المحتوى الرئيسى

> 3 ساعات بين عشش بائعات الهوي.. وغرز القمار في أطراف «جوبا»

02/10 11:23

بينما كانت تسيطر فعاليات استفتاء تقرير مصير جنوب السودان علي الشارع الجنوبي خاصة في العاصمة جوبا، ورغم ان كثيرا من الجنوبيين استقبلوا الحدث الفاصل في تاريخهم وكأنه عيد لهم ارتدوا فيه الجديد من الثياب واحتفلوا برقصاتهم القبلية به الا أن هذه الأجواء كانت مختلفة وبعيدة عن اهتمامات سكان " حلة جومبو " حتي وان تعددت اللافتات والشعارات المؤيدة للانفصال في شوارعها. البساطة والبدائية طابع يميز المكان ..حركة الناس تشير الي ان هناك عرفا او ضوابط يلتزم بها الجميع.. ايضا تشعر من البداية وكأنها مكان للهو والمتعة فهناك مجموعات تلعب القمار.. واخرون في البارات والملاهي المنتشرة هناك.. لكن المفاجأة ان معظم سكانها من اوغندا وبعضهم من كينيا جاءوا للبحث عن لقمة العيش لدي الجنوبيين بوسائل مختلفة. حكايات ومفاجآت رصدتها "روزاليوسف" في جولة استمرت نحو 3 ساعات.. خرج علينا خلالها رجلان "وثبتونا " مطالبين ان نعطيهم ما نملك من فلوس.. وانتهت بنصيحة من شاب قال لنا يجب ان تخرجوا من هنا لان حياتكم في خطر.. والي تفاصيل الجولة. تقع حلة جومبو علي اطراف مدينة جوبا وتحديدا في المنطقة الشرقية لنهر بحر الجبل وهو اكبر انهار الجنوب حيث الوصول لها عن طريق المرور علي كوبري " جوبا بريدج " المؤدي الي طريق " نمولي " وهي اولي مناطق الحدود بين جنوب السودان واوغندا ..والحلة تعني القرية او المنطقة السكنية الصغيرة . البيوت عبارة عن عشش صغيرة بدائية معظمها من الخشب والصفيح ومساحتها لاتزيد علي متر ونصف المتر للغرفة الواحدة تكفي لعيش اثنين او ثلاثة ..ايضا الشوارع ضيقة جدا ومداخل البيوت متداخلة بحيث يمكن ان تدخل في بيت من شارع وتخرج منه علي شارع اخر .. اصوات الاغاني بالملاهي مرتفعة ويسمعها الجميع. الفتوة: يحل المشاكل.. ويشرف علي الزواج وما ان وطأت اقدامنا الي حلة "جومبو" الا وشعر اهلها بان هناك شيئا غريبا في المكان.. فهم يعرفون بعضهم البعض جيدا.. وبمجرد وصولنا طاردتنا انظار كل من يقابلنا ، بل اقترب منا البعض ما بين مستفسر عن هويتنا، او مرحب بهدف التعرف علينا. في البداية اخترنا الجلوس علي مقهي في اول الحلة لنجس من خلاله النبض ونتعرف منه طبيعة المكان وطبائع اهله ومن ثم آلية التعامل معهم.. عشرات الاشخاص يجلسون تحت ظلال شجرة ضخمة ,يتخذون من جذورها التي تمتد بصلابة لتغطي مساحة كبيرة مساند لاراحة ظهورهم، ويجلس الجميع في مجموعات منهم من يتباري في لعب " الكوتشينة " أو "الدومينو" ومنهم من يجلس للتسامر ومتابعة من حوله. " تفضلوا هنا ".. بهذه الكلمات استقبلتنا صاحبة المقهي وخصصت لنا مكانا اسفل شجرة المانجو التي يحتمي في ظلها كل من علي القهوة ..وما ان طلبنا " الجبنة " المشروب الشعبي بالسودان وهي قهوة بالزنجبيل الا واقترب منا شخص كبير في السن فارع الطول.. يحمل عصا في يده القي تحيته وسلم علينا وجلس بجوارنا.. وقال من انتم؟ قبل ان نجيب طلبنا التعرف عليه، وقال ان اسمه كود دينج وهو " سلطان الحلة " أي عمدة القرية والمسئول عنها الا ان مهمته ودوره اشبه بدور الفتوة الذي كان موجودا في حارات مصر قديما حيث يتجول في المنطقة بالنهار لتأمين اهلها من اي اعتداء والجميع يسمع كلامه ويلجأ له في اي مشكلة. السلطان كود دينج قال ان مهمته الاساسية هي حل مشاكل الناس في المنطقة وفض اي خلافات بينهم، كما انه يشرف علي حفلات الزفاف والاتفاقات الخاصة بالمهر حيث قال ان مهر العروسة قد يصل الي 200 بقرة حسب جمالها ، ويقاس جمال المرأة هناك حسب طولها وشدة سوادها. عندما اطمأن السلطان لنا وعلم اننا صحفيون من مصر جئنا لتغطية حدث الاستفتاء اراد ان يذهب ويتركنا في مهمتنا ، لكنه رفض في البداية ان نلتقط له صورة، وقال اذا اردتم صورة فلتكن في الغد حتي يتمكن من ارتداء ثوب جديد يظهر فيه بصورة جيدة. وكانت تلك المقابلة فرصة جيدة حتي نتمكن من التجول بامان في اركان " الحلة " التي تبدو عليها الغموض. بيوت المغتربات أول ما لفت النظر في جولتنا بحلة جومبو تلك الشابة التي تقوم بكي الملابس.. حيث تقف في محل ضيق ممتلئ بملابس مختلفة وفي يدها مكواة بدائية من الحديد يتم تسخينها اولا قبل الكي.. اقتربنا منها وقالت ان اسمها برجيت من اوغندا جاءت الي الجنوب بحثا عن لقمة العيش واختارت ان تعمل في كي الملابس خاصة وان هذه المهنة غير منتشرة هنا .. وقالت ان اسعار الكي هنا لاتتجاوز جنيها للقطعة الواحدة.. كان هناك مدخل لمجموعة من العشش أخبرنا أحد المارة أنها تستخدم لايواء المغتربات الأوغنديات اللاتي يأتين للعمل في جوبا، حيث يجتمعن ليلا معا بعد أن تنتهي كل منهن من عملها , دخلنا احد البيوت فوجدنا سيدة كبيرة في السن تدعي كارولين اوغندية ,وتجلس في غرفة ضيقة جدا وامامها " وابور " لطهي الطعام.. كانت تضع عليه اناء يغلي به قطعتان من اللحم وبجوارها معروضات لملابس جاهزة من تشيرتات وقمصان، واحذية جاءت بهما من اوغندا لبيعها.. كارولين الأوغندية قالت انها جاءت منذ عام للتجارة في الملابس الجاهزة وانها تجد مكسبا مناسبا فالقميص سعره يصل الي 7 جنيهات سودانية وكذلك التيشرت.. فيما أكدت أنها لا تجد أية صعوبة في عبور الحدود الي جنوب السودان، وتتمني أن تظل الأمور علي حالها اذا ما قامت دولتهم الجديدة.. بينما فسرت اختيارها للعيش في هذه الحلة علي أطراف العاصمة لرخص ثمن ايجار الغرفة وكذلك لتأمين صاحب المكان الحراسة لها ولباقي الفتيات الأوغنديات اللاتي يسكن معها من اللصوص والفتوات. ومن أمام دكان صغير به عدد من أرفف عليها بعض علب الدواء ..وهي صيدلية الدواء الوحيدة بالمنطقة جاءت سيدة بطفلتها الصغيرة التي كان يبدو عليها الانهاك الشديد والاعياء.. وقالت الأم وتدعي ماريا سيكو إن إبنتها هولندا التي لم تتجاوز الستة سنوات مصابة بالملاريا منذ أيام ولا تأكل منذ ثلاثة أيام وحرارتها مرتفعة جدا، ودائمة البكاء.. ظللنا مع هولندا الصغيرة حتي تم حقنها واسعافها ببعض الأدوية حيث لا يوجد مستشفي قريب بالحلة، وعرضنا علي الأم اصطحابها وابنتها الي العاصمة لاسعافها الا أن الطبيبة بالصيدلية قالت أن المستشفي لا يتوفر به أكثر مما هو متواجد بالصيدلية. والصغيرة هولندا كما تروي أمها يتيمة الأب، ومحرومة الي الآن من الالتحاق بالمدرسة بسبب فقرها حيث لا تمتلك ماريا القدرة المالية علي تحمل المصروفات المدرسية.. ماريا أيضا تقول إن مرض ابنتها هو ما منعها من الذهاب للتصويت وهي ترغب في الانفصال وهو أمل من هم في فقر ابنتها هولندا للحصول علي رعاية الدولة بتوفير الحق في الدواء والتعليم. كنا مازلنا نلتقط بعض الصور لطفلة الملاريا وأمها عندما تقدم منا شرطي بجيش الحركة الشعبية ليسألنا ماذا نفعل.. وبعدما تحقق من شخصيتنا واطلع علي التصريح الذي استخرجناه لمتابعة الاستفتاء.. تحدث الينا الجندي ويدعي "أكوين كوار" عن حلم الانفصال , والذي يراود كل جندي ذاق مرارة المعارك في الحروب مع الشمال , فالكل يحلم بالسلام والتنمية والرخاء.. فيما كان هناك شاب آخر يدعي حكيم طلب التقاط صورة له وأشار بيده الي رمز الانفصال نظرا لأنه لم يكن يتحدث لا العربية ولا الانجليزية وأراد المشاركة معنا والتأكيد علي تصويته للانفصال. كوافيرات الرصيف وفي جولتنا كان هناك في الجهة المقابلة لمقهي حلة جومبو إحدي الأوغنديات التي تجلس علي الأرض وتأتي اليها فتيات الحلة من الجنوبيات لتسريح شعرها وتضفيره ,حيث قالت الكوافيرة الاوغندية إن هذه التصفيفة تستمر مع صاحبتها 4 شهور وتقوم بغسل الضفائر بالماء دون فكها طيلة هذه المدة , بينما أجرة يدها لا تتجاوز 3 جنيهات للشعر القصير و5 جنيهات للشعر الطويل.. وفي البداية اشترطت الفتاة أن تخلع محررة "روزاليوسف" طرحتها وتجلس أمامها لتضفر شعرها والا فعلينا المغادرة دون أن تلتقط لها الصور أو نتحدث اليها.. ولكننا بعد ثرثرة طويلة مع زبونتها التي تجلس أمامها تراجعت عن شرطها وتركتنا نمر بسلام. تجارة الجنس والمتعة في عشش المغتربات رغم بدائية المكان وحالة الفقر التي تسيطر علي الجميع فيه الا ان معظم البيوت عبارة عن ملاهي وبارات وصالات للعب القمار.. حيث يتم اعداد الاماكن داخليا بما يجذب الرواد اليها خاصة في ظل انتشار شرب الخمور في الجنوب. الاكثر من ذلك هو انتشار تجارة الجنس في تلك المنطقة وهو امر لا يتعبرونه جرما حيث تكثر تلك الممارسات في بيوت المغتربات الاوغنديات هناك وهن الاكثر انتشارا في المنطقة ويأتي راغبو المتعة من اماكن خارج الحلة بمقابل يتوافقون عليه حسب الوقت والمكان. وتأتي تجارة الجنس علي قمة المهام او الادوار التي تقوم بها الاوغنديات في تلك الحلة حيث ياتين من بلادهن ويسكن في بيوت المغتربات وهي عبارة عن عشش ضيقة جدا تكاد تتسع لفرد واحد تسكنها اكثر من سيدة ويصل مقابل المبيت في يوم واحد 20 جنيها سودانيا، وفي الغالب ما يجلس مالك البيت معهم كنوع من التامين حتي لا يخرج عليهن الشباب او اللصوص خاصة في حالة السكر ويعتدون عليهن. ورغم ان هناك مهنا وأعمالا أخري تقوم بها الاوغنديات في الجنوب لكن تجد الكثير منهن يجلس في الطرقات والشوارع متزينات مثلهن مثل الجنوبيات والكينيات في انتظار " زبون " باعتبار ان ذلك عرف منتشر في جوبا. كان لافتا في هذا السياق اثناء مرورنا علي احدي صالات القمار والبلياردو المجاورة لاحد البارات حيث استوقفنا شاب كان يحتسي الخمر واراد التقاط صور معنا هو وشقيقته.. في حين التف حولنا الاطفال والصغار أثناء تصوير الشباب وهو يلعب البلياردو حيث اندهشوا من الة التصوير وكانهم يرونها لاول مرة. وقبل الاستفتاء تحدثت عدة تقارير عن انتشار الدعارة في جنوب السودان بشكل يلفت الانظار، وقالت ان من يعملن في هذه المهنة غالبا ما يكن متزوجات وتركن منازلهن وياتين من الدول المجاورة مثل اوغندا وكينيا واثيوبيا والكونغو بجانب مواطنات من الجنوب. واشارت التقارير الي ان التوتر السياسي في السودان اوجد ارضية خصبة لمثل هذه المهن ، وانها تنتشر في مدن مثل واو ورمبيك وجوبا وأويل. الماتوكي والعصيدة وفي حلة جومبو كانت الأكلات الشعبية الأوغندية والسودانية تملأ أواني طباخات الحلة، حيث كانت تجلس نور باججو بائعة السيدة الأوغندية التي تقوم بتقشير الموز وطهيه لعمل أكلة الماتوكي الأوغندية الشهيرة، والتي تؤكد أن زبائنها لا يقتصرون علي من يقطنون الحلة من الأوغنديين بل بينهم ايضا سودانيون يفضلون هذه الوجبة. وفي عشة من الخوص كانت تجلس عجوز الحلة وهي تضع العجين الي جانبها لعمل رقائق العصيدة السوداني الشهيرة ,حيث يشتريها الجميع واحيانا يتم تناولها مع الماتوكي الأوغندي. خياط الحلة.. والأزياء الأوغندي استقبلنا أيضا رجل أوغندي كان يجلس علي ماكينته لخياطة عدد من الاقمشة لسيدات الحلة، وهو ترزي أوغندي جاء جومبو واستأجر محله منذ عام، ويقول إن زبائنه من الرجال والنساء غالبيتهم من السودانيين، والجميع يفضل أن يختار له الترزي قطعة القماش وخياطتها وتصل التكلفة الي ما وبين 50 جنيها وحتي 200 جنيه حسب نوع القماش والأزياء المطلوبة. " انت مصري اثبت وطلع قروشك " فجأة.. وأثناء تجولنا في المنطقة كنا نتبادل الحديث بالعربية استوقفنا 3 رجال يحملون العصا.. وصاح احدهم بدون مقدمات " انت مصري اثبت وطلع قروشك ".. لم نكن نتوقع ذلك الموقف، والغريب ان الناس من حولنا لم تتحرك وكأن ذلك عرف في المكان يمكن لاي شخص يثبت الغرباء ليأخذ ما يحمله من فلوس. اقترب الرجلان منا وطالبونا باستخراج ما نملك من فلوس.. والشيء المثير للاستغراب هو كيف عرفوا اننا مصريون دون ان يتحدثوا معنا او يتعرفوا علي هويتنا.. ومع اجواء القلق توقف العقل عن التفكير في آلية التصرف او الخروج من ذلك الماذق. وفي غمرة اندهاشنا بادر المهندس عماد شنب وهو مهندس ري مصري كان يرافقنا رحلتنا... وصرخ في الرجل بنفس حدته ألا تعرف من نحن.. واستطرد نحن اقارب سلطان الحلة ونتجول هنا في حمايته، وكرر نطق اسم السلطان الذي كنا نتسامر معه نحن ياقارب "كود دينج ".. الا ان الرجلين لم يتراجعا في البداية بل وظهر من احدهم الرغبة في التعامل معنا بقسوة.. وهنا تابع المهندس المصري الحديث معهم في حديث ثرثار عن دعوتنا للعشاء لدي السلطان ثم دخل معهم في حوار آخر عن معرفتهم بمصر.. ثم استطرد: لماذا تتجولون في الشارع بهذه العصا؟.. وطلب ان يعطوه العصا وهنا خشي الرجلان ان يكون الغرض من ذلك مطاردتهم.. فتركونا ومضوا حيث يذهبون.. وانتهي الموقف وقتها بسلام. المهندس عماد قال انه تعرض منذ بداية عمله في الجنوب لكثير من تلك المواقف حيث دائما ما كان يخرج عليه جنوبيون اثناء عمله في المناطق النائية بالجنوب ويهددونه بالقتل ان لم يعطهم ما يحمل من نقود، وقال انه اعتاد علي كيفية تجاوز تلك المواقف مع تكرارها في اماكن مختلفة.. رغم أنه في البداية كان يترك ما في جيبه لينجو. الشغف في التعمق أكثر داخل الحلة كان مازال يسيطر علينا حيث ابتعدنا عن المدخل الرئيسي لها ونحن نتجول لنتعرف علي كل شيء، وفي هذه اللحظات استوقفنا شاب جنوبي وطلب منا المغادرة.. في البداية. ظننا أنه من الذين لا يريدوننا في المكان كبعض الذين التقيناهم منذ دخولنا الحلة وكانوا يحاولون مضايقتنا، الا أن الشاب سرعان ما أظهر نواياه الطيبة باتجاهنا حيث جاء ليحذرنا، ويطلب منا الذهاب فورا من الحلة خوفا علي حياتنا.. وعندها قررنا الاكتفاء بهذا القدر من المغامرة حرصا علي حياتنا حيث بدا من طريقة حديثه إن هناك شيئا ما في انتظارنا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل