المحتوى الرئيسى

> المصري والأزمات

02/12 22:03

مع غيري كنت أردد مترحمًا علي أيام مضت: «لم يعد المصري صادقًا مع نفسه متعاونًا مع غيره» حتي أثبتت الأحداث الأخيرة عكس ذلك تمامًا.. وبعد أن نفض نفس المصري عنه غبار الهموم وعرق الطوابير وقلق الأفكار. كنا دومًا نردد: غابت الشهامة واختفت مظاهر الألفة بين الناس مثلما غابت الابتسامة واختفت الصداقات، وكما زال التراحم والتعاون بين الجميع. كنت أقول: رحم الله أيام الحب المتبادل بين الجيران، والعشق الدائم للمحروسة. كان ذلك حتي بدأت الأحداث الأخيرة.. فإذا بالمصري يكشف عن أروع ما يملك.. الأصالة وحب الوطن.. وكلنا يبيت مع جاره أمام سكنه.. وكلنا نتعاون ونتراحم كاشفين الأصالة والحب، وكأن الأيام عادت بنا إلي الوراء. في الليالي الأخيرة تعرفنا علي سكان الشقة المجاورة، بعد سنوات «جيرة» دون إلقاء السلام في بعض الأحيان.. دون تحية: عيد سعيد، دون مشاركة في فرح أو مأساة. الآن يبدو المصري أصيلاً كما كان دومًا.. الجميع يتبادل الآمال والطعام، القلق والشراب، الدعوات والانتظار، الصغار.. الشباب أقصد يصبحون جنود حراسة ليلية، ضمن «ورادي» أو «ورديات» مرنة، وتنظيم يدعو للإعجاب بكل المقاييس، وحيث تحول برد الليالي إلي دفء الود والمحبة. عاد التراحم المصري إذن مثلما كان دومًا.. الكل يحب الوطن، الجميع يظهر أجمل ما في المصري.. حيث اكتشفنا شبابا يحرس الشوارع والمنازل، وكبارًا يسهرون ويتعاونون. وحيث نلاحظ مثلاً.. وبالمناسبة.. عدم وجود حراسة أمام أي كنيسة في مصر.. ومع ذلك لم «يلق» حجر علي كنيسة.. وحيث عادت بنا الأحداث إلي أيام: الدين لله والوطن للجميع.. بكل الحق والصدق. في برد الليالي.. والتي بعث فيها الحب كل الدفء.. يمر جار قريب أو بعيد يوزع مشروبًا ساخنًا أو طعامًا سريعًا علي المرابطين أمام منازلهم.. بينما جار ثان يسرع حاملاً «هراوة» أو سلاحًا أبيض.. متجهًا نحو نقطة مراقبة أو مرابطة توقعًا لهجوم عشوائي قد يحدث ترويعًا للآمنين، وضمن تقسيم مهام بسيط ولكن رائع. لم نكن نتوقع حقًا.. كل هذا الحب، والوعي، والتعاون، وتقسيم الأدوار، وتبادل المهام، بما يعيدنا من جديد إلي واقع جميل عشناه ذات يوم.. اعتقدنا أنه ذهب مع الريح، وأصبح مجرد ذكري، حتي قال جاري: جورج وهبة.. رب ضارة نافعة.. حتي مع كل ما نعانيه.. لم أكن أتوقع كل هذه الأصالة.. كل هذا الجمال. حتي ضمن كابوس ندعو الرب ألا يطول، وحتي أخذ جاري: رجب جابر يردد: هذه مصر الحقيقية.. حتي مع وجود الطوابير والإحساس بالخوف، والشعور بالقلق. وحتي تعجب كل منهما: جورج وجابر.. كيف لم يعرف أحدهما الآخر قبلا.. لسنوات عاشا فيها معا في نفس العمارة.. لكنها مصر.. بكل ما تحمل من أصالة وروعة. هي مصر القبطية، المسيحية المسلمة، الناهضة بإذن الله.. والتي سوف تتخطي كل الصعاب بحكم التاريخ وباستحقاق دائم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل