المحتوى الرئيسى

> «الطريق الدائري».. من الخاص إلي العام «رايح جاي»

02/10 11:23

هناك سؤالان محوريان في أي كتابة نقدية عن الأفلام : الأول هو: «ماذا يقول الفيلم» أما الثاني فهو كيف يقول، أي أننا ببساطة نتعامل مع شكل العمل الفني ومضمونه.. إذا طبقنا هذه القاعدة علي فيلم «الطريق الدائري» الذي كتبه وأخرجه وقام بمونتاجه «تامر عزت» في أول أعماله الروائية الطويلة، فسأقول لك إننا أمام عمل جاد يناقش قضايا مهمة، ولكنه - لا يفلح - مع الأسف في ضبطها في سياق واحد، يبدأ الفيلم من الخاص ثم ينطلق إلي العام، وما أن يصبح في الدائرة «الأوسع بفتح ملف الفساد حتي ترتد بسرعته إلي الدائرة الخاصة بل الأكثر ضيقاً، نبدأ الحكاية ولدينا مشروع بطل وننتهي ونحن أمام إنسان مهزوم ومحاصر أما من حيث الشكل فإن بعض الحيل السردية بالانتقال بين الماضي القريب والحاضر فشلت تماماً في إزالة الشعور بأننا رأينا هذه الحكاية من قبل «سواء في أفلام أو مسلسلات)، بل إن الصورة النمطية سواء للصحفي أو لرجل الأعمال الفاسد تطاردنا مؤكدة هذا الشعور. سأحاول فيما يلي أن أقنعك بهذا الحكم اعتماداً علي التحليل التفصيلي للفيلم، محور السيناريو بأكمله هو شخصية الصحفي «عصام نور الدين (نضال الشافعي) الصحفي الكبير في جريدة «الحقيقة»، وموضوع معاناته شخصي تحول إلي معركة عامة ضد الفساد، ابنته الوحيدة الطفلة ياسمين أصيبت بالفشل الكلوي وأصبحت تواظب علي جلسات الغسيل، ومن خلال هذه الجلسات اكتشف «عصام» أن هناك فلاتر ومحاليل غير مطابقة للمواصفات تؤثر سلباً علي صحة المريض، بل إنها أدت إلي وفاة عشرين مريضاً، وبالبحث والتنقيب من خلال بعض المصادر اكتشف الصحفي المعروف أن الفلاتر والمحاليل قادمة من مصنع للمستلزمات الطبية يمتلكه رجل الأعمال «رفعت رضوان» (عبد العزيز مخيون). هذه الحركة الأولي والأساسية في الفيلم موفقة تماماً لأن الهم الخاص (مرض الابنة) قادنا إلي الهم العام (الفساد الاقتصادي والسياسي أيضاً لأن الفيلم يجعل الوزير متواطئاً في ترسية صفقة لتوريد تلك المستلزمات المضروبة. بل إن هذه البداية تقول حرفياً إن الهم العام هو الهم الخاص بحذافيره وإن كنا لا نأخذ بالنا عادة من ذلك، الفكرة المجردة التي يطلعه عليها «الفساد» تؤثر علي أدق تفصيلات حياتنا، وأرجو أيضاً أن تلاحظ أن الصحفي ينطلق هنا من دوافع مختلفة وقوية مثل واجبه المهني، ورغبته في السبق، وواجبه الأخلاقي بالدفاع عن الضحايا، وواجبه كأب في حماية ابنته من خطر تلك الأجهزة. ولكن ما أن تبدأ خيوط المواجهة في التداخل حتي نكتشف أن الانطلاق من الخاص إلي العام أعادنا بشكل غريب إلي الأكثر خصوصية، كيف. بدلاً من أن تكون المواجهة بين «عصام» و«رفعت رضوان» في المقدمة مثلما كانت مثلاً بين «عادل إمام» و«فريد شوقي» في فيلم «الغول» الذي يظهر في أحد مشاهد الفيلم، سرعان ما أصبحت المواجهة بين «عصام » ونفسه بعد أن وقع في حب امرأة جميلة عثرت علي محفظته اسمها «أميرة (فيدرا) وتقدم نفسها علي أنها موظفة في بنك التنمية الذي تقدم «عصام» للحصول علي قرض منه لاجراء عملية زرع كلي لابنته، يسير خط البحث عن مستندات تدين رجل الأعمال بالتوازي مع نمو هذه العلاقة التي تشعر بها الزوجة «ياسمين» (سامية أسعد)، ولكنها تضبط نفسها حتي الانفجار، والمواجهة يفترض أن عصام مشغول أولاً بابنته المريضة وجلسات الغسيل، ومشغول ثانياً بجمع مستندات من مصادره، ولكنه فجأة سيتورط في هذه العلاقة التي تثير دهشة الزوجة ودهشتنا أيضاً، ويصبح التساؤل المشروع والمنطقي هو: كيف عدنا من الدائرة الأوسع (محاربة الفساد) إلي أضيق الدوائر ( وهي معاناة زوج علاقته فاترة مع زوجته التي تنسي عيد ميلاده)، لا تفسير عندي لذلك إلا أن المؤلف يريد أن يقول إن كل واحد منا لديه دائرة خاصة ومصالح محددة لا يستطيع أن يتجاوزها، وبالتالي نحن لا نستطيع أبداً أن ندخل إلي الدائرة الواسعة (دائرة الهم العام)، وأظن أن هذا التفسير صحيح لأن كل الذين يساعدون «عصام» في إدانة رجل الأعمال ينطلقون من مصالح صغيرة مباشرة، بل إن أحد المصادر يعطيه مستنداً مهماً مقابل المال، وصديقه «ألبير» الذي يقوم بتحليل الفلاتر في المعمل يقدم له «عصام» وعداً بالشهرة، وفي مشاهد سريعة معبرة نكتشف أن أهل ضحايا الفلاتر يتقاضون أموالاً من رجل الأعمال مكافأة لصمتهم، وفيما بعد سنعرف أن أميرة نفسها متعاونة مع رجل الأعمال لتوريط عصام في فضيحة لأنها تلقت وعداً بمساعدتها بالبحث عن ابنها الذي أخذه والده بعد الطلاق إلي «دبي». هذه ـ إذن - خريطة واسعة للمصالح الصغيرة جداً اشبه بالدوائر المتجاورة التي لن تقود أبداً إلي الدائرة الأوسع، والحقيقة أن عبارة الطريق الدائري لا تعني فقط المعني المباشر بأنه الطريق الذي ضرب فيه «عصام» من أعوان رجل الأعمال، ولكنها تعني - كما استنتج - أننا ندور بمصالحنا الصغيرة حول الوطن، نبدأ من نقطة خاصة، وما أن ننطلق إلي النقطة الأعم والأشمل (سبب المشكلة) حتي تعيدنا همومنا الصغيرة ومصالحنا الخاصة إلي النقطة الأولي. هنا فكرة لامعة جداً، توجد في الفيلم دلائل كثيرة عليها، ولكن المشكلة أن السيناريو نفسه أغرق الدراما بأكملها في المشكلة الأضيق، وأخذ المؤلف يتلاعب بالسرد الحاضر إلي الماضي الأقرب، ثم الماضي الأبعد، ثم يعود إلي الحاضر، تكدست المصالح الصغيرة، لدرجة أننا سنكتشف مثلاً سيدة مات زوجها وكان ينتظم في جلسات الغسيل تقتسم الأموال المخصصة للجلسات مع المستشفي حتي بعد وفاة الزوج، أما «عصام» الذي يقول لنا علي شريط الصوت إنه ذهب مع «أميرة» علي الطريق الدائري لإنهاء العلاقة، فقد تورط حتي النخاع في خيانة زوجته، ثم فشل تماماً في إدانة رجل الأعمال بالمستندات، ثم سقط نهائياً بقيامه بابتزاز رجل الأعمال بشريط مسجل للحصول منه علي 200 ألف جنيه لاجراء العملية، طبعاً ستجد في الطريق الكثير من السذاجات مثل خلط رئيس التحرير بين الخبر والمقال ومثل الطريقة السهلة التي تقتحم بها «أميرة» و«عصام» مقر رجل الأعمال، ومثل حصول «عصام علي شهادة وفاة عضو لجنة أضيف توقيعه علي سلامة المستلزمات الطبية بعد وفاته، وبدلاً من أن يقدمها عصام لدعم تحقيقه الصحفي فإنه يستخدم الشهادة لابتزاز رجل الأعمال، كلها ثغرات واضحة جداً تضعف تماماً من تأثير الحبكة ، وتذكرك أحياناً ببعض المسلسلات والأفلام العربية! لكن الضربة القاصمة للدراما، والتي لم ينتبه لها «تامر عزت» هي أن انصراف الجميع - وعلي رأسهم «عصام» للدفاع عن مصالحهم الخاصة لم يجعل رجل الأعمال شريراً لأنه ببساطة يدافع مثلهم عن مصالحه الخاصة ( بالطبع مع اختلاف في التفاصيل)، بل إن قبول «عصام» لتحويل مبلغ 200 ألف جنيه من رصيد رجل الأعمال لإجراء عملية زرع الكلي لابنته يعني أنه يقبل أموالا تم الحصول عليها علي جثث ضحايا المستلزمات المضروبة، لم يعد هناك إلا صراع بين رجلين كل منهما يدافع عن مصالحه الخاصة، والأعجب أن حلّ كل المشكلة سيتم ببساطة متناهية بدعم من خاتم ثمين باعته «أميرة» بالإضافة إلي موارد أخري ظهرت فجأة، وتنتهي دائرة التشوش بنجاح عملية كانت ستتم بأموال رجل فاسد لولا تأخر تحويل النقود 48 ساعة(!!) ثم يثرثر «عصام» علي مائدة الطعام مع زوجته (التي صفحت عنه) وابنته (التي ودعت المرض) بأسئلة وجودية بلا معني عن سبب حب أميرة له، وعن تخوفه من رد فعل رجل الأعمال، ولكنه ينسي التساؤل الأهم وهو: «إذا كنت أنا قد فعلت ذلك من أجل مصلحتي الخاصة (سواء في علاقة الحب أو في توفير الأموال للعملية) فكيف يمكن أن أدين هذا القول في تصرفاته دفاعًا أيضًا عن مصالح خاصة؟! أصبحت الدائرة الأوسع - إذن - في غرفة الإنعاش، وعدنا من جديد إلي صراع المصالح الصغيرة حيث الكل مذنبون والتفاوت فقط في الحجم والدرجة، بل إن موقف «عصام» المتأمل علي مائدة الطعام أسوأ بكثير من موقف الرجل البائس الذي باع كُلية ابنه من أجل المال، لماذا؟ لأن الصحفي الذي يعمل في جريدة اسمها الحقيقة أصبح متواطئًا علي الحقيقة، لقد اكتشفنا أخيرًا أن سيارة الفيلم قد خرجت عن الطريق الدائري وسقطت إلي القاع، واعتقد أن «تامر عزت» وصل إلي هذه النتيجة المؤسفة لأنه بدأ من فكرة لم ينجح في انضاجها وتطويرها، فانطلق إلي فكرة أخري جعلت كل أبطاله في نفس السلّة، وجعلت تعليقات «عصام» علي حكايته مجرد «ثرثرة» من واحد «مثقف» بدأ بطلاً وانتهي مشاركًا في الفساد! لو قارنت بين بطل فيلم الغول - الأكثر بساطة وعمقا في معالجة موضوعية وبين بطل الطريق الدائري لوجدت المسافة شاسعة إنها بالضبط المسافة بين أن تمسك بموضوعك من البداية والنهاية، وبين أن يأخذك الموضوع نفسه في اتجاهات شتي، هنا لن يفيدك كثيرا أن تتلاعب بالسرد، وأن تثبت الكادر لتعود إلي الماضي فتتأهب لاكتشاف أشياء خطيرة، ثم نكتشف أن هذه العلاقات شاهدنا ما يقترب منها في أفلام سابقة بل أنني توقعت بسهولة تواطؤ «أميرة» بسبب لقطات رد الفعل علي وجهها كلما تلقي «عصام» تليفونا من أحد مصادره حتي مساعد رجل الأعمال والطريقة التي يتحدث بها تذكرك بـ«عادل أدهم» في أفلام بداية السبعينيات! لاشك عندي أبدا في موهبة تامر عزت الذي قدم أحد أجمل الأفلام الوثائقية وهو فيلم «مكان اسمه الوطن» بعمقه وشاعريته وصدقه، ولكننا نتحدث هنا عن عمله الروائي الطويل الأول حيث تتركز المشكلات في السيناريو، وحيث يمكن أن تتقبل تفاوت مستوي أداء الممثلين أحيانا بسبب قلة خبرة المخرج، فمن مشهد متميز جدا مثل مشهد المواجهة بين الزوجة وزوجها عصام إلي مشهد مسلسلاتي بامتياز مثل مشهد المواجهة بين عصام ورجل الأعمال في مكتبه، ولكن يحسب لـ«تامر عزت» المونتير تدفق الايقاع وقوة تأثير بعض المشاهد «إغلاق الأبواب في وجه عصام» عند زيارته لعائلات ضحايا الفلاتر» ويحسب له دفع الموهوبين الثلاثة «نضال الشافعي» و «فيدرا» و«سامية أسعد» خطوات للأمام، الثلاثة يستحقون مكانة جيدة بمواهبهم وقدراتهم واعتقد أنهم سيحققون ذلك أما عبدالعزيز مخيون فقد بدا لي أنه خرج لتوه من مسلسل عربي عن المفسدين في الأرض كانت الشخصية نمطية إلي أقصي مدي بل وبدا لي أحيانا أن الحرب لم تكن ضده ولكنها كانت أساسا حرب «عصام» ضد نفسه!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل