المحتوى الرئيسى

> العالم العربي ونظريات التغيير

02/10 11:23

شهد العالم العربي منذ بداية الألفية الجديدة تبلور العديد من النظريات الخاصة بالتغيير، بعضها حاولت أطراف فرضها من الخارج، والبعض الآخر بدأ الحديث عنه في الفترة الأخيرة انطلاقا من التطورات المتلاحقة علي الساحة التونسية وتعبير بعض القوي الخارجية عن قلقها من احتمال انتقاله إلي دول أخري خاصة في المنطقة، وبعيدا عن القضايا الجدلية والمواقف المتضاربة التي تحيط بهذا الموضوع الشائك، قد يكون من المفيد طرح عدد من النقاط للبحث نلخصها فيما يلي: 1. يثير موضوع التغيير العديد من الإشكاليات الجدلية تتصل بالأهداف والوسائل والنتائج، فمن جانب، يثار التساؤل حول ما إذا كان "التغيير" غاية في حد ذاته أم وسيلة للوصول إلي تحقيق أهداف ومطالب محددة قدر البعض صعوبة تحقيقها في ظل ظروف معينة قائمة في مكان أو زمان محددين، ومن جانب آخر، تأتي إشكالية الوسيلة، فالوسائل التقليدية المعروفة حتي الآن تمثلت في الثورات أو الإضرابات أو المنافسة الحزبية أو الإصلاح، وتتمثل المشكلة في هذا الصدد في اختيار ما يتناسب مع المواقف في ظل حسابات موضوعية، وفيما يخص النتائج، تبرز إشكالية كيفية الالتزام بالأهداف المحددة بما لا يعود بالضرر علي الوطن موضع النقاش، بشكل تنفلت فيه الأمور وتتلاشي المكاسب المنتظرة لتحل محلها خسائر ملموسة. 2. إن "نظرية الدومينو" التي تم طرحها خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، ومن ورائه تيار المحافظين الجدد، لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط انطلاقا من مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان فضلا عن الإرهاب، قد باءت بالفشل في أولي محطاتها المتمثلة في العراق، والتي علي الرغم من سقوطها تحت الضغط العسكري ومن قبله الاقتصادي، لم تشهد بعد الاستقرار والتنمية والرفاهة التي تؤهلها لتكون "النموذج الديمقراطي" الذي سعت الإدارة الأمريكية آنذاك للتأسيس له كقطعة أولي تتبعها قطع أخري علي رقعة الدومينو في المنطقة. 3. ارتبطت نظرية "الدومينو" بنظرية أخري ليست بعيدة عنها تماما، ألا وهي "الأواني المستطرقة"، وكما هو الحال في الأولي، تستند الثانية علي فكرة سريان التغيير في الجزء في شرايين الكل، علي افتراض وحدة المصير والترابط والتشابه في المعطيات، ومع ذلك فإنه علي خلاف النظرية الأولي، فرضت النظرية الثانية نفسها علي الواقع العربي من الداخل، في ضوء ما شهدته تونس من تطورات أسفرت عن تغيرات متلاحقة مست قمة الهرم السياسي، لتحدث تغييرا تم تقديمه علي أنه نموذج يمكن الاحتذاء به في المنطقة، علي الرغم من أنه ما زال في مراحله الأولي ولم تتضح بعد انعكاساته بعيدة المدي علي تحقيق المطالب الشعبية التي تدور بشكل أساسي حول مشاكل الحياة اليومية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية. 4. وبين هاتين النظريتين يقف أسلوب "التغيير التدريجي" من الداخل، وهو الأسلوب الذي رفعته الدول العربية في مواجهة نظرية "الدومينو"، وتحتاج إلي تفعيله وإضفاء المزيد من الديناميكية والمصداقية عليه في تعاملها مع "نظرية الأواني المستطرقة"، في ضوء ما تحمله من بريق وتستثيره من رغبة في المحاكاة في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، دونما أخذ في الاعتبار الاختلافات الهيكلية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية بين الدول ومواطنيها في المنطقة. 5. إذا كان احتمال المحاكاة أمراً مطروحاً علي الأقل نظريا، فإن المقترب البديل المتصل بالتغيير التدريجي علي أن يثبت قدرته علي مواجهة واقع التحديات التي يعيشها الشارع، سعيا إلي التغلب عليها، أو التقليل منها من جانب، وحماية للاستقرار والأمن من جانب آخر، فلا جدال أن "التغيير" الذي يطالب به المواطن يختلف اختلافا جذريا عن ذلك الذي تسعي إلي تحقيقه جهات خارجية تجد في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية القائمة تربة خصبة للترويج لأفكارها، الأمر الذي يحمل في طياته مخاطر الانفلات والانحراف عن تحقيق الأهداف المشتركة التي تسعي للصالح العام. وفي الخاتمة يمكن القول أن "التغيير" أضحي ضرورة في المنطقة، وتتمثل الإشكالية الرئيسية في تعريفه وتحديد الوسائل المناسبة للوصول إليه وفقا للمعطيات القائمة، وإذا كانت النظريات السالف الإشارة إليها تقوم علي مقولة أن المنطقة العربية تمثل جسدا واحدا، فقد يكون من المنطقي أن تتضافر أجهزة هذا الجسد لمعالجة أمراضه بطريقة تجنبه تبعات استشراء هذه الأمراض.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل