المحتوى الرئيسى

جمعة التحدى قبل جمعة الزحف

02/11 19:32

أتوقع أن يخرج اليوم بعد صلاة الجمعة كل من يستطيع أن يقف على قدميه من شعب مصر للسير فى كل شوارع مصر من شمالها إلى جنوبها ومن مشرقها إلى مغربها، كى يهتف بأعلى صوته، موجهاً حديثه للرجل الذى بقى فى كرسى الحكم لمدة ثلاثين عاماً متصلة، قائلاً له: ارحل. صحيح أن هذا الشعب لم يكف عن ترديد كلمة «ارحل» طوال الأسبوعين السابقين، إلا أن مبارك أصم أذنيه ورفض الاستماع إلى نداء شعبه، ومازال يصر على تحديه بالتصميم على البقاء فى السلطة حتى نهاية ولايته الخامسة وعلى عدم الرحيل إلا بعد تسليم السلطة إلى من يختاره بنفسه رئيساً لضمان التغطية على جرائمه السابقة. ولأن الشعب، أى شعب، هو المصدر الحقيقى والوحيد للسلطات، فهو وحده الذى يملك حق منح ثقته لمن يشاء وسحبها منه متى شاء. ويبدو أن بعض من بقى من فلول النظام مازال يدعى أن المطالبين برحيل مبارك مجرد أقلية، حتى ولو كان عددهم بالملايين، وأن شرعية مبارك لم تسقط ومازال يمثل الأغلبية فى شعب يبلغ تعداده 83 مليون نسمة!.  ورغم أن هذا النوع من الحجج، الذى يجسد كل معانى السخافة المعتادة، لم يعد ينطلى على أحد، فإن الشعب المصرى، الذى عُرف بصبره الذى لا ينفد، يصر بدوره على أن يثبت أنه على قلب رجل واحد وأنه سحب الثقة من رئيسه ومازال يصر على رحيله الفورى. حين يصر شعب مصر على رحيل رئيسه لا يقصد رحيله الجسدى عن الوطن، ولا يصر على تكرار «سيناريو بن على»، ولا يستهدف بالضرورة توجيه إهانة شخصية لمبارك أو للقوات المسلحة التى خرج من صفوفها، والتى يُكِنّ لها الشعب عظيم الاحترام والتقدير، وإنما يستهدف فقط تجريد رئيسه من سلطات كان قد فوضه فى ممارستها بعد أن أصبح على يقين تام بأنه لم يعد مؤهلاً لممارستها. ويجب أن يكون مفهوما أن القضية هنا لا تتعلق برغبة فى المساس بالكرامة الشخصية لأحد بقدر ما تتعلق بالإصرار على ممارسة الحقوق والواجبات، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب وليس إعمال غريزة التشفى والانتقام. فعندما يطالب شعب بتجريد رئيسه من سلطاته، ويقرر معاقبته على تقصيره فى أداء واجبه، فهو يمارس حقا أصيلا له. وأى حديث الآن عن موانع أو عقبات دستورية تحول دون تنحى الرئيس لا معنى له ولا هدف سوى التسويف والمماطلة. يدرك شعب مصر أن بوسع الرئيس مبارك تجنيب مصر وشعبها صعوبات أكبر مما يواجهانه الآن وقطع الطريق على القوى الخارجية التى تتآمر ضدهما إن هو أعلن اعترافه بالثورة وشرعية مطالبها. أما الحلول التى يمكنه أن يلجأ لها، فهى أكثر من أن تحصى أو تعد. فبوسعه مثلاً أن يقوم على الفور بحل مجلسى الشعب والشورى، ثم التنحى عن سلطاته وتفويض جميع سلطاته وصلاحياته لنائبه وأن يطلب منه فى الوقت نفسه القيام باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية الثورة والاستجابة إلى مطالبها. ولن يؤدى إجراء من هذا النوع إلى أى فراغ دستورى.  فلو صدقت النوايا حقا فى البحث عن حل سيكون بوسع رئيس الجمهورية بالنيابة حينئذ استخدام المادة 74 التى تقول: «لرئيس الجمهورية إذا قام خطر حال وجسيم يهدد الوحدة الوطنية أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستورى أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر بعد أخذ رأى مجلسى الشعب والشورى، ويوجه بيانا إلى الشعب ويجرى الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها، ولا يجوز حل مجلسى الشعب والشورى فى أثناء ممارسة هذه السلطات».  ففى مثل هذه الحالة يمكن لرئيس الجمهورية بالنيابة، وفقا لنص المادة 74 من الدستور، تشكيل مجلس لإدارة الدولة والدستور وحكومة إنقاذ وطنى وجمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد، ثم طرح هذه الحزمة كلها للاستفتاء والحصول على التفويض الشعبى اللازم لإدارة المرحلة الانتقالية بالطريقة التى يرغب فيها الشعب الثائر وتقربه من تحقيق أهدافه. الحلول التى تستجيب لطموحات الشعب كثيرة وممكنة، سواء باستخدام الدستور الحالى أو بدونه. غير أن الشعب بات مقتنعا بأن الرئيس مبارك لا يريد أى حلول ويصر على التسويف والمماطلة. لذا، سيخرج اليوم عن بكرة أبيه ليتحداه ويطالبه من جديد بالتنحى، وإذا لم يستجب هذه المرة، فسيضرب له الأسبوع المقبل موعدا مع «جمعة الزحف».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل