المحتوى الرئيسى

تعديل الدستور لا يكفى

02/11 18:33

شكلت الحكومة لجنة من الخبراء القانونيين للنظر فى تعديل الدستور، وقد بدأت اللجنة باختيار عدد من مواد الدستور التى تحتاج - فى نظر اللجنة - إلى التعديل، والسؤال: هل يكفى تعديل بعض مواد الدستور، أم أن المشكلة الدستورية أكبر وأعمق من مجرد تعديل عدد من هذه المواد، مع بقاء جوهر الدستور القائم على ما هو عليه.. هذا هو السؤال؟ الدستور القائم هو حلقة فى سلسلة الدساتير التى بدأت مع الثورة، والتى تقوم على أساس مفهوم «النظام الرئاسى» على نحو يركز السلطات ليس فى السلطة التنفيذية فحسب، وإنما فى يد رئيس الدولة وحده، فالنظام الرئاسى، والذى تأخذ به الولايات المتحدة، يقوم على مبدأ الفصل الكامل بين السلطات، دون أن يعنى ذلك - بالضرورة - هيمنة رئيس الجمهورية، فالسلطة التشريعية فى الولايات المتحدة (مجلسا الشيوخ والنواب) تتمتع بسلطة هائلة تقيد من سلطات السلطة التنفيذية، وفى مقدمتها سلطتها فى السيطرة الكاملة على بنود الميزانية وسبل الإنفاق، فضلاً عن ضرورة موافقة مجلس الشيوخ الأمريكى على تعيين أهم المسؤولين فى المناصب الحساسة، وهكذا فإن الفصل بين السلطات فى الولايات المتحدة يتماشى مع توزيع هذه السلطات وعدم تركيزها فى مكان واحد (رئيس الجمهورية عندنا). أما الدستور المصرى القائم - ومن قبله معظم الدساتير منذ الثورة - فإنها تقوم أساساً على تركيز معظم السلطات فى يد رئيس الجمهورية، والذى لا يكاد يخضع لأى شكل من أشكال المساءلة، مع إطلاق يده بالكامل فى التصرف فى الموارد المالية دون قيود حقيقية، وجاء الدستور الحالى - منذ 1971 - فأضاف ارتباكاً جديداً، حيث جاء فى فترة قلقة من حكم الرئيس السادات فى بداية عهده، فنص على أن نظام الحكم فى مصر هو «النظام الاشتراكى»، وقد ظل هذا النص قائماً حتى سنوات قليلة ماضية، والخلاصة هو أن الدستور المصرى الحالى هو أحد بقايا العهد الشمولى، وهو قائم على خليط غريب من مذاهب اقتصادية متناقضة (فى البداية اشتراكية قبل أن تتحول إلى رأسمالية غير منضبطة)، والشىء الوحيد الجوهرى فيه هو أن جميع السلطات تتركز فى يد رئيس الجمهورية. كذلك فإن الدستور - القائم - مازال يتضمن نصوصاً فئوية، بتخصيص نسبة 50٪ من مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين، وهى ظاهرة لم يعد لها مثيل فى أى دستور فى العالم، وتتعارض مع أول مبادئ المساواة بين الأفراد فى مباشرة حقوقهم السياسية. وهكذا يتضح أن طرح القضية الدستورية باعتبارها تعديلاً لبعض مواد الدستور هو انحراف عن الرغبة الشعبية، والأولى التوجه للشعب لاستطلاع رأيه فى عدة مسائل: هل يرغب الشعب فى تعديل الدستور أم يحتاج إلى دستور جديد؟ هل يريد الشعب دستوراً لنظام رئاسى أم لنظام برلمانى؟ وقد عرفت قبل الثورة دستور 1923، وهو دستور ليبرالى ويتمتع بشرعية، وبوجه خاص، بعد إلغائه فى 1930، واضطرار الحكومة إلى إعادته نتيجة للضغط الشعبى فى 1935، فضلاً عن أن حماية هذا الدستور كانت أول مطالب ثورة 1952 عند إعلان البيان الأولى لحركة الجيش، وقد سبق أن طرحت فكرة إعادة هذا الدستور بعد تعديل النصوص الخاصة بالملك ووضع نصوص بديلة لرئاسة الجمهورية، وهو دستور برلمانى يوزع السلطات ولا يركزها فى جهة واحدة. وعلى أى الأحوال فإن هناك خيارات متعددة تحتاج إلى نقاش عام، ولكن أعتقد أن أسوأ هذه الخيارات هو اختصار المطالب الشعبية فى إطار محدود لتعديل بعض مواد الدستور، المسألة أهم وأخطر من ذلك بكثير، وهناك العديد من الاختيارات المطلوب ليس تشكيل لجنة - من جانب الحكومة - للتعديل بقدر ما هو طرح الأمر على الشعب لاختيار التصور المقبول للفترة القادمة. والله أعلم. www.hazembeblawi.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل