الهتاف الذي تردد مع بداية الاحتجاجات في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011 عندما انتقلت المظاهرات إلى السويس التي اشتبك متظاهروها مع قوات الأمن: - إلحقوها إلحقوها السوايسه ولعوها. ومن يتمعن في هذا الهتاف يدرك على الفور أنه يتبع نمطا وزنيا وإيقاعا سليما على مجزوء الرمل "فاعلاتن فاعلاتن" إلى جانب القافية المكررة "ها". غنائية ساخرة هذا الهتاف بإيقاعه الجميل يذكرني بمقطع شعري قاله الشاعر الشعبي المصري الكبير أحمد فؤاد نجم بعد توقيع الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل، حيث علق على ذلك الحدث بعفوية مفاجئة "الله أكبر الريس حقق أكبر نصر رجع سينا وضيّع مصر"، وطبعا الإيقاع والوزن هنا لا يستقيمان لدى المتلقي بشكل صحيح إلا إذا كان عارفا باللهجة المصرية.وليس غريبا أن يكون لهذه الهتافات هذا الشكل الفني المتميز والتلقائي العفوي الساخر نظرا لطبيعة الشعب المصري المحب للنكتة أولا، وثانيا وجود مخزون هائل من الأغنية الشعبية التي تنطق بحال المواطن العادي البسيط، وليس أدل على ذلك الأغنية التي وضعها سيد درويش عن اليوناني المصري الذي يقول نادبا تغير حاله في المطلع:  محسوبكم داس صبح محتاسمسحت الكرسي يا ناسمافيش فلوس مافيش ملحوس فلستو خلاص بيد أن الأدب الشعبي الموروث عبر المشافهة والذي عادة ما تضيع نصوصه بفعل عامل الزمن، يتحول هنا مع هتافات ميدان التحرير إلى نص تاريخي موثق بفضل وسائل الإعلام والاتصال المتطور وشبكات الإنترنت، لذلك لا أستغرب أن تكون هذه الهتافات في يوم ما موضوعا رئيسيا لأغنية أو عمل فني يدخل هذه الهتافات إلى عالم الضوء باعتبارها جاءت في سياق تاريخي وتحول سياسي وثقافي هام في المجتمع المصري.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل