المحتوى الرئيسى

هؤلاء حلمنا.. فلا تبدّدوا الحلم

02/10 11:22

مَنْ كان يصدق أن هذا الشتاء القاهرى الرتيب لن يكون كمثله من شتاءات سابقة تعودنا عليها حتى السأم؟ مَنْ كان يدور بخلده ولو للحظة من السائرين فى ميدان التحرير ليلة الخامس والعشرين من يناير أن هذا الميدان المزدحم الصاخب سيصبح فى الليلة التالية ولأمد قادم طويل أحد أشهر ميادين العالم؟ لم يعد مهماً التسمية التى نطلقها الآن على هذا الذى حدث فى الخامس والعشرين من يناير. لتكن «انتفاضة» أو «ثورة».. لنسمها ثورة التحرير أو التغيير أو ثورة الأمل أو الشباب.. التاريخ سيمنحها قريباً اسمها المناسب الجدير بها دون أدنى فذلكة منا. الأكثر أهمية فى هذه اللحظة الفريدة أن نشرع فى استخلاص الدروس.. أن نسرع فى تفسير هذا الحلم الخاطف الذى ما زال البعض يتشكك فى كونه بالفعل حقيقة.. ومن الحقائق ما يتجاوز قدرة الشعوب على الاستيعاب حين تخرج من رحم واقع كان قد تجاوز القدرة على الاحتمال. (1) كنت كالملايين غيرى أتابع المشهد الجليل المثير.. تغمرنى مشاعر الرهبة والقلق.. يشتد بنا القلق حين نتابع أخبار الوطن عبر المسافات الطويلة من خلف نوافذ الغربة.. أستحضر كلمات الشاعر الراحل أمل دنقل.. أعود إلى رائعته «كلمة سبارتاكوس الأخيرة» التى أخذت منها العام الماضى فى مثل هذا الوقت تقريباً عبارة «الانحناء مر» عنواناً لمقالتين متتابعتين فى هذا المكان.. أجدنى هذه المرة أعود إلى القصيدة ذاتها.. أتوقف عند السطور التالية: ..... «يا إخوتى المنحدرين فى نهاية المساء فى شارع الإسكندر الأكبر لترفعوا عيونكم إلىّ لربما إذا التقت عيونكم بالموت فى عينى يبتسم الفناء داخلى لأنكم رفعتم رأسكم مرة !!!.....». كم وددت لو تكون هنا اليوم يا «أمل» لتشهد الأمل حقيقياً هذه المرة ينبثق من قصائدك حروفاً تسير فى الطرقات وتتجول فى ميدان التحرير لتتردد وسط الجموع أصداؤها وأنت تقول مذبوحاً من الألم: ... «معلّق أنا على مشانق الصباح وجبهتى بالموت محنيّة لأننى لم أحنها حيّة !!...». (2) هذا شباب جدير بأن نحيطه بالحب والاحتضان والفخر وأن نبادر بتقديم الاعتذار إليه.. نعم.. فكم ظلمنا هذا الشباب وأسرفنا فى اتهامه بالسلبية واللامبالاة وعدم الانتماء فإذا به اليوم يثبت لنا العكس تماماً. بدا هذا الشباب بنقائه وبراءته، بمزاحه وخفة ظله وكأنه يقدم لنا على مدى السنين الماضية حفلة تنكرية راح خلالها يعبث ويطيش ويمرح ثم باغتنا جميعاً فخلع فجأة ملابسه التنكرية.  ألقى بها وخرج إلى الشارع ليظهر وجهه الحقيقى.. يمضى فى الميادين والطرقات ببسالة ورجولة مضحياً بحياته وهو الذى لم يكن يعرف بعد من الحياة غير الفقر والبطالة واليأس والحرمان.. وحتى الشباب الميسور مادياً من بقايا الناجين من كارثة انهيار الطبقة الوسطى فى مصر أبى إلا أن يشارك بدوره ويصرخ ويثور.. وهكذا توحد الباحثون عن رغيف خبز وفرصة عمل مع التواقين إلى الحرية والمعرفة والديمقراطية تحت سقف حلم واحد عريض بوطن ينشد استعادة مكانته تحت الشمس بينما شتاء يناير يميل إلى المغيب! كنا نأخذ على شباب هذا الجيل سطحيته وعدم جديته فإذا به يقدم لنا فى لحظات خاطفة دروساً بليغة فى التلاحم والجدية والانضباط والعمل بروح الفريق.. بماذا نسمى هؤلاء الذين استطاعوا فى ليال معدودة أن ينظموا أنفسهم فى لجان شعبية شديدة التنظيم لحماية أحيائهم من البلطجية واللصوص؟ قال لى ابنى إن بعضهم المرابط على مداخل الشوارع كان يطابق أرقام لوحات السيارات الخلفية والأمامية فى تصرف فطن ربما لا يفعله المحترفون من رجال المرور! (3) هديتكم الجميلة للوطن أيها الشباب التى أفرحتنا وأربكتنا وحيرتنا وربما أخجلتنا هى أنكم جعلتم كل هذه النخب السياسية والثقافية تراجع نفسها.. أجل.. فجرتم أيها الأنقياء الأطهار أكبر عملية مراجعة للذات عرفتها مصر فى الستين عاماً الأخيرة. انظروا إلينا ونحن نراجع أنفسنا فى تواضع واعتراف من أكبر مسؤول حكومى إلى أصغر موظف فى بر مصر.. هذا ليس عيباً بل فضيلة.. هذا ليس ضعفاً بل شجاعة أخلاقية نتمنى أن تكون صادقة مخلصة.. فالشعوب السويّة والأمم الكبيرة هى التى لا تخجل من مراجعة نفسها والتطهر من أخطائها. بفضلكم اكتشفت أحزابنا كم كان تقصيرها كبيراً وغير مفهوم حين لم تنجح فى استيعاب طاقتكم واكتشاف الطريق إليكم. لم تكن أكبر مؤتمراتنا أو ندواتنا الحزبية تضم سوى بضع عشرات أو مئات قليلة من الجمهور.. فمن أين أتت حشودكم وأين كانت تختبئ ملايينكم المفعمة بكل هذا النبل والانتماء وحب الوطن؟ أصبحتم فى لحظة نادرة مبعث الإعجاب ومحط الأطماع فكان أن تودد إليكم البعض يخطب ودكم فى مشهد لم يخل من الانتهازية السياسية بينما سعى البعض الآخر إلى تشويه صورتكم وشق صفوفكم .. نسى هؤلاء وأولئك أنكم اليوم مستقبلنا وحلمنا الكبير الذى كنا نبحث عنه دون جدوى.. فلماذا وبأى حق نبدد اليوم هذا الحلم؟ هديتكم الأجمل أيها الشباب أربكت أيضاً كتاباً ومثقفين ظلوا سنوات طويلة يمارسون أكبر عملية خداع فكرى وتمويه سياسى لأجل مصالحهم الخاصة وطموحاتهم الأشد خصوصية فكانوا سلطويين أكثر من السلطة نفسها.. اليوم يضطر هؤلاء لأن ينقبوا فى كتاباتهم القديمة لعلّهم يستخرجون عبارة أو فكرة يزعمون أنها من نسل مطالبكم.. أترون أيها الشباب كم أحدثتم من تغيير عميق فى نفوسنا وكيف دفعتم الناس إلى التطهر السياسى؟ (4) مفاجأتكم الأكبر أيها الشباب أنكم من حيث لا تدرون قد أعدتم اكتشاف مصر.. حدث هذا فى تلقائية وصدق من دون مؤتمرات حزبية زاعقة ولا شعارات مصطنعة.. هل تدركون مثلاً أنكم نجحتم فيما فشلنا فيه حكومة وإعلاماً ومثقفين على مدى عقود طويلة من تحقيق الوحدة الوطنية بين مسيحيى الوطن ومسلميه؟ كنا نخاف منذ حادث تفجير كنيسة القديسين على كنائس مصر، فإذا بالمسلمين يحمون الكنائس ويحرسون المسيحيين أثناء صلواتهم فى ميدان التحرير. بفضلكم أيها الأنقياء البررة امتزجت الصلوات وتوحدت الأحلام وتراصت الصفوف وانزاحت يا رب إلى غير رجعة دعوات الفتنة وفحيح الفرقة. كنا قبل فجركم الينايرى نتحسر على مكانة مصر بين الأمم ويعضنا الحنين إلى دورها الغائب فإذا بكم تعيدون للدنيا اكتشاف مصر مرة أخرى.. اكتشافاً سيمكنه أن يعوّض كل الخسائر الاقتصادية والسياحية والمالية التى أصابت الوطن وأصابت معه أكبادنا حزناً وهماً لو خلصت النيات وأخلصت الهمم.  بدونكم لم نكن لنثق فى أن العالم ما زال يحمل لمصر كل هذا الاهتمام والحب.. تتصدر صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية مقالة بعنوان «كلنا مصريون».. يترك الأشقاء العرب مشاكلهم وهمومهم الداخلية ليتحلقوا حول شاشات التلفزة متابعين لحظة بلحظة ما يحدث فى مصر.. إعلام عربى يبدو من فرط إيمانه بدور مصر وكأنه لا يرى فى الحياة سوى ما يحدث فى ميدان التحرير.. بورصات عربية وعالمية تهتز وتضطرب.. حكومات أجنبية تجتمع وتتابع.. هذه أدلة كانت قد غابت عنا وربما حاولنا طمسها لسبب غير مفهوم وقد آثرنا الانكفاء المريب. هذه ليست مشاعر شوفينية ولا هى دعوة لاستحضار زعامة قومية أو إشاعة مناخ الاستعداء ضد هذه القوى أو تلك، لكنها تذكير برسالة حضارية ودعوة لاستنهاض قوى مجتمع مصرى يمكن أن يشكل عضداً ودعماً لأمته الكبيرة تحت سقف مشروع عربى نهضوى ربما تقرع اليوم أجراسه. solimanabdulmonaim@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل