المحتوى الرئيسى

الحكيم‮... ‬في‮ ‬التحرير

02/11 19:32

مازلنا ‮ ‬نعيش وتظلنا نسائم ثورة الشباب،‮ ‬التي انطلقت يوم الثلاثاء ‮٥٢ ‬يناير الماضي‮.. ‬ولم يكن أحد من جيلنا،‮ ‬جيل الشيوخ،‮ ‬وأجيال الوسط يتوقع أن نري هذه الثورة في حياتنا،‮ ‬فأجيالنا تعودت علي الصمت والخنوع لأكثر من ‮٠٥ ‬عاما،‮ ‬ورضينا أن نأكل الخبز بالجبن‮.. ‬مكتفين بلعن وشتم الحاكم سرا،‮ ‬ومدحه علنا‮.. ‬ومثل هذا النوع من الشعوب لا تستحق الحياة الكريمة‮.‬لقد انطلقت منذ ذلك اليوم التاريخي ثورة بيضاء،‮ ‬فجرها شباب‮ ‬غض‮.. ‬وعلي‮ ‬غير توقع،‮ ‬خرج الشباب إلي الشوارع والميادين يهتفون للحرية‮.. ‬وللسلام‮.. ‬والعيش الكريم‮.. ‬كسروا حاجز الخوف،‮ ‬وجهروا بما عجزنا عنه نحن الشيوخ،‮ ‬وأجيال الوسط ان نجهر به،‮ ‬بعضنا خوفا من البهدلة‮.. ‬في السجون والمعتقلات،‮ ‬ومن دخلها مفقود مفقود يا ولدي‮.. ‬والكثرة الكثيرة منا طمعا في ذهب المعز‮.. ‬جهر الشباب بما يعتمل في صدره من آلام وآمال‮.. ‬وما يرجوه لنفسه في قابل الأيام،‮ ‬ولأمته‮.. ‬حياة حرة كريمة‮.. ‬خرجوا في مظاهرة سلمية إلي ميدان التحرير بوسط القاهرة يحملون أغصان الزيتون رمز المحبة والسلام،‮ ‬يهتفون من قلوبهم وليس من حناجرهم‮.. ‬المجد لمصر‮.. ‬الحياة لمصر‮.. ‬العزة والكرامة لمصر‮.. ‬للمصريين كافة‮.. ‬وليس لفئة بعينها‮  ‬استمرأت السلطة والثروة والكسب الحرام وتهريب الأموال،‮ ‬أموال الشعب التي نهبوها إلي بنوك الخارج‮.. ‬هذا الشباب الغض‮- ‬لا تسيره تيارات‮  ‬حزبية أو دينية‮.. ‬بعد يأس الشباب من زعماء الأحزاب،‮ ‬ومن جبروت الحزب الواحد علي مدي ‮٠٣ ‬عاما‮.. ‬هذه الأحزاب التي ثبت بالدليل القاطع فشلها،‮ ‬وقلة حيلتها وانعزالها عن الشعب‮.. ‬أفرادها يتنازعون علي المناصب الحزبية،‮ ‬ويتشاجرون مع بعضهم البعض‮.. ‬حتي داخل الحزب الواحد أو الجماعة الواحدة‮.. ‬وفي حقيقة الأمر،‮ ‬هذه الزعامات وهمية،‮ ‬ليس لها رصيد في الشارع المصري‮.. ‬وما هم إلا مجموعات احترفت النصب السياسي،‮ ‬وأتقنت خداع الناس بشعارات زائفة‮.. ‬ولما لاحت بوادر ثورة الشباب‮.. ‬ودون انتظار،‮ ‬رأيناهم عبر الفضائيات يهتفون للثورة‮.. ‬لعلهم يجدون‮ »‬خرم إبرة‮«.. ‬و سط هدير ثورة الشباب ليركبوا الموجة،‮ ‬علي رجاء ان يتصدروا الصفوف،‮ ‬وهم في ظنهم وفي سعيهم واهمون،‮ ‬ولم يبق أمامهم إلا أن يبحثوا عن مكان آخر،‮ ‬ينزوون فيه‮ ‬غير أرض مصر،‮ ‬وان يتركوا شباب ‮٥٢ ‬يناير يواصلون مسيرة الاصلاح والتغيير وبناء الديمقراطية علي قواعد سليمة‮.. ‬لقد‮  ‬اتخذ الشباب من يوم ‮٥٢ ‬يناير مناسبة جليلة‮.. ‬لانطلاق ثورتهم‮.. ‬وهو اليوم الذي له في قلوبنا كل إجلال،‮ ‬حيث يحتفل الشعب،‮ ‬يوم ‮٥٢ ‬يناير من كل عام بهذه المناسبة الجليلة،‮ ‬ذاكرين بكل إعزاز تضحيات رجال الشرطة يوم ‮٥٢ ‬يناير ‮٢٥٩١- ‬الذين قدموا أرواحهم فداء لمصر‮.. ‬ففي يوم ‮٥٢ ‬يناير ‮٢٥٩١‬،‮ ‬طلب جنود الاحتلال البريطاني من قوات الشرطة إخلاء مبني محافظة الإسماعيلية،‮ ‬لانها تمثل عائقا أمامهم في تعقب وتتبع فدائيي مصر الذين انتشروا علي امتداد محافظات القناة،‮ ‬والاسماعيلية وبورسعيد والسويس،‮ ‬والذين حولوا حياة الانجليز إلي جحيم‮.. ‬ورفضت قوات الأمن إخلاء المبني‮. ‬حماية للشرف العسكري،‮ ‬ودفاعا عن الأرض والعرض،‮ ‬وإزاء هذا الموقف البطولي،‮ ‬لم تمض إلا ساعات إلا وجاءت جحافل قوات الاحتلال وصوبوا نيران مدافعهم ودباباتهم،‮ ‬وحولوا مبني المحافظة إلي ركام‮.. ‬في هذا اليوم الخالد من تاريخ العسكرية المصرية استشهد أكثر من‮ ‬58‮ ‬ضابطا وجنديا،‮ ‬وأصبح يوم ‮٥٢ ‬يناير يوم عزة وفخار لكل مصري ومصرية‮.‬لذلك لم يكن‮ ‬غريبا أن يتخذ الشباب من هذا اليوم مناسبة جليلة لإطلاق ثورتهم السلمية،‮ ‬ثورة الحرية والكرامة الإنسانية‮.. ‬وأصبح هذا اليوم،‮ ‬يوما فارقا بين الحرية والعبودية،‮ ‬بين الكرامة،‮ ‬والمهانة،‮ ‬بين العزة وبين الاستكانة،‮ ‬ثم حدث ما حدث في الأيام التي تلت هذا اليوم،‮ ‬سقط مئات الشهداء‮.. ‬وآلاف الجرحي‮.. ‬الأحداث مأساوية‮.. ‬انكسر القلب لها من هول ما يحدث ولأول مرة‮.. ‬ابناء مصر يقاتلون بعضهم البعض،‮ ‬ويعجز القلم عن التعبير عنها‮.‬وعندما تكثر الفتن و تشتد،‮ ‬لا أحد أمامي إلا أن ألوذ بصديق عزيز،‮ ‬لا يعرفني،‮ ‬ولكني اعرفه،‮ ‬و لم اشرف بمقابلته في يوم من الأيام،‮ ‬ولكن أقابله في كل حين،‮ ‬لم يحادثني وجها لوجه ولكن احادثه دائما عن بعد‮.. ‬اتخذته صديقا عزيزا منذ زمن بعيد،‮ ‬فهو أحد المفكرين العظام الذين أنجبتهم مصر الباقية،‮ ‬مصر الخالدة،‮ ‬وأحد الذين تأثرت بهم في مسيرتي الحياتية‮.. ‬ذهبت أبحث عنه‮.. ‬استلهم منه الحكمة والرأي السديد،‮ ‬ارتشف من عصارة فكره وتجاربه الثرية التي أودعها مؤلفاته،‮ ‬التي صاغها رحيقا صافيا،‮ ‬انه كاتبنا العظيم توفيق الحكيم‮.. ‬هرولت إليه،‮ ‬وكان في انتظاري‮.. ‬وفي تواضع،‮ ‬قدم لي كتابه القيم‮: »‬ثورة الشباب‮«.. ‬وكأنه قد فرغ‮ ‬من كتابته منذ لحظات مع أن الكتاب صدر منذ سنوات طويلة،‮ ‬وكأنه يشاهد ما يجري اليوم علي أرض الواقع،‮ ‬ميدان التحرير أحداث ومآس‮.. ‬وثورة بيضاء يقودها شباب في عمر الزهور‮.. ‬وزادني حديثه يقينا ان مصر ستعبر المحنة،‮ ‬والكارثة بسلام‮.. ‬واستميح كاتبنا العظيم توفيق الحكيم في تقديم بعض آرائه وأفكاره،‮ ‬لعلها تفيد‮.. ‬وتوضح أسباب ما جري‮.. ‬وما يجري في مصر في هذه الأيام‮.. ‬داعيا الله سبحانه وتعالي أن يجنب مصر وشعبها وشبابها وشيوخها ونساءها‮  ‬وأطفالها المحن وان يزيل عنا الغمة،‮ ‬والفرقة والانقسام،‮ ‬ويتوقف نزيف الدم وان تلتئم الجروح،‮ ‬وأن ننخرط جميعا في قوافل البناء والتعمير،‮ ‬وتعود مصر،‮ ‬كما كانت،‮ ‬وكما ستظل بإذن الله‮. ‬وللحديث بقية‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل