المحتوى الرئيسى

«السيد محمد كريّم» .. مسرحية لكرم النجار تجدد شروط الثورة

02/11 18:33

ولد محمد كريم بحى الأنفوشى بالإسكندرية، ونشأ يتيماً فكفله عمه وافتتح له دكاناً صغيراً فى الحى، وكان يتردد على المساجد ليتعلم فيها، وعرف بين أهل الإسكندرية بوطنيته وشجاعته، وأصبحت له شعبية كبيرة بين الناس، وعندما آلت السلطة فى مصر إلى اثنين من زعماء المماليك فى القاهرة، وهما مراد بك وإبراهيم بك عين مراد بك السيد محمد كريم حاكماً للإسكندرية ومديراً لجماركها لما كان يتمتع به من مكانة كبيرة عند أهل الإسكندرية. وبينما كان كريم يشغل موقع محافظ الإسكندرية، والمشرف على جماركها إذا ببوادر الاحتلال الفرنسى تلوح فى الأفق، ففى يوم ١٩ مايو ١٧٩٨ أقلع أسطول فرنسى كبير من ميناء طولون بفرنسا محملاً بالجنود والمدافع والعلماء وعلى رأسهم نابليون بونابرت قاصداً الإسكندرية فلما بلغها فى أول يوليو ١٧٩٨ أرسل محمد كريم إلى القاهرة مستنجداً بمراد بك وإبراهيم بك ولم يكن عدد سكان المدينة يزيد على ثمانية آلاف نسمة ولم تكن بها حامية تكفى لصد الفرنسيين فاستعد محمد كريم للدفاع عن الإسكندرية وقاد المقاومة الشعبية ضدهم إلى أن اعتصم بقلعة قايتباى ومعه فريق من الجنود، وظلوا يقاومون حتى نفدت ذخيرتهم ولم يكن هنالك مفر من التسليم للجيش الفرنسى، وتم أسره هو ومن معه. ودخل نابليون المدينة وأبدى إعجابه بشجاعة كريم فأطلق سراحه وأبقاه حاكماً للإسكندرية وعين كليبر حاكماً عسكرياً عليها وواصل كريم الدعوة إلى المواجهة وعمت الثورة المدينة، ومع تزايد الثورة أمر كليبر باعتقال كريم فى ٢٠ يوليو ١٧٩٨ وأرسله إلى القاهرة يوم 12 أغسطس، ووجهت إليه تهم التحريض على المقاومة وخيانة الجمهورية الفرنسية، واستمرت المحاكمة حتى 5 سبتمبر، وعرض عليه نابليون دفع فدية يفتدى بها نفسه لكن كريم رفض، وألح عليه البعض فى أن يفدى نفسه لكنه رفض وقال «إذا كان مقدراً علىّ أن أموت فلن يعصمنى من الموت أن أدفع الفدية، وإذا كان مقدراً أن أعيش فعلام أدفعها؟» وفى 6 سبتمبر ١٧٩٨ أصدر نابليون أمره بإعدام كريم رمياً بالرصاص فى ميدان الرميلة بالقلعة. هذه سيرة المناضل محمد كريم كما أجمع عليها المؤرخون، وهى السيرة التى استلهم منها كرم النجار عمله المسرحى «السيد محمد كريم» والصادرة عن سلسلة المسرح التى تصدرها الهيئة العامة للكتاب، وتمثل المسرحية فى مجملها إحياء لكل القيم الوطنية وروح الفداء لدى المصريين دون حس مسرحى زاعق، كما استخدم كرم النجار لغة خليطا بين الفصحى البسيطة والعامية البليغة فى مهارة تجعلنا نقف على مذاق اللغة المتداولة فى عصر كريم، ويجىء العمل بعثا للروح الوطنية واستنهاضا لهمم المصريين التى غيبها الإحباط العام منذ زمن، كما أن العمل بعث هذه الشخصيات من جديد فبدونا وكأننا نعايش ما جرى قديما، غير أن الحقائق التاريخية المجردة لا تصنع دراما بل تمثل توثيقا ولذا فقد استثمر كرم النجار مساحات الإبداع والخلق المكفولة لأى مبدع كخلق أحداث وشخصيات مضافة لإثراء العمل وتحقيق مسوغات درامية من شأنها أن تحقق تماسكا دراميا للعمل، وهذا ما فعله النجار، ونجد فى غير موضع من هذا العمل إشارات بليغة تعد استشرافا لما تحقق بالفعل ونحن إزاءه بالفعل، ويعد العمل أقرب إلى الروح الأوبرالية حيث الشخصيات، حيث الخلفيات الصوتية للكورس سواء ما يمثل سلطة الاحتلال الفرنسى أو ما يمثل الضمير الوطنى الجمعى، وقد نقل كرم الوقائع التاريخية التوثيقية إلى مواقف درامية حية زاخمة بالرسائل المهمة للمصريين، ولم يظهر كريم كمجرد شخصية مفردة وإنما استثمرها النجار وحملها بضمير جمعى للمصريين الشرفاء الذين رفضوا المساومة والمقايضة على قناعاتهم الوطنية، ولنا أن نقف على ما نقول من خلال مشهدى رفض كريم أن يفتدى نفسه بفدية مالية رغم ثرائه ومن ثم مشهد الإعدام، فها هو الجلاد يسأل كريم قبل إعدامه: أنت رجل غنى.. فماذا يضيرك لو تفدى نفسك؟ فيرد كريم: إذا كان مقدرا لى أن أموت فلن يعصمنى من الموت أن أدفع هذا المبلغ، وإذا كان مقدراً لى أن أعيش فلماذا أدفع؟ هذا مبدأ. ثم يسأله الجلاد مجددا: أتريد أن تقول شيئا للناس قبل تنفيذ الحكم؟ فيرد كريم وكأنه يترك وصيته للأجيال القادمة من بعده إذ يقول: علينا أن نجعل هذا البلد المجروح، ومنهوب الثروة من كل الأجناس وطنا قويا واحدا، وتذكروا نحن بشر مثل سائر البشر، لدينا الأبطال، ولدينا اللصوص وقطاع الطرق، ولدينا العقل ونحن على استعداد أن ندفع الحياة ثمنا لوجود حر، والله على ما أقول شهيد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل