المحتوى الرئيسى

كيف تفجَّر نبع الجمال وسط كل هذا العفن؟

02/12 21:02

صنع الشعب المصرى، خلال الفترة من 25 يناير حتى 12 فبراير، معجزة بكل معنى الكلمة. وهى معجزة لا تكمن فى قدرة هذا الشعب العظيم على صنع ثورة خالدة، ففى تاريخ البشرية ثورات كبرى تشكل مصدر فخار للشعوب التى صنعتها، وإنما فى النموذج الثورى الذى قدمه للعالم، وهو نموذج فريد بكل المقاييس ويليق بشعب قدم للبشرية واحدة من أروع وأقدم الحضارات وأكثرها إلهاماً. ولا جدال فى أن المؤرخين وعلماء السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرهم من المتخصصين فى جميع فروع المعرفة والعلوم الإنسانية، من مختلف أنحاء العالم، سيتوقفون طويلاً عند تفاصيل ودلالات كل مشهد من تلك المشاهد التى صنعت فى مجملها ملحمة الثورة المصرية الأحدث، لكى يدرسوا ويحللوا كيف استطاع هذا الشعب العبقرى انتهاز لحظة تاريخية ملهمة، ليستجمع أنبل ما فيه وينقض بكل ما أوتى من قوة وإصرار على أقبح ما فيه، وتمكن فى نهاية المطاف من إزاحة النظام الذى أفرز هذا القبح خلال فترة لم تتجاوز ثمانية عشر يوما ليبدأ بعدها صفحة جديدة ناصعة من تاريخه الطويل. قبل 25 يناير الماضى كان كل ما حولنا ينضح بالقبح ويفوح منه العفن: 1- فالرجل الذى وصل إلى السلطة بطريق الصدفة فى لحظة استثنائية، ولم يُعرف عنه اهتمام يُذكر بالعمل السياسى فى أى مرحلة من مراحل حياته، يتمكن من خداع الجميع. ولأنه لم يكن يملك من سمات القيادة أو الزعامة ما يؤهله للبقاء طويلا، فقد تصورنا أنه ضيف عابر وصدّقناه حين قال فى أول خطاب رسمى «إن الكفن ليس له جيوب»، وإنه لا ينوى البقاء فى الحكم سوى فترة رئاسية واحدة أو فترتين على الأكثر، ثم اكتشفنا تدريجيا أن الرجل محدود القدرات والمواهب كان «يتمسكن» فى البداية ليتمكن، وحين تمكن تشبث، فجلس على مقعد الحكم ثلاثين عاما، ثم «استخسره» فى غيره فأصر على توريثه لابنه من بعده والشعب جالس يتفرج! 2- وها هى نخبة منافقة من السياسيين والمفكرين ورجال القانون وأساتذة الجامعات والتكنوقراط تعرض خدماتها على الرجل، ثم تتقدم لاحتضان وتغذية طموحات ابنه، وبدلا من أن تنصحهما وترشدهما إلى الطريق القويم تزين لهما طريق الضلال وتساعدهما على العبث بالدستور وتفصيل ما يرغبان فيه من قوانين ولوائح لتمكين الأب من البقاء فى السلطة مدى الحياة والابن من وراثة حكم أبيه من بعده.  3- وها هى مجموعة فاسدة من رجال المال والأعمال تعقد زواجا باطلا مع السلطة، وتبرم معها صفقة مشبوهة لاقتسام تركة وطن يريدان له أن يبقى مريضا ويظل فى غرفة الإنعاش لأطول فترة ممكنة كى يتمكنا معاً من نهب ثرواته وتجويعه. 4- وها هى الأحزاب والقوى السياسية «المعارضة» تستسلم لأقدارها وتعيش على اجترار ذكرى أمجادها التاريخية، وتكتفى بدور محدود مُنح لها لإضفاء مسحة من التعددية الشكلية على لوحة الاستبداد، وما إن تظهر حركة أو جماعة هنا أو هناك تطالب بالتغيير حتى تسقط فريسة سهلة لشراك الانقسامات والمؤامرات المنصوبة حولها. كان يفترض أن تكون الأعوام الثلاثون السابقة مرحلة بناء ونهضة وانطلاق، فلم تخض مصر خلالها حربا واحدة، وتدفقت عليها معونات واستثمارات هائلة وزادت عوائد قناة السويس ومدخرات المصريين فى الخارج بمعدلات غير مسبوقة، غير أن تحالف الفساد والاستبداد الذى أطبق على عنقها لم يُخلّف لشعبها سوى البؤس والتخلف والقهر، فقد عاش 40% منه تحت خط الفقر بينما استأثرت شريحة اجتماعية محدودة بمعظم الدخل القومى وعاشت حياة بذخ أسطورى، وتدهورت حالة الخدمات والمرافق، خاصة التعليم والصحة والنقل، حتى كادت تنهار، وسيطرت أجهزة الأمن على كل مظاهر الحياة، بما فى ذلك الجامعات ومراكز البحث العلمى، إلى أن أصيبت مصر كلها بتصلب فى الشرايين، وكثر فقهاء السلطان، وشاعت فتاوى إرضاع الكبير، واستولت على أسماع الناس أصوات نكرة وأغنيات بذيئة، واستحوذ على أفئدتهم فن هابط. ووسط هذا الجو الخانق والموبوء راحت قلة قليلة من شرفاء الوطن تقاوم كل صور الطغيان والفساد والقبح، غير عابئة بعيون نظام راحت تتابعها فى كل مكان ولا بأبواقه التى تعمدت تشويه سمعتها والطعن فى مصداقيتها. ولأن قطرات المياه التى صبتها فى أرض الوطن القاحلة بدت وكأنها تتسرب عبر رمال بلا قرار، فقد كاد اليأس يستولى على هذه القلة الشريفة، ولم تنتبه إلى أن قطرات مياهها تمكنت من الوصول إلى واحات وسط الصحراء المجدبة، وأن غرسها نما وترعرع وأصبح على وشك أن يثمر. لذا لم يكن بوسع أحد أن يتصور أبدا أن الجيل الذى سيتمكن لاحقا من تفجير ثورة أسطورية سيكون على هذه الدرجة العالية من النضج ومن القدرة على الإبداع ولا أن يمتلك هذا القدر الهائل من الجسارة والإصرار على الصمود. أزعم أن بمصر آلافاً من الشباب من أمثال وائل غنيم، مصمم ومدير موقع «كلنا خالد سعيد»، الذى تحلقت حوله تلك المجموعات الإلكترونية التى شاركت فى إطلاق الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير. لكن هذا الشاب بالذات يصلح، فى تقديرى، ليكون النموذج / المفتاح لفهم أشواق مصر إلى التغيير وطبيعة الشريحة الاجتماعية التى أشعلت الشرارة الأولى للثورة وشكلت نواتها الصلبة والملهمة. فنحن إزاء شاب يحب بلده ويستلهم موقفه السياسى من إحساس مجرد بالوطن والأرض والناس. وليس عبر رؤية أيديولوجية تختزل الوطن فى نظام أو زعيم أو مصالح طبقة اجتماعية أو نزعة دينية أو طائفية. ولأنه ذكى وموهوب ولديه وظيفة محترمة تدر عليه عائدا يجعله فى مأمن عن الحاجة، بدا واضحا أن نشاطه السياسى لم يكن مدفوعا بالبحث عن دور أو مكانة أو شهرة إعلامية بقدر ما كان مدفوعا بالألم والحسرة على ما آلت إليه أحوال مصر وما أصابها من تدهور، ولأن زملاءه من الشباب المنتمين إلى حركتى كفاية أو 6 أبريل أو غيرهما من الحركات أو حتى من الأحزاب السياسية حديثة النشأة، كالغد والجبهة الديمقراطية - لم يكونوا من المتشددين أيديولوجياً، فقد أصبح من السهل أن يشكلوا معا وعاء تنصهر فى إطاره مختلف التيارات السياسية والأيديولوجية المهمومة بإخراج مصر من النفق المظلم الذى دخلت وسارت فيه لسنوات طويلة، ولأن اختيارها يوم 25 يناير، الذى يوافق عيد الشرطة، موعدا للدعوة للتظاهر فى وقت كانت فيه جرائم أجهزة الأمن ودرجة توحشها قد أصبحت معلومة للجميع - كان اختيارا عبقريا، فقد كان من الطبيعى أن تكتسب حركتهم مصداقية وأن تلقى دعوتهم استجابة واسعة من جانب مختلف القطاعات الشبابية أولاً ثم من جانب الشعب كله بمختلف شرائحه الاجتماعية والعُمرية. وبدون التقليل من أهمية الدور الطليعى الذى قام به الشباب لإشعال الشرارة الأولى، فلا جدال فى أن الشعب المصرى كله، بمختلف شرائحه وفئاته الاجتماعية، كان هو صاحب الثورة وصانعها الحقيقى ولولاه لاختزل 25 يناير فى وقفة احتجاجية تضاف إلى وقفات أخرى كثيرة سبقته، فقد أدرك الشعب المصرى بحسه العبقرى أن الشباب المعتصم فى ميدان التحرير هم أبناؤه الحقيقيون وهم أنبل وأروع ما أنجب، ولذلك لم يكن غريبا أن يمتد حبل سُرى بين ميدان التحرير فى القاهرة ومدن وقرى وشوارع وحوارى مصر وأزقتها. ومن رحم هذا التلاحم أعاد الشعب المصرى اكتشاف نفسه، فأبدع صورا للحب والعطاء والفداء لم يعرفها تاريخ الثورات من قبل، فتعانقت المساجد والكنائس، وذاب الأغنياء وسط حشود الفقراء وتفاعل المتعلمون مع الأميين، واختلطت المنتقبة بالمتبرجة والمحجبة بالسافرة، وسقطت أغشية كانت تحجب الرؤية عن أعين مثقفين ومفكرين اكتشفوا فى أتون الحدث الكبير أن الشعب كان أكثر نضجا ووعيا وأنه استحق معاملة أفضل، وهكذا أصبح الكل فى واحد وأصبح الشعب كله شبابا فتياً. لا يتسع المقام هنا لاستعراض مشاهد البطولة والفداء فى يوميات تلك الثورة الكبرى، ولا كيف تشكلت لجان شعبية، وبعفوية مذهلة، غطت البلاد من أقصاها إلى أقصاها لتحمى أمن الوطن والمجتمع حين انهارت أجهزة أمن النظام، ولا كيف توحد شعب بأكمله حول شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» فاختفت معه كل الشعارات الأيديولوجية، وباختفائها توارت الأحزاب والطوائف، وعلت راية مصر الواحدة الموحدة لترتفع وترفرف فوق الجميع، كما لا يتسع المقام هنا لاستعراض مشاهد الجرائم الوحشية التى ارتكبتها فلول النظام المنهار، التى شملت إطلاق الرصاص الحى وقنابل المولوتوف الحارقة عمدا على المتظاهرين، بل محاولة دهسهم، تارة تحت عجلات العربات المصفحة وأخرى تحت سنابك الخيل والجمال والحمير، أو لاستعراض طريقة النظام البائسة فى إدارة الأزمة وجسامة الأخطاء التى ارتكبها، والتى أسهمت فى حسمها لغير صالحه فى النهاية.  لكن بدا واضحا تماما من مسار الأزمة أنها كانت بين طرفين ينتمى أحدهما لحاضر تعيس ويتطلع إلى مستقبل مشرق، بينما ينتمى الآخر لعقلية تنتمى إلى ماض سحيق مظلم وكأنه ما زال يعيش داخل أحد كهوف القرون الوسطى، وربما تفسر هذه المفارقة كيف استطاع الشعب المصرى أن يستخرج من قلب العفن المحيط به فى كل مكان كل هذا القدر من الجمال والحب والقيم الإنسانية الرفيعة التى جسدتها ثورته الفريدة. مبروك لمصر، وأتوجه لشبابها الرائع بالرجاء أن يبقى فى حالة تعبئة دائمة طوال المرحلة الانتقالية، وأن يظل على أهبة الاستعداد لحماية ثورته الوليدة من عبث العابثين، ومن كل أنواع اللصوص والانتهازيين الذين سيحاولون بكل ما أوتوا من قوة خلال المرحلة القادمة سرقة ثمارها أو اختطافها أو العمل على حرف مسارها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل