المحتوى الرئيسى

> «فاصل ونعود»

02/10 11:23

هناك نوعان من الأفلام يجب تشجيعهما: النوع الأول هو الفيلم الفني الذي يُقدِّم تجربة خاصة وفريدة بشرط أن تكون ناضجة، والنوع الثاني هو الفيلم جيد الصنع الذي يتعامل مع قوالب محددة ولكن بطريقة مبتكرة ومتقنة، وكنت - ومازلت - اعتقد أن زيادة عدد الأفلام جيدة الصنع يزيد من فرصة تقبُّل الجمهور للفيلم الفني، لأنه يرتفع بدرجة تذوق الجمهور لعناصر الفيلم، ويزيد - نظريًا علي الأقل - من استعداده لقبول سينما مختلفة. وفيلم «فاصل ونواصل» الذي كتبه الثنائي الموهوب أحمد فهمي وهشام ماجد واخرجه أحمد نادر جلال، من النوع الثاني بامتياز، عمل متقن الصنع في معظم عناصره، لا يكتفي بأن يقدم نوعا واحدا من الافلام، وإنما يقدم خليطًا من عدة أنواع، وباستثناء بعض الملاحظات فإن النتيجة مقبولة جدًا رغم صعوبة مزج الأنواع كما شرحت سابقا عند تحليل بعض الأفلام الاجنبية، نستطيع أن نقول إن فاصل ونواصل دراما بوليسية اجتماعية كوميدية مع جرعات من الأكشن. كان يمكن زيادتها باطمئنان لأن الأساس الدرامي قوي، بل إن لدينا خطًا نفسيًا رقيقا كان يحتمل الفيلم تدعيمه، ولكن حتي ما وصلت إليه عملية المزج كان جيدا جدا، وكان الفيلم ممتعًا علي وجه العموم. لابد من الاشارة قبل أن نفصل ما ذكرناه اجمالاً إلي أمرين: الأول هو أن الثنائي أحمد فهمي، وهشام ماجد وزميلهما الثالث شيكو متأثرون بالسينما الأمريكية، ولكنهم موهوبون يأخذون ما يصلح ويضيفون إليه، كما أن تأثرهم لحسن الحظ، تركز بوضوح علي أبرز نقاط تفوق الفيلم الأمريكي وهو السيناريو المتماسك، ولذلك سنجد في «فاصل ونواصل» شغلاً واضحًا علي السيناريو والتفاصيل الصغيرة وهو أمر نبحث عنه احيانًا بالميكروسكوب في الأفلام المصرية، خصوصا في الأفلام الكوميدية، من الواضح أيضًا أن فهمي وماجد يعرفان فكرة الأنواع في الفيلم الأمريكي، ولعلهما أيضا اكتشفا أن الفكرة تطورت إلي ما يشبه كوكتيل الأنواع، ربما لا يكون هذا المعني واضحا في ذهنهما من الناحية النظرية، ولكنهما يشاهدان الأفلام الحديثة الأمريكية، ويكتشفان في الغالب أن السيناريوهات ليست بسيطة علي الاطلاق. أما الأمر الثاني الجدير بالتنويه فهو الثنائي كريم عبد العزيز بطل «فاصل ونواصل» و«أحمد جلال» مخرج الفيلم، من الواضح أيضا أن الاثنين اللذين قدما تجارب سابقة ناجحة - لديهما بالفعل افكار مختلفة للتعاون المشترك، فيلما «أبو علي» و«واحد من الناس» هما الفيلمان الأبرز في تعاونهما السابق، واعتقد أنه مازال لديهما الكثير مستقبلا لو اقتحما مناطق جديدة بدون حذر أو حسابات، ولاشك أن التفاهم بين الاثنين ساهم في أن يخرج «فاصل ونواصل» بصورة جيدة عموما رغم وجود ملاحظة هنا أو هناك. قلت إن إحدي نقاط تميز «فاصل ونواصل» الأساسية في جراءة المزج بين عدة أنواع، قلب الفيلم والبناء بأكمله هو الخط البوليسي لأن الحدث المحوري هو اختطاف الطفل «حسن» ابن سائق التاكسي عربي (كريم عبد العزيز)، وتوزيع الاتهامات بين جد الطفل تاجر الخردة خيري (أحمد راتب) الذي كان ضد زواج ابنته الراحلة «منة حسن»، والذي يرغب في تربية الطفل في بيئة أكثر ثراء، وبين عربي نفسه الذي يتردد احتمال أن يكون قد دبر فكرة اختطاف ابنه لابتزاز الجد، والحصول منه علي فدية تعين الأب الفقير علي مواجهة تكاليف الحياة. الخط البوليسي سيؤكد نفسه من خلال ظهور رجل بوليس يتولي التحقيق في الاختطاف (الموهوب محمد فراج)، ثم في محاولة «عربي» انقاذ ابنه بنفسه وصولاً إلي مفاجأة النهاية المدوية التي لا يمكن كشفها حتي تستمتع، بحصاد هذا البناء المتقن، ورغم أن هذا الخط البوليسي هو قلب السيناريو كله ومحوره إلا أن هناك طبقات رقيقة تحيط به، وتقوم معه بما اطلق عليه التغذية المتبادلة، هناك أولاً الخط الاجتماعي الذي لولاه ما حدث الصراع أصلاً، فالجد يعادي زوج ابنته الراحلة صراحة، ويخسر قضية ضم الطفل، وفي الخط الاجتماعي أيضاً إحساس «عربي» بأنه إنسان من الدرجة الثانية لأنه لم يستطع العمل بمؤهله الأصلي تخرج في كلية السياحة والفنادق وتتكرر في مشاهد دالة عملية إهانة «عربي» عند تعامله مع الشرطة، في النهاية يبدو «عربي» إنسانًا بدون سند إلا ابنه الصغير وصديقه الوحيد لاعب العرائس «صلاح» (محمد لطفي)، ونتيجة هذه المعلومات الجيدة عن مكانة «عربي» الاجتماعية، أو عن علاقته الرقيقة والجميلة مع ابنه «حسن»، فإن عملية الاختطاف بالنسبة له ليست مجرد مغامرة بوليسية ولكنها كارثة كاملة، وهي أيضاً فرصته لكي يستعيد آخر آماله في الحياة. ولكن اختطاف الطفل، وتحريره، واكتشاف خاطفيه لا يتم بصورة سلسة بسبب دخول الخط الكوميدي والنفسي، ففي أثناء اختطاف الطفل، يتم ضرب الأب علي رأسه ليصاب بحالة نادرة نفسية وعضوية معًا هي تذكر كل ما حدث له قبل الحادثة بشكل كامل ولكنه سينسي كل شيء بعد أن يراه لمدة ثوان معدودة، ستصبح ذاكرة «عربي» مثل ذاكرة السمكة التي لا تحتفظ بالمعلومات إلا لمدة وجيزة جداً، وبسبب ذلك تتولد مواقف كوميدية لا حصر لها لأن الشخص المنوط به إيجاد ابنه ينسي كل كان من يقابلهم بعد أن يلتقي بهم لفترة وجيزة، الحقيقة أن فكرة الفقد الجزئي للذاكرة، أو حتي الفقد اللحظي ليست جديدة، شاهدنا مثلاً أحد تنويعاتها في فيلم «ميكانو» الذي استخدم الفكرة القادمة من فيلم أمريكي ووظفها في سياق آخر. ولكن الثنائي «فهمي» و«ماجد» لم ينجحا فقط في استغلال فكرة ذاكرة السمكة القصيرة، لتوليد مشاهد كوميدية جيدة، ولكنهما ذهبا إلي خطوة أعمق عندما استغلا مشكلة البطل النفسية والعضوية لتعقيد الحبكة البوليسية، بل إن حل الحبكة بأكملها يعتمد علي تذكر «عربي» للوجوه التي قابلته لتسليم مبلغ الفدية، وكان أحدهم يعتمد علي أن سائق التاكسي لن يتذكره، كان هناك أيضاً نجاح جيد في إبراز حيرة «عربي» مع ذاكرته القصيرة، ومحاولته مقاومة النسيان بالكتابة في كل مكان: علي الحوائط، وعلي الأوراق، وعلي جسده، ثم اعتماده علي تسجيل الاعترافات ليتذكرها. ربما كان السيناريو يحتمل ضبطاً أكثر للخط النفسي، لأن الطبيبة المعالجة «بتول» (دنيا فؤاد) تحدثت عن أن العلاج النفسي للسائق أهم من العلاج بالعقاقير، وليس هناك من علاج - فيما أظن - أفضل من أن ينجح «عربي» في استعادة ابنه في النهاية، وربما كان السيناريو يحتمل زيادة مساحة «الأكشن» بسهولة، رغم وجود مشاهد جيدة جدًا في تنفيذها، وربما كان الخط الاجتماعي يحتمل بعداً عاماً واضحاً باعتبار أن الشخص الهامشي (مثل عربي) لا يمكن أن يستعيد حقه إلا بنفسه، ورغم هذه الملاحظات فإن السيناريو متماسك إلي حد كبير، وبناء الحبكة البوليسية التي تمثل قلب الفيلم جيد في تفاصيله، والامتزاج عموماً بين كل هذه الخطوط الاجتماعية والبوليسية والنفسية والحركية والكوميدية «جيد» جداً ومن النادر أن نراه في أحد الأفلام المصرية. علي مستوي التنفيذ، بدا لي أن المخرج «أحمد جلال» يدرك أنه يُقدّم عدة خطوط في فيلم واحد مركب، ولكن بصمته الأهم كانت في اتقان مشاهد كشف الحبكة البوليسية وخاصة في تتابعات تذكر «عربي» لعدة تفصيلات تقوده إلي الشخص الذي دبّر هذه الحادثة، وكانت البصمة الأهم للمخرج أيضًا في مشاهد الأكشن المُتقنة، وينطبق هذا الاتقان أيضًا علي مونتاج «دعاء فتحي» وصورة «سامح سليم» وموسيقي «خالد حماد»، ولكني لاحظت قطعات خشنة في مشاهد عادية حوارية حيث يغيب مشهد رد الفعل الهام، أو نقفز فجأة من لقطة بعيدة إلي «كلوز أب»، موسيقي «خالد حماد» كانت أكثر قوة وتأثيرًا في المشاهد البوليسية والحركية، الحقيقة أن مزج الأنواع والخطوط يشكل مأزقًا حقيقيًا لأي مؤلف موسيقي ولأي مدير تصوير، لأن عليه أن يضع غلافًا عامًا (سمعيًا وبصريًا) يحفظ للعمل تماسكه، وإلا أصبحنا أمام مجموعة مشاهد متناثرة تختلف عن بعضها أسلوبًا وإيقاعًا، ولا شك أن السيناريو المتماسك أصلاً الذي يشغل الخط البوليسي عموده الفقري قد ساهم في الخروج من المأزق بطريقة معقولة ومُرْضية، لاحظتُ أيضًا أن شقة «عربي» كانت واسعة بدرجة لافتة ولا تتناسب مع سائق تاكسي حتي لو كان يكسب الكثير، فقد كان من الأفضل أن تكون ضيقة حتي تترجم حالة الضيق التي يمر بها علي مستوي ذاكرته أو علي مستوي اختطاف ابنه. في عنصر التمثيل كان «كريم عبدالعزيز» في أفضل حالاته، أقنعنا وهو سائق للتاكسي، وكذلك عندما فقد ذاكرته بشكل جزئي، وأيضًا عندما شعر بالهوان والتهميش، وفي علاقته الدافئة من طفله، وكذلك في مشاهد الحركة، وفي ضبط الإفيهات الكوميدية، لا حدود لحضور «كريم» وقبوله وموهبته، وهو يستطيع أن يقدم أدوارًا متعددة مختلفة، ولو جعل طبقة صوته منخفضة قليلا وهو يلقي «إفيهاته» لكان ذلك أفضل وأكثر تأثيرًا، ولكن ظل هذا الحضور الواضح من «كريم» تقابله حالة غياب من «بتول» التي لعبتها «دينا فؤاد»، كانت العلاقة بينهما تحتمل أيضًا خطًا رومانسيًا، ولكن المشكلة أن اجتهاد «دينا» في أعمالها السينمائية لا يؤتي ثماره، السينما بالذات تحتاج هذا البريق والحضور ربما أكثر من الاجتهاد، أما «أحمد راتب» فمشكلته عكسية، لأنه يؤدي بطريقة مبالغ فيها فيبدو حضوره متعمدًا هو ممثل كبير يستطيع أن يؤدي بطريقة أبسط وأكثر تأثيرًا بدلاً من تضخيم الصوت بصورة مسرحية تمامًا، الموهوب «محمد لطفي» يثبت في كل مرة أن لديه هامشًا واسعًا جدًا من الإقناع، وجهه يمكن أن يكون لرجل طيب ساذج، وفجأة يمكن أن يقنعك بأنه رجل شرير وشديد القسوة، وبين الوجهين توجد عشرات الأدوار التي يمكن أن يلعبها «لطفي» الذي ظلمته كثيرًا الأدوار الكوميدية التافهة، أما «محمد فرّاج» صاحب المشهد العبقري في مسلسل «الجماعة» فقد نجح في أداء دور الضابط واستخلص منه بعض اللحظات الكوميدية.. «فرّاج» ممثل موهوب ويحتاج إلي مزيد من الفرص والأدوار المتنوعة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل