المحتوى الرئيسى

جمهورية ميدان التحرير النائبة زعبي: نزول الآلاف إلى الشوارع الرد على قمع الدولة ومصادرة الحقوق

02/10 18:42

جمهورية ميدان التحرير بقلم: محمد هجرس** لم يكن أحمد عبد العاطي (أظنّ أن هذا اسمه) بحاجة لأن يترك، أسرته في شارع حسني مبارك، بكفر مصيلحة، منوفية (نفس بلد الرئيس) وينضم لجموع الثائرين على الرئيس، ولم تكن هالة فهمي، مذيعة التليفزيون المصري، وهي تنضم إلى التظاهرات، إنما تدين منظومة إعلام أنس الفقي، وزير ما يسمى بالإعلام، والتي أكدت أنها تعيش في غيبوبة تامة، حتى بات التليفزيون ومعه الإذاعة، وكل الصحف القومية، منفصلاً تماماً عما يحدث على بعد أمتار قليلة. هالة فهمي.. التي لفّق لها مخبرو الإعلام في ماسبيرو تهمة تحريض الأطفال على السياسة، كشفت عورة المنظومة الإعلامية، التي جعلت من كل رئيس تحرير في صحيفة ما أو في نشرة أخبار ما، مجرد "مباحث" بدرجة مخبر وضيع، سيأتي يوم، وينحره الغاضبون كما ذبُح المخبر "قنديل" في قسم شرطة الأربعين بمدينة السويس الباسلة. وسائل الإعلام التي انقلبت رأساً على عقب، يبدو أنها أجبرت على تغيير جلدها، بعد أن ظنَّ القائمون عليها أنهم خسروا الرهان على خيل الحكومة للاحتفاظ بمناصبهم، ولم يبق فقط سوى إطلاق رصاصة الرحمة الأخيرة عليها. خيل الحكومة تلك التي خدمت وتفانت في خدمة الحكومة، لا المواطن، باتت اليوم، وكأنها في جحور الفئران، وحتى محاولات بعضها حفظ ما تبقى من ماء الوجه، فاستداروا تماماً في مشهد مخجل لمن يملك ذرّة كرامة، فبعض الصحف القومية التفّت على إنجاز ثوار التحرير ومن كانت تصفهم قبل أيام بالمخربين، والبلطجية، صدّق رؤساء التحرير ومسؤولي التليفزيون كلام الرئيس الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" وقال عنهم باشمئزاز: "خليهم يتسلوا" فكانت النتيجة التي لا شك أنه يندم عليها كثيراً هو وأعوانه، بعدما حدث في ميدان التحرير.. *** جمهورية ميدان التحرير إذاً.. استنساخ أو إعادة تدوير لما حدث قبل قرن تقريباً في جمهورية زفتى.. هل يذكرها أحد؟ إنها قطعة من التاريخ تعود إلينا دون أن يتعلم أحد.. في الثامن من مارس 1919.. أعلن الزعيمان الوطنيان مصطفى أبو النصر باشا واحمد عبدالمنصف بك، استقلال تلك المدينة الواقعة في محافظة الدقهلية، عن المملكة المصرية وقت ذاك، أثناء ثورة عام 1919، وعقب اعتقال الاحتلال الانجليزي للزعيم سعد زغلول ومرافقيه (احمد باشا الباسل ومحمد باشا محمود واسماعيل صدقي وسينوت حنا ومكرم عبيد وفتح الله بركات وعاطف بركات) ونفيهم إلى جزيرة سيشل. ورداً على ذلك، أعلنت مدينة زفتى أنها أصبحت جمهورية برئاسة يوسف الجندي حاكم المدينة الجديد.. ولخطورة الموقف أعلنت أنجلترا خلع السير وبنجت لتهدئة حالة الهيجان والثورة. جمهورية زفتى تعود اليوم من نفس بوابة ميدان التحرير، وبنفس حلم التحرير، من المحتل الأجنبي قديما، ومن المحتل الوطني هذه الأيام. الميدان الذي تحول إلى جمهورية فريدة من نوعها، جمهورية مستقلة، رأى فيها شباب مصر حصناً وجواز سفر، اغترف به أركان النظام، وباتت تلك الجمهورية ملاذاً وبديلاً عن قوارب الموت في رحلات الهجرة عبر البحر المتوسط، وبدل أن يموت الشباب في عرض البحر ويصبح طعاماً لأسماك القرش، فضّل أن يموت على أرض وطنه، والمؤسف أن ذلك الموت كان بيد من ادعوا طويلاً أنهم خصصوا لحمايته. تحوّل الميدان، إلى ساحة للحياة وشعلة للأمل، يمارس فيه الشباب أعراسهم بنفس الطقوس التي يودّعون بها شهداءهم.. ويعالجون جرحاهم، بنفس صرخاتهم طلباً للنجدة، وينفس أصواتهم طمعاً في الحريّة. وبنفس الدرجة التي بدا فيها الشباب من مختلف الأعمار يؤسسون للدرس الغالي، فيحملون مكانسهم ومسّاحاتهم، وأكياس نفاياتهم، لينظفوا "وطنهم الجديد" من كل الأوساخ والقاذورات، كان نفس الحلم يتأسّس عبر صور الشهداء، بأغاني الشيخ إمام، وقصائد أحمد فؤاد نجم، وأعاني أم كلثوم، واشعار صلاح جاهين، بنفس الرقصات البريئة وما كتبوه بأيديهم في لوحات بدائية للغاية، من هذا الذي يصرّ على رحيل الرئيس، لأنه "يريد أن يستحم" أو هذا الذي "وحشته زوجته" ويريد أن يعود إليها.. أو هذا الذي كتب:"ارحل بأه.. إيدي وجعتني". بنفس كل ذلك.. كان الرصاص الحي مدخلاً نحو التاريخ الجديد الذي كتب بالدم بدءاً من 25 يناير 2011. وكانت البلطجة مؤشراً على سياسة الدولة التي نهبت وانتهبت! فيما لا تزال جريمة الأربعاء الأسود تلقي الضوء على الفارق الجوهري بين جمهوريتين.. جمهورية ميدان التحرير التي ترفع العلم المصري، وتنشد "بلادي بلادي.. لكِ حُبّي وفؤادي"، وجمهورية نظام حسني مبارك، التي جاءت بالبغال والخيل والإبل، رافعةً السنج والمطاوي والسيوف والكرابيج! كانت الصورة شديدة التعبير عن واقعيْن مؤلميْن، أحدهما يحركه نقاء شباب وحلمهم الرائع في حياةٍ كريمة، تحلّق فوقهم طائرات الإف 16 كنوعٍ من التخويف، فيما الآخر، يبحث عن مليونية الحزب التي باتت كزبد البحر، وتلفّت الخائفون على النظام.. فقال قائلٌ منهم: لا عاصم لكم اليوم إلا البلطجية! *** من بعيد، وعلى بعد مئات الكيلومترات، كان صوت ذلك الطفل الذي كان يصرخ في مظاهرة بالمنصورة في جموع الغاضبين، علامة على جيل الثورة الجديد الذي تمرد على التسلية.. "آه يا بلدنا.، يا تكيّة.. يا وسيّة.. نهبوكي الحرامية" أنها الصّرخة التي لم يسمعها الرئيس، ولم يفهمها نائبه.. ولم يحترمها وزير إعلامه، بل لم يلقِ لها بالاً أياً من حواريي الرئيس أو الحزب. إنها الصرخة التي حبست طويلاً تحت وقع الكهنة.. والسحرة الذين ألقوا حبالهم وعصيّهم في الساحة المصرية، معتقدين أن أفاعيّهم الموزّعة في طول البلاد وعرضها، فوق أرضها وتحتها، لتنهب كل خيراتها، غازها وكهريائها، فدادينها وفيللاتها، مصانعها وزروعها. قادرة على ابتلاع ما بقي من الكرامة المصريّة. *** من يذكر الآن السيّد صفوت الشريف الذي كان يشتّف آذاننا بمقولته الشهيرة "إننا نعيش أزهى عصور الديموقراطية"؟ ماذا يقول الآن عما يحدث في جمهورية ميدان التحرير؟ أليس ذلك نوع من أزهى عصور الحرّية من أجل أزهى عصور الديموقراطية؟ ربما كان المشهد الأخير والذي عرضته بعض الفضائيات مثيراً للغاية.. ربما يدلّل على كيف كانت تنظر كل رؤوس الدولة لمواطنيها.. في لقطات الفيديو، بدا هذا الرجل العجوز الذي دخل الميدان، وكأنه صحا من النوم للتوّ.. دون أن يدري ما حدث خلال أكثر من أسبوعين.. اندس وسط المتظاهرين وسأل بفزع: هو في إيه؟ أجابه متظاهر وهو يضحك: أصل في خناقة بين راجل ومراته. فردّ العجوز: طيب ما فيش حد يصلّح بينهم؟ فقال المتظاهر: أصل بقوا اتنين بيتخانقوا مع مراتاتهم. فنظر العجوز وكأنه يقصد الدبابات المنتشرة في التحرير.. ثم قال: طيب وإيه اللي هناك دا؟ فقال المتظاهر: أصل أميركا جات تتدخل. فخطا العجوز يمشي بين الجموع وهو يتمتم: طيب ما تجيبوا حكم من أهله، وحكم من أهلها ويخلّصوا الموضوع.. لحظة... الموضوع لسّه ما خلصش.. "لو صحّ للرئيس حسني مبارك في عزلته المزدحمة بالحيرة والخيارات العسيرة، أن يسأل المتظاهرين في ميدان التحرير، وفي كل مدينة مصرية تظاهرت ضده، ربما كان سؤاله:"أتقومون بالثورة قبل أن آذن لكم؟ إن هذا لمكرٌ مكرتموه بالمدينة" وقد يكون التساؤل الرئيس في محله.. فليس في مصر من شيء وقع خلال الثلاثين عاماً بدون إذنٍ من مبارك، وقد يكون من حقه أن يحتج عليهم: "أليس لي ملك مصر خوّلنيه الدستور، ولي البرلمان، أصرّفه بغالبية حزبي كيف أشاء، أعدّله حتى يوافي رغبتي المخلصة في خدمتكم دورةً بعد دورة، أتستبدلون الفوضى بالاستقرار؟، ألم تعلموا أني الضامن لاستقرار مصر ورفاهة شعبها؟ لكن كتاب التاريخ المفتوح والمليء بالعِبر، يقول إن الثورات هي الفعل الوحيد، الذي يقع ضد رغبة الحاكم، ورغماً عنه.. وبلا إذنٍ منه". هكذا قال تقريرٌ رائعٌ لإحدى الفضائيات.. قارنوا التقرير مع قصّة العجوز إياه.. لتكتمل الصورة.. قبل أن تغمضوا أعينكم على المشهد الأخير.. والقريب جداً. ـــــــــــــــــــــــــ ** كاتب صحافي مصري

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل