المحتوى الرئيسى

أسطورة جيل

02/12 22:32

ليس بمقدورى الآن معرفة كل ما يمكن أن يسجله التاريخ عن «ثورة النور»، لكنى أعرف أنها أعادت إنتاج كل ما كنت أظن أننى أدركه من معان. لم يكن كل ما حسبته «فرح» فرحاً، ولم يكن كل ما حفظته من «شعر» شعراً، ولم يكن كل ما اعتبرته «ثورة» ثورة.. تغيرت المعانى، وزادت حمولات الكلام. هكذا أعاد لنا شباب «25 يناير» الشعور بالفرح الوطنى الجامع. هكذا أثبت الثوار الشجعان النبلاء أنهم أكثر منا جميعا حكمة ورشدا ومثابرة وجلدا وقوة وعنفوانا وإيمانا بالوطن. لم يتركوا لنا فضيلة نخص بها أنفسنا، ولم يحرمونا مغنماً حققوه بسواعدهم، وبذلوا دماءهم وعرقهم ليجلبوا لنا النصر والفرح. يقول الأبنودى عن الثوار، قبل مجيئهم بعقود: «وإذا كنت لوحدى دلوقت بكره مع الوقت حتزور الزنزانه دى أجيال وأكيد فيه جيل أوصافه غير نفس الأوصاف إن شاف يوعى وإن وعى ما يخاف». هل كان الأبنودى يعرف أن «جيلاً أوصافه غير نفس الأوصاف» سيطل علينا حقاً، ويقودنا إلى حيث حلمنا وأعيانا الحلم عقوداً طويلة مريرة؟ يقول عنهم أمل دنقل: «وغداً سوف يولد من يلبس الدرع كاملة، يوقد النار شاملة، يطلب الثأر، يستولد الحق، من أضلع المستحيل». هل كان دنقل يعرف أن «غداً سيولد من يستولد الحق من أضلع المستحيل»، ويجلب لنا النصر بدماء زكية وجباه عزيزة، ليضعنا فى مصاف الأمم الحرة النبيلة؟ ليتنا امتلكنا يقين «الشاعر»، ولم نمض السنين معذبين بمراوغة الأمل. لم تمنحنا «ثورة النور» هذا الشعور العارم بالفرح فقط، لكنها أعادت لنا الشعور بالفخر والعزة. بات كل مصرى، داخل ربوع الوطن وخارجها، ليلة السبت، سيداً حراً كريماً. رفع كل مصرى رأسه، ممتلئاً بالكرامة والزهو والكبرياء الشامخة النبيلة. مصر بلد عريق وحر وقائد، وشعبها أبىّ وقادر، إذ انتفض دافعا الظلم، ونابذا القهر، ومتمردا على الاستكانة والدعة، وآخذاً مصيره بيده، رغم الأهوال والصعاب والحديد والنار. هذا الشعب ولد ليبقى سيداً حراً، عصياً على الهوان والاستخذاء.. وهو لن يفنى أبداً. هى الفرحة إذن، تعانق الفخر الوطنى، فتحلق طاقة جبارة فى أجواء الوطن، تبدل المشاعر، وتمحو الأسى، وتجبر الكسور والشروخ والخواطر، وتسلمنا جميعاً إلى لحظة تجل جمعية، تصفو فيها نفوس المصريين، فتراهم يحيون بعضهم البعض، ويسامحون بعضهم البعض، ويقدرون بعضهم البعض، ويتشاركون المستقبل، ويحرصون عليه، ويتأنقون كأنهم يلتقطون «الصورة العائلية» التى ستخلد فى ضمير الوطن. بات المصريون ليلة السبت، كما يحبون أن يكونوا، وكما يأملون أن يكون أبناؤهم، وكما يرجون أن يلقوا الله.. شرفاء وأنقياء وشجعاناً وأكابر. ما فات كان صعباً، لكن القادم أصعب. هل سنبقى موحدين فى مواجهة النزعات والنزاعات؟ هل سنبقى مرابطين فى الميدان، لنحرس ما أنجزنا.. وما هو آت؟ هل سنبقى حريصين على ألا نُخترق أو نُستخدم أو نتسرع أو نتهاون أو تأخذنا النشوة إلى غرور وتصلب واستعلاء؟ ما فات كان صعباً، لكن القادم أصعب، يحتاج رشداً ومجالدة وحكمة. سنتحلى جميعاً بروح الثورة المتقدة الملهمة العصيّة على الاندثار، وستعرف مصر طريقها، وستخرج إلى النور.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل