المحتوى الرئيسى

د. عصام العريان يكتب: ثورة مصر 2011م

02/11 18:32

كانت الثورة المصرية مفاجأةً للجميع بمن فيهم المصريون أنفسهم الذين تعودوا الصبر الطويل على حكامهم مهما بلغ طغيانهم مداه. هذه الثورة تهدف إلى تغيير النظام الاستبدادي إلى نظام ديمقراطي، وشعارها فليرحل الرئيس رمز النظام، وها هي شرعية جديدة تولد على أنقاض شرعيات سابقة كان أبرز خطاياها هو كبت الحريات والاستبداد بالرأي والفساد الشديد، سوف تبني على إنجازات سابقة، وتتخلص من عيوب قاتلة. هذه ثورة شعبية لا يقودها فصيل سياسي، بل فجرها شباب مصري من كافة الانتماءات الفكرية والسياسية بمن فيهم إسلاميون، وليست من صنع الإخوان المسلمين الذين يشاركون فيها بنسبة معقولة وعملوا على حمايتها من العنف المضاد الذي مارسته أجهزة الحكومة والأمن بتوظيف البلطجية والمسجونين الذين أطلق الأمن سراحهم من السجون ليثيروا الرعب بين المواطنين، وهم مستمرون في الثورة وفي قلبها لكي تحقق أهدافها، وإذا ذهبوا إلى حوار فلأجل انتقال آمن، وسلمي للسلطة إلى الشعب. ثورة مصر هزّت الاستقرار الزائف الذي روّج له الرئيس مبارك، ولم يقم على أسس سلمية، وهددت الأوضاع في المنطقة كلها، وتداعياتها وصلت إلى بلدان أخرى كثيرة. وصلت مصر إلى مرحلة الثورة لعدة عوامل خطيرة تفاعلت خلال العقود الثلاثة لحكم مبارك، وشكلت تطورًا خطيرًا لمساوئ ما سبقه من حكام، وأشعل شرارتها آخر انتخابات برلمانية تم تزويرها بالكامل لصالح الحزب الوطني، وأقصت المعارضة جميعًا من أي تمثيل برلماني، فلم يعدلها مجال إلا العمل في الشارع من خلال الثورة بعد أن تم إخراجها من البرلمان والنقابات المهنية، والعمالية والاتحادات الطلابية، والمجالس المحلية، وتضييق الخناق عليها في الجمعيات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان وكان للتعتيم الإعلامي قبل الانتخابات أثر كبير في إحساس المصريين بالإهانة البالغة خاصة بعد أن تفاخر رجال الرئيس والرئيس نفسه بنتائج الانتخابات، ولم يعترفوا بحقيقتها. إن الفساد الذي انتشر في دوائر الحكم العليا إضافة إلى الاستبداد الذي عاني منه المصريون طويلاً، وأنتج في نهاية العقد الأخير لمبارك تزاوجًا محرمًا بين السلطة والثروة، مع التمهيد الواضح لوراثة الحكم بعد مبارك لنجله جمال أدّى إلى مزيد من الإهانة الشديدة للمصريين والإحساس بضرورة التغيير ثم كان الانفجار في 25/1/2011م. لم تفلح الدولة البوليسية، وجهاز القمع الأمني الرهيب، والاعتقالات المتوالية للنشطاء السياسيين خاصة الإخوان المسلمين الذين تم اعتقال 30.000 من جماعتهم خلال عهد مبارك، وكان آخرها اعتقالنا (مجموعة الـ34)، فجر يوم جمعة الغضب 29/1 إلى أن حررنا السجناء أنفسهم، ولا التعذيب البشع في السجون وأقسام الشرطة، ولا الملاحقات المتوالية في منع الثورة. جاءت الثورة في مناخ إقليمي يشهد انحسارًا واضحًا لما يسمى بعملية السلام التي أصبحت وهمًا من الأوهام بعد أن كان حلمًا للفلسطينيين بسبب الهروب الصهيوني المتكرر من استحقاقات السلام خاصة بعد أن وصلت حكومة يمينية متطرفة متصلبة تتعمد إهانة العرب والفلسطينيين، وتمارس سياسة تمييز عنصري ضد العرب داخل إسرائيل نفسها، وتبتز النظام المصري الذي تحوّل في نهاية المطاف إلى أداة لحماية الكيان الصهيوني، كل ذلك في ظل دعم أمريكي مستمر لنظام مبارك، ومواصلة الضغوط عليه لتقديم المزيد من التنازلات، إلا تلك التنازلات المتعلقة بالمصريين في حقهم لحياة حرة، وعدالة اجتماعية واحترام القضاء وحرية التعبير. إن أمريكا لكي تستعيد مصداقيتها في مصر والعالم العربي عليها أن تحترم حق الشعوب العربية في اختيار حكامها وفق القواعد الديمقراطية وألا تثق بقدرة الحكام على قمع الشعوب. وإذا أرادت أن تحافظ على مصالحها خاصة الإستراتيجية فلا بد أن تستجيب لإرادة الشعوب في بناء نظام ديمقراطي يكفل الشفافية والمحاسبة، وتداول السلطة وأن تتوقف فورًا عن دعم الديكتاتوريات العربية. ستخسر أمريكا حلفاءها من الحكام العرب واحدًا بعد الآخر إذا لم تغيّر سياستها وتعيد النظر في تحالفاتها الإستراتيجية جميعها في المنطقة، فموجة التغيير الديمقراطي وصلت إلى المنطقة العربية وهبّت عليها رياح الحرية والشعوب هي الأبقى، وإذا كان الفشل الذريع واكب محاولات أمريكية كاذبة لبناء الأمم في أفغانستان ثم لبناء نظام ديمقراطي في العراق، فإن المصريين أثبتوا أنهم قادرون دون مساعدة أمريكا على صنع مستقبل أفضل، وسيبنون بإذن الله نظامًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا في مصر يشع بنوره على المنطقة كلها. إن أمريكا أغنى، وأقوى دولة في العالم، وقد ظلت عقود طويلة تدعى بأنها زعيمة العالم الحر، ورفعت شعارات عظيمة، فماذا عليها لو احترمت حق الشعوب في تقرير مصيرها، واختيار حكامها، وقواعد الديمقراطية، وحرصت على السلام العالمي، والتعاون الدولي في المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية، حتى تقوم نموذجًا إنسانيًّا يحظى بتعاطف العالم.  أما الإخوان المسلمون الذين استخدمهم مبارك، ونظامه كفزاعة يخوف بها أمريكا والغرب، فقد أثبتوا قدرتهم على الصمود والتضحية ونكران الذات وتحملوا ما لم يتحملوا بشر من أجل مصلحة مصر واستقرارها، فلم ينزلقوا إلى العنف أبدًا، وتمت محاكمتهم أمام محاكم عسكرية في ظل صمت أمريكي، ورضا عربي وترحيب من أبواق النظام السابق، ولم يخونوا الشعب، ولم يعقدوا صفقات من وراء ظهره وحملوا مطالبه ليفاوضوا حول تحقيقها وليس للالتفاف حولها. لقد أعلن الإخوان أنهم لن يتقدموا بمرشح للرئاسة القادمة، وأنهم ينظرون في برامج المرشحين للتفضيل بينهم، وأنهم سيترشحون للبرلمان وفق قاعدة المشاركة، وليس للحصول على أغلبيته، ويتحالفون مع جميع القوى الوطنية من أجل تحقيق استقرار حقيقي يقوم على الحرية والعدل والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. إن الإخوان هيئة إسلامية عامة تتبنى مفهوم الإسلام الشامل تسعى لإحياء إسلامي مجتمعي، وتؤمن بالإصلاح السلمي المتدرج عبر القنوات الدستورية والبرلمانية. إن التغيير الذي سعينا إليه جميعًا، وشارك في صنعه الجميع باستثناء هؤلاء الذين مارسوا سياسة الخداع والكذب والتضليل، وبرروا للنظام كل خطاياه، وساعدوه على القمع والفساد، لقد وقع التغيير بالفعل، والحوار المطلوب الآن هو للخروج من عنق الزجاجة، ومن أجل الانتقال السلمي، والسلس للسلطة إلى الشعب حتى يختار برلمانًا جديدًا بطريقة سليمة، ودون تزوير لإرادته، ثم يختار رئيسًا قادرًا على الإمساك بدفة سفينة الوطن في هذه المرحلة الحرجة بعد أن يقوم البرلمان الجديد بالتعديلات الدستورية اللازمة لحرية الاختيار، ثم يكون بعد ذلك الحوار الوطني الشامل حول ملفات معقدة أهمها: تعديلات دستورية أم دستور جديد، الاقتصاد الوطني، واستعادة ما تم نهبه من ثروات البلاد، تحسين ظروف الحياة لكل المصريين، وإعادة الاعتبار إلى موظفي الدولة ورجال الجيش والبوليس، الدور الجديد للشرطة المصرية بعد إنهاء عقود من الاستبداد، ونهاية سريعة عاجلة لأجهزة أمن الدولة وقمع المواطنين. أما الشئون الخارجية فلم يحن وقتها بعد، وبعدما تكون مصر قوية عزيزة قادرة ينتمي إليها أبناؤها بفخر واعتزاز فسيرتفع شأنها في الإقليم بل في العالم كله، وسيتعاظم دورها في كل مكان. إن الصورة العظيمة التاريخية قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أعظم انتصار للشعب في تاريخ مصر، وهذا رهن بعوامل عديدة أهمها اليوم هو:1- وحدة صف المعارضة الحقيقية وعدم تشرذمها، وإعادة بناء قدراتها لمواجهة تحديات لم تكن مستعدة لها.2- التفاف الشعب حول المعارضة الجادة القادرة على إخراج البلاد من مأزقها والعبور بها إلى بر الأمان، وتحقيق آمال المصريين في مستقبل أفضل.3- رضوخ النظام الذي سقط لنقل آمن للسلطة وتسليمه بانتصار الثورة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل