المحتوى الرئيسى

وانفجر الدمل بقلم :برهان السعدي

02/13 00:32

وانفجر الدمل بقلم: برهان السعدي عاش الشارع العربي عامة والشارع الفلسطيني بشكل خاص حالة من الترقب والقلق والانتظار، منذ الخامس والعشرين من يناير الماضي، وانقسم الشارع المصري، كما انقسم غيره بين العواطف والعقول، وحسم الشارع المصري أمره، وتنحى الرئيس المصري، وتحولت الجماهير المحتجة إلى جماهير محتفلة، وعاشت نشوة الانتصار. والسؤال، هل كان لجماهير المحتجين في 25|1 الماضي هدف واضح ومحدد ؟؟ هل كان الهدف الإطاحة بشخص مبارك ؟؟ أم الإطاحة بمجمل النظام المصري ؟؟ أم كانت هبة جماهيرية تطمح إلى تغييرات ديمقراطية غير واضحة المعالم ؟؟ وهل كان لهذه الهبة العاطفية برنامج وأدوات عمل، وهل امتلكت استراتيجيات وتكتيكات، تساعدها في تحديد الممكن ما بين الحد الأدنى والحد الأقصى في حلبة الميدان السياسي. وهل كانت جماهير ميدان التحرير تستمع إلى خطاب مبارك وإجراءاته الدستورية وتقارن ما بين ما تريده وما بين ما تحققه ؟؟ أم هناك من يفكر عنها داخل ميدان التحرير وخارجه في الفضاء الأوسع الذي لا توقفه حدود الجغرافيا في ظل ثورة التقنيات التي نعيشها جميعا ؟؟ الأهداف كانت عائمة، لكنها أضحت ككرة الثلج، وبعد أسبوعين تحقق إطاحة بالرئيس، معتقدة أنها أطاحت بالنظام، وإذا كانت حركة التحرر العربية بقواها الحزبية وأطيافها الفكرية والسياسية لم تحقق شيئا على مدى عقود من الزمن رغم امتلاكها برامج واستراتيجيات وتكتيكات وعلاقات وقواعد جماهيرية، نجد حشودا من الجماهير حركها دعوات لمشتركين في ملتقيات الفيس بوك فلاقت زخما متواصلا وحققت هكذا نتائج. والسؤال المطروح هل هذه الهبة للجماهير المصرية درست قبل انطلاقتها برامج القوى والأحزاب ووضعت البديل لإخفاقاتها ؟ أم أن هذه الهبة سارت على " فيض الله " كما نقول بالعامية ؟ وهل جاء الموقف الأمريكي بلسان البيت الأبيض وغيره من المؤسسات الأمريكية ذات الاختصاص مطابقا لموقف ثور ة الشباب والجماهير المصرية على قاعدة العداء المشترك للرئيس مبارك ونظامه ؟ أم أن الموقف الأمريكي ركب الموجة كي لا يفوته القطر، كما يردد كثيرون بسذاجة ؟ وهل أمريكا يا ترى تحدد سياساتها ومواقفها بشكل لحظي، وتنجر إلى مواقف طارئة أو مفاجئة ؟ من يعتقد ذلك عليه مراجعة حساباته، لما ينطوي هذا التفكير على جهل وسذاجة. كيف ينطلي على الملايين منا هذا الموقف الغريب والعجيب، وهل انتقلت الولايات المتحدة وأوروبا إلى نصير للجماهير العربية في مواقفها ضد أنظمتها المستبدة، وهل أضحت هذه الدول ذات الحاضر والماضي المعروف باستعمارها للشعوب العربية واستغلالها لخيرات بلادنا، ومواقفها المناصرة للعدوان الصهيوني وجرائمه بحق شعبنا الفلسطيني، هل أضحت رائدة للحريات في مصر وتونس، في حين أنها في فلسطين والعراق وأفغانستان تمارس العكس تماما، وأية حريات هذه والفتاة المسلمة في بلادهم تمنع من ارتداء الحجاب على رأسها، فعن أية ديمقراطية نتحدث؟ وكان صاحب الموقف الأول في الرد على خطابات مبارك الثلاثة هو البيت الأبيض الأمريكي وعلى رأسه اوباما، الذي حدد أن على مبارك التنحي الآن، وأن كل الخطوات التي خطاها مبارك غير كافية لذا عليه التنحي الآن. وهل مصادفة أن قطر وبعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة هم أصحاب الموقف الأول في الترحيب بانتصار ثورة الشباب في مصر . إن ما حدث في مصر ولأول مرة في التاريخ ضمن النموذج العربي الحديث هو التقاء مصالح الجماهير العربية المقهورة مع مصلحة الامبريالية الأمريكية وحلفائها الأوروبيين في التخلص من نظام له علاقات مميزة مع الولايات وإسرائيل، وأسئلة تدور في ذهن المواطن المحب لوطنه وهويته القومية وبعده الحضاري الإسلامي عن هذا المزيج الغريب، فهل الالتقاء كان بالمدخلات أم المخرجات أم كلاهما؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل كان لأمريكا وحلفائها أدوات في تحريك جزئيات في ميدان التحرير، وكيف؟ إن التغيير هو مطلب جماهيري، وتستفيد منه الجماهير العربية بامتداداتها الإقليمية بالضرورة، وانتصار جماهير مصر هو انتصار لجماهير وشعب فلسطين بالضرورة، لكن هذا يتوقف على إجابة على السؤال: هل ما يجري في مصر تغيير للنظام السياسي ؟ باعتبار أن تغير النظام السياسي في مصر يعني التحرر من أغلال اتفاقيات كامب ديفيد التي جاء بها السادات، فأفقدت الوطن العربي الثقل السياسي والسكاني والعسكري والاقتصادي والثقافي، فضاعت هيبة العرب بافتقاد مصر، أم أن هذا التغيير يحمل المجهول الذي تتداخل فيه إرادة أمريكا بإرادة جماهير مصر، والخوف الحقيقي من هذه الخلطة بالتقاء المصالح - إذا ترجمت أوراق ضغط على الطاولة - هو تحقيق الرؤيا الأمريكية بتقوية أذرع نظام تخطط له، بتغيير أشخاص نظام حسني مبارك بأشخاص لهم جاذبيتهم الجماهيرية والوطنية ومقبوليتهم إسلاميا، فتكون قيادة فتية بالأبعاد المذكورة، وكل شيء ممكن في المنظور الأمريكي ما دامت قناة الجزيرة هي الصالون المتميز في المكيجة، حيث ممكن جدا تسويق قيادات وطنية وقومية وإسلامية تختارهم الولايات المتحدة وتنفخهم كمخلصين ومنقذين للعروبة والإسلام، لتشكل المدخل الأمريكي في تحقيق مخططات أمريكية قادمة بيسر وسهولة، خاصة أن المخططات الأمريكية القادمة أكثر خطورة مما شهدناه وعايشناه على ساحتنا العربية، خاصة أن بعد ذبح السودان سيكون ذبح مصر لتكون عدة أمصار بعد خنقها بحبس مياه النيل عنها وفق المنظور الإسرائيلي. وأمام هذه الملاحظات التي أسجلها على مجريات شهدت تداخلات واقعية بحكم المصالح المشتركة والمتناقضة في نفس الوقت، أتساءل : ماذا نقرأ في واقع هذا الانتصار بتنحي الرئيس مبارك، وبتحقيق ما لم يكن متوقعا أو حتى مطروحا لكثير من المشاركين في 25يناير الماضي، هل نلمس تغييرا محتملا في النظام؟ وإلى أي مدى؟ إن التغيير أصبح حقيقة، فالوقائع منذ تعاطي مبارك قبل تنحيه والتطورات اللاحقة تؤكد أن مصر تسير في توجه نحو الديمقراطية بما تعنيه من ضوابط قانونية تكفل شكل النظام الديمقراطي بتفاصيله من حرية التعبير وحق الترشح والانتخاب، وبيانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة جاءت تؤكد التزام مصر بجميع الاتفاقيات الموقعة، وهذا يعني أن النظام الجديد سيبقي على اتفاقيات كامب ديفد، ولا غرابة في ذلك، حيث لم يشهد ميدان التحرير أي شعار يطالب بذلك، وانحصرت شعارات الثورة الجماهيرية في كل المدن المصرية برحيل مبارك ومطالب هلامية لا تتعدى إصلاحات ديمقراطية ومحاسبة الفاسدين وتوفير فرص وظيفية، دون الانتباه إلى حقيقة أن اتفاقيات كامب ديفد هي عود المشنقة لتاريخ مصر وشواهد قوتها. وفي المقابل نجد شعارات يرددها مشاركون في مسيرة احتفالية في الأردن تحمل شعار إلغاء اتفاقيات وادي عربة، وهذا يعبر عن وعي جماهيري ، رغم أن شعبنا في الأردن له مطالبه الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، تماما مثل جماهير شعبنا في مصر، وهذا الواقع وهذه المفارقة تشير إلى دلالات مهمة تجيب على تساؤلات حملتها المقالة أعلاه، فالخلاف مع مبارك ليس شخصيا، إنما هناك إرادتان ومفهومان، لكل منهما لا بد ثقافة وانتماء ورؤيا ومصالح، مما يستوجب الانتباه والحذر، وأن لا تفقدنا جذوة الانتصار إمكانية حفاظ الجماهير على مكتسباتها، ويكون الرابح هو اللاعب الأمريكي. نبارك لجماهير مصر العربية هذا الإنجاز، الذي نرى أهم درس فيه هو قدرة الجماهير العربية على عمل المستحيل وجعله ممكنا، ويمكن الاستفادة من هذا الانتصار العظيم إذا وجهت حركة الجماهير لخدمة القضايا العربية المحورية وأهمها قضية فلسطين، والحيلولة دون تحقيق مخططات أمريكا والغرب وإسرائيل بتفتيت الأقطار العربية التي تحملها أجندات استعمارية، والتي ستشكل تسارعا في مخططاتهم بعد جنوب السودان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل