المحتوى الرئيسى

> إعمال العقل

02/10 11:23

في المقالين السابقين تكلمتُ عن أحداث تفجيرات الإسكندرية وركزت علي عدم الإفراط في العواطف وضرورة التركيز علي إعمال العقل في فهم ما يدور حولنا، خاصة حول التطرُّف والمتطرّفين أيا كانت ديانتهم، ففي كل الملل والنحل تطرُّف حتي في أوساط العلمانيين تطرُّف.. وهذه حقيقة لابد منها إن كنا صادقين في معالجة أصل الداء الذي أحدث تفجيرات الإسكندرية وغيرها في السابق وربما في المستقبل وهذا احتمال راجح لأن أصل الداء مازال كامناً في الجسد المصري بغض النظر عن حجم المصابين به، فالجامع المشترك الذي يربط كل المتطرّفين المنتسبين للإسلام هو عدم اعترافهم بولاية الحاكم القائم في مصر، فبعضهم يكفره والبعضُ يسقط ولايته دون تكفير وطائفة أخري اعتبرت الزمان الحالي في البيئة المصرية يخلو من إمام (أي حاكم)، وبالتالي أنشأوا تنظيمات غير معلنة أو معلنة لتقوم حسب زعمهم بإقامة الفرائض والواجبات المنوطة بالحاكم. لذا فهم يجمعون الزكاة مثلاً ولو في السر وينفقونها وفق رؤيتهم، كما أن لهم أمراء لكل فصيل من فصائل المجتمع حسب قدرتهم التنظيمية، فهناك مسئول أكبر في الإسكندرية وهناك مسئول أدني في دمنهور وهناك مسئول ثالث في مطروح وآخر في الصحراوي.. وهكذا حسب إمكانياتهم المتاحة فهؤلاء تجمعهم عقيدة واحدة ألا وهي خلو الزمان والمكان في مصر من الإمام (أي الحاكم)، وهذه المسألة قد يتعامل معها المفكرون الليبراليون بشيء من الاستخفاف لعدم إدراكهم المغزي العقيدي والعملي من الاعتقاد بتكفير الحاكم أو إسقاط ولايته أو اعتبار عدم وجوده أصلاً، فنحن هنا أمام كيانات تفرض شرعيتها علي مجموعات من الناس، وبالتالي ممكن تحدث أي فواجع ولو لم تكن بتوجيه من هؤلاء الأمراء، لأن الشحن العقدي مستمر من خلال دروس في المساجد أو في البيوت أو علي مواقع الانترنت أو الهواتف أو دور النشر أو من خلال الانكباب علي رسائل وكتب لرموز هذه التجمعات، بل إن هذه التجمعات كثيراً ما تلجأ إلي ما يعرف عند الشيعة بالتَقِية، وذلك حينما يضَيق عليهم فتسمع منهم شجباً للإرهاب وفي الوقت نفسه هم ضالعون فيه أو في تهيئة التربة له، ويوضح هذا المنطق أحد رموز هذه التيارات واسمه صلاح الصاوي في كتابه "الثوابت والمتغيرات" ص265 حيث يقول: "ولا يبعد القول بأن مصلحة العمل الإسلامي قد تقتضي أن يقوم فريق من رجاله ببعض هذه الأعمال الجهادية، ويظهر النكير عليها آخرون، ولا يبعد تحقيق ذلك عمليا إذا بلغ العمل الإسلامي مرحلة من الرشد، أمكنه معه أن يتفق علي الترخص في شيء من ذلك، ترجيحًا لمصلحة استمرار رسالة الإسلاميين في هذه المجالس بغير تشويش ولا إثارة". فانظر إلي هذا المنطق وهو منطق سائد فقد وجدنا دعاة نادوا بالعصيان المدني ونادوا بالمظاهرات ونادوا بالعمليات الاستشهادية ونادوا بفرضية الجهاد فرض عين، ونادوا بضرب المصالح الأمريكية في المنطقة العربية ونادوا بقتل أي يهودي علي أرض مصر، فلما وقعت فجيعة تفجيرات الإسكندرية أعلنوا براءتهم وإدانتهم رغم أن أفكارهم ومناهجهم مع هذه التفجيرات، بل العجب حينما طُرح حكم شرعي في حق من يخرج علي الحاكم المسلم المتمكن، قالوا هذه فتاوي عنف وإرهاب وهو نفس منطق من قتلوا الذهبي واعتدوا علي نجيب محفوظ، ولم يذكروا في استهجانهم الذين أفتوا بتكفير السادات وقتله، رغم أن عقوبة من يخرج فعلاً علي السلطان مخولة للسلطان نفسه في الشريعة وليس لعموم الناس، أما الذين قتلوا القاضي الخازندار والنقراشي ثم السادات والشيخ الذهبي وفرج فودة. إنما أصدروا أحكاماً بالتكفير أولاً ثم نفذوا هم الحكم بالقتل لأنهم لا يعترفون بولاية الحاكم القائم في مصر، إذن فنحن أمام قوم يتلونون كالحرباء إذا كان التيار معهم ارتفعت أصواتهم واستخدموا شوكتهم وإذا كان التيار ضدهم هادنوا وخفتت أصواتهم ولكن الفكر قائم والمناهج هي هي. إن خوارج الماضي كانوا فيهم ثمة رجولة رغم أن الرسول - صلي الله عليه وسلم - سماهم كلاب أهل النار، لأنهم كانوا يعلنون الحاكم بخروجهم المسلح وجهاً لوجه، أما خوارج هذا العصر ففيهم غدر وخسة وندالة لأنهم يقاتلون خفية وغيلة دون إنذار. لا يفرقون بين مدني وعسكري أو بين مسلم وذمي أو بين طفل وامرأة، بل تطور خروجهم إلي أن يضربوا أهدافهم المدنية أو الذمية ثم يركضون في جنح الليل أو في زحمة المواصلات، حتي وصلنا إلي إحياء ما كان عليه جماعة الحشاشين في الماضي من تشكيل شباب بوسائل معنوية وعقدية ونفسية علي استعداد أن يلغموا أنفسهم بالمتفجرات ليقتحموا التجمعات البشرية أيا كانت ديانتها، فيفجرون أنفسهم ويلقون حتفهم تاركين وراءهم ضحايا أبرياء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا قال تعالي (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يحْسِنُونَ صُنْعاً) [الكهف 103، 104] وكما قال الرسول - صلي الله عليه وسلم - في حق الخوارج أنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يحسبونه لهم وهو عليهم. لذا إن أردنا المعالجة الحقيقية علينا أن نأتي علي النصوص التي يستند إليها هؤلاء المتطرفون والإرهابيون ونُبين بالأدلة ذاتها بإسناد كلامنا للصدر الأول من الصحابة في فهمهم لذات النصوص ثم نعرضها علي الناس ليس مرة دون أخري بل مرات ومرات حتي يستوعبها جميع الناس فتتوفر لديهم حصانة فكرية من أفكار المتطرفين والإرهابيين. ليسانس شريعة - دبلوم في الدعوة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل