المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : مصر الجديدة وتيار التقدم

02/10 10:16

منحتني منطقة وسط المدينة مساء الثامن و صباح التاسع من فبراير الكثير من المشاهد التي يستحيل نسيانها. من ضمنها ثلاثة تفاصيل أعتقد أنها شديدة الدلالة، و ذلك خلال اثني عشر ساعة فقط. مساء اليوم الأول – الثامن من فبراير – و خلال اجتماع ضم العديد من السينمائيين المعتصمين بميدان التحرير، لتنسيق جهودنا في هذه الانتفاضة، و لتنظيم حملة من الدعاية المضادة لدعاية النظام، بدأ أحد المنتجين “المهمين” و الشهيرين الاجتماع بقوله: “بما أنى أكبركم سنا فهمسك القعدة”. رد عليه الممثل “آسر يس” بابتسامة لطيفة، بأدب، و لكن بحسم، قائلا: “ده كان زمان يا دكتور، قبل يوم ٢٥ يناير”. التفصيلة الثانية كانت بعد منتصف الليل، و أثناء وضع حواجز المتظاهرين الأولي أمام مجلس الشعب، بعد احتلال المتظاهرين لشارع مجلس الشعب و رئاسة الوزراء. كان هناك رجل أربعينى، تشي كل تفاصيله بأنه من آحد المناطق شديدة الفقر بالقاهرة، توقف عن المشاركة في صنع الحواجز بسبب مكالمة تلفونية تلقاها. أعترف بأنني تصنت، بقصد، علي حواره، خمنت بأنه يتحدث مع زوجته، و التي يبدو أنها حاولت إقناعه بالكف عن المشاركة في الانتفاضة، فكان رده عليها: “مينفعشي، لا مبارك ولا سليمان، دول عملاء الأمريكان.” أما سائق التاكسى الذي أقلني في صباح يوم التاسع من فبراير من ميدان التحرير إلي منزلي، و الذي برغم حرصي/حرصنا -الكلاسيكي – تجاه سائقي التاكسي، إلا أن الحوار قد بدأ بيننا. أخبرني بعد دقائق، بعد كسب مساحة من الثقة، بأنه شارك يوم ٢٨ يناير بما يعرف و يستطيع عمله، و هو إحراق سيارات الشرطة. قلت له: “فيه مصر جديدة إتولدت خلاص”. فقام بالرد – بنفس حسم “آسر يس” – قائلا: “طبعا، لو متتولدشي بعد كل ده يبقي مفيش فينا فايدة”. ممثل شاب يعي بوضوح ما هو قبل و ما بعد ٢٥ يناير، و يغامر من أجل انتصار شعبه، مواطن فقير يتحدث عن عملاء الأمريكان، و سائق تاكسي يحرق سيارات سلطة القهر و يحدثك عن مصر جديدة!! ليس حديثا عاطفيا هو الخاص بولادة مجتمع جديد، مصر جديدة. كذلك ليس حديثا عاطفيا الجزم بسقوط جميع المسلمات السياسية و طرق العمل السياسي ما قبل ٢٥ يناير. وكذلك ليس انفعالا حين نشير إلي تغيير علي مستوي الأخلاقيات. بل أعتقد أن باحثي علم الإجتماع و علم النفس سوف يواجهون بعد نهاية الانتفاضة و انتصارها، ضرورة بحث ما يمكن أن نسميه بأخلاقيات ثورة مصر، أخلاقيات اعتصام ميدان التحرير، و كذلك أخلاقيات القطاعات التي لم تشارك في الانتفاضة. أما فيما يخصنا، ما يخص تيار التقدم، فالتغيير الجذري سوف يطال كيانات اليسار، خطابه، و طرق نضاله في “مصر الجديدة.” أثبتنا يوم ٢٥ يناير حقيقتين متناقضتين، الأولي هي أن اليسار في أغلب قطاعاته – لا أبرئ نفسي هنا – لم يستطع تحليل الوضع السياسي، اتجاهاته، احتمالات انفجاره، و إلي أين يتجه. و أثبتنا ما هو متناقض مع الحقيقة الأولي، و هو أن نضالات جميع اليساريين، بكل أشكالها، خلال قرن كامل قد أعطت ثمرة ما، و إن لم نكن أباءها الوحيدين. أحد الأصدقاء المشاركين في الانتفاضة منذ لحظتها الآولي، و خلال أحد النقاشات في ميدان التحرير، قال بأنه ليس علينا القلق علي مستقبل اليسار بعد الانتفاضة، فمن هو غائب عنها، ولا يتفاعل معها، ليس موجودا أصلا و سينتهي نهائيا. التقدميون المشاركون في الانتفاضة، هم في أغلبهم لا ينتمون لليسار التقليدي، كتلهم تتسع كل يوم، في تلاحم مع كل المشاركين بها، من تيارات سياسية أخري، و أيضا، و هو الأهم، في تفاعل حقيقي و في أرض معركة حقيقية، مع كل قطاعات الشعب المصري. هذه الكتلة التقدميه ليس لها أوهام من نوعية “قيادة الانتفاضة”، مثلما كان تخوفنا في البداية. فالذي يحدث هو علي مستويات التفاعل و المشاركة. العامل الحاسم في هذه الانتفاضة ليس هو السياسيين، أو الحكماء، أو أجهزة القمع. بل هو الوعي البالغ، الإصرار، الصمود، و روح التنظيم العفوية لدي المنتفضين. وعيا لم نتصور من قبل وجوده، و يفاجئنا كل لحظة بإبداع جديد. و لأختتم بتفصيلة لها معني في هذا السياق، فأثناء حوارنا مع أحد شباب اليسار، و المشارك فيما يطلق عليه بائتلاف ثورة الغضب، سألناه إن كان لديهم توجه لدعوة المنتفضين لاحتلال أماكن جديدة، تحريرها و السيطرة عليها، سواء كانت شوارع حيوية أو مبان رسمية. أجابنا بأنهم يرون أن ذلك مبكر، و أنهم ربما يقومون بهذه الدعوة بعد أيام. بعد دقائق اكتشفنا أنه قد بدأت بالفعل، و دون ترتيب أو قيادة، مرحلة الاحتلالات. من لا يتمكن من ملاحظة أن المصريين، الآن، قد قاموا ببداية خلق وطنهم الجديد، و المختلف بشكل كامل عما كان قبل يوم ٢٥ يناير، عليه الانضمام إلي إحدى لجان الحكماء.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل