المحتوى الرئيسى

حالة حوار‮ ‬ثورة أبناء الطبقة الوسطي

02/10 00:42

مازلنا ‮ ‬باكرين للغاية علي التفلسف والتنظير لثورة ‮٥٢ ‬يناير‮.‬ثم ان ثوار يناير هم الذين من حقهم الفلسفة والتنظير لثورتهم حين ينقشع الغبار وتهدأ الاحداث،‮ ‬فهم الذين يعرفون عن الغاطس منها،‮ ‬اكثر مما نعرف نحن عن الظاهر،‮ ‬ثم انهم ابناء التجربة الذين عاشوها فيما البعض الاخر من الناس تعايش مع التجربة بأكثر مما عاشها‮.‬ولكن‮ - ‬علي الرغم من ذلك‮ - ‬لا بأس من عرض انطباع يلح علي ذهني،‮ ‬واستولدته وقائع تلك الثورة في نفسي،‮ ‬وصادقت عليه الاحداث،‮ ‬وأكدته‮ -‬يوما وراء اخر‮ - ‬إذ لا اظنه موضع اختلاف أو لجاج وجدل،‮ ‬وهو ان تلك الثورة كانت‮ -‬هي الاخري‮- ‬عملا قامت به الطبقة المتوسطة في مصر أو بقاياها،‮ ‬بالضبط كما كانت ثورة ‮٩١٩١ ‬التي عُرفت بثورة‮ »‬الافنديات‮« ‬أو ثورة ‮٢٥٩١ ‬التي قادها الجيش‮ »‬طليعة الطبقة الوسطي‮«.‬صحيح ان الشعب التحم الثورات الثلاث بجميع طبقاته واجياله،‮ ‬ولكنني اتحدث‮ -‬هنا‮- ‬عن القاطرة التي سحبت المجتمع خلفها‮.‬هي‮ -‬بالضبط‮- ‬الطبقة الوسطي التي نلاحظها في كل ما يرشح عن رموز الثورة وافرادها من اسراء عبدالفتاح صاحبة الشرارة يوم ‮٦ ‬ابريل ‮٨٠٠٢ ‬الي وائل‮ ‬غنيم‮ »‬الذي فطر قلبي وقلوب الملايين وهو يبكي شهداء الثورة علي شاشة قناة دريم منذ أيام‮«.‬الطليعة‮ -‬في ثورة الشعب المصري يوم ‮٥٢ ‬يناير ‮١١٠٢- ‬كانت الشباب من أبناء الطبقة الوسطي‮.‬وبالطبع اعرف ان‮ »‬الطليعة‮« ‬مصطلح شاع وذاع في الخطاب التاريخي اليساري،‮ ‬وبالذات في البيان الشيوعي‮ »‬المانيفيستو‮« ‬لكارل ماركس وفريدريك انجلز عام ‮٧٤٨١ ‬ويعني مجموعة من الافراد في حزب أو حركة يتقدمون الجماهير في العمل والثورة‮.. ‬فإذا جردنا هذا المصطلح من يساريته سنستطيع استخدامه في توصيف الثورة علي نحو دقيق،‮ ‬وينطبق علي ما وضع لوصفه من موصوفات،‮ ‬كون ثورة ‮٥٢ ‬يناير‮ -‬وتلك عبقريتها‮- ‬هي عمل ينتسب الي كل الاطياف السياسية والفكرية في المجتمع كله،‮ ‬سواء كانت دينية أو يسارية أو ليبرالية أو بعيدة عن الوعي بذلك كله،‮ ‬ومعبرة عن ضيقهاوغضبها واحتجاجها،‮ ‬أو طموحها لحياة أفضل أو الي التغيير،‮ ‬أو الي الحرية‮.. ‬هكذا في المطلق،‮ ‬ومن دون تفاصيل‮.‬دعونا‮ -‬اذن‮- ‬نبدأ بإقرار ان طليعة هذه الثورة هي من الشباب ابناء الطبقة الوسطي،‮ ‬مستخدمي‮ »‬النت‮« ‬وروابطها الشهيرة‮ »‬فيس بوك‮« ‬و»تويتر‮« ‬وغيرهما‮.‬ومن ثم فإن محنة الطبقة الوسطي في مصر كانت‮ -‬بالقطع‮- ‬نسقا من الانساق الحاضرة في تشكيل وعي الثوار الشباب،‮ ‬وهندسة مواقفهم من الحياة،‮ ‬ومن النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد،‮ ‬والذي وجدوه يتواضع عن تلبية طموحاتهم ويقصر عن الوفاء بتصوراتهم عن أنفسهم وعن بلدهم‮.‬لا بل اغامر واقول ان النظام الاقتصادي‮/ ‬الاجتماعي السائد،‮ ‬والتعبير السياسي عنه،‮ ‬اهان الطبقة الوسطي في مصر واذلها لصالح طبقة جديدة‮ »‬أمية اجتماعيا ووطنيا‮« ‬عامل نجومها مصر وشعبها بأسوأ مما عاملهم الغزاة علي نحو يستطيع أي نصف متابع ان يكتشف مدي تأثيره علي سلوك ومزاج الطبقة الوسطي وابنائها في البلاد‮.‬والطبقة الوسطي هي طبقة اجتماعية بين الطبقة العاملة والطبقة العليا،‮ ‬وتعتبر رمانة الميزان في المجتمع،‮ ‬ويصفها البعض بأنها تلك الطبقة التي تخاف من الفقر ولديها أمل في حياة أفضل وتضم المهنيين،‮ ‬والطلاب،‮ ‬وأصحاب المصانع الصغيرة والملاك الصغار‮.. ‬ويختلف تعريف الطبقة الوسطي من دولة لاخري،‮ ‬ففي امريكا يعتبرون ان كل من لديه وظيفة يستطيع من خلالها ان يوفر سبل عيشة هو جزء من الطبقة الوسطي،‮ ‬وفي بريطانيا فإن كل من لديه تعليم جيد هو من قوام تلك الطبقة،‮ ‬اما في الهند فيعتبرون ان كل من يملك عقارا أو ملكية محدودة هو من تلك الطبقة‮.‬وأيا كان ما نراه من تعريف للطبقة الوسطي في مصر‮ -‬حتي لو خلطنا مقاييس كل البلاد أو التعريفات السابقة‮- ‬فإن احدا لا يختلف علي ان تلك الطبقة دفعت فاتورة مروعة لضغوط وحشية اثمرها التحول الاجتماعي في مصر وهو التحول الذي خلق مشروعه السياسي،‮ ‬وحاول فرضه والتمكين له لولا نشوب ثورة ‮٥٢ ‬يناير التي اجهضت ذلك المشروع،‮ ‬ودفعت به‮ -‬فورا‮- ‬الي مقبرة التاريخ‮.‬محنة الطبقة الوسطي واهانتها في مصر تجاوزت حزمة السياسات الاجتماعية‮/ ‬الاقتصادية‮- ‬التي تم فرضها علي البلد،‮ ‬وتدشين صعود نخبة من المغامرين السياسيين الصغار يعبرون عنها‮- ‬الي اخلال منظم واجرامي بالمعايير،‮ ‬ادي الي شيوع وذيوع قيم الاحباط،‮ ‬واليأس وعدم الجدوي أو الامكان‮.‬اذا كان خلل النظام الاجتماعي الاقتصادي والتعبيرات السياسية عنه يفرز‮ - ‬باستمرار‮- ‬تصعيدا لغير الاكفاء والميديوكراتية،‮ ‬وانصاف الموهوبين علي أسس شخصية‮ ‬غير موضوعية الي منصات التحكم والسيطرة،‮ ‬مطيحا‮ -‬بقسوة‮- ‬فرص النجباء والشطار،‮ ‬في الارتقاء الي ما يكافيء مواهبهم،‮ ‬وعلمهم،‮ ‬ومعارفهم،‮ ‬وهو ما يعني‮ -‬بقول واحد‮- ‬تجليا واضحا جدا لتغييب العدالة في واحدة من اكثر صورها وضوحا‮.‬صار لطبقة المليارديرات من رجال الأعمال ورؤوس جسورها السياسية في السلطة كلمة الفصل عند تحديد القيادات وآليات التصعيد في كل المواقع والمؤسسات علي جثة المعايير،‮ ‬ودهسا علي اجساد آلاف من اصحاب الحقوق في هذه المواقع،‮ ‬من المنتمين للطبقة الوسطي الذين استشهد آباؤهم وامهاتهم‮ -‬تقريبا‮- ‬من اجل تعليمهم والوصول بهم الي عتبة أو حافة الخدمة الوظيفية،‮ ‬فإذا بهم اسري البطالة والظلم يشاهدون بأمهات عيونهم،‮ ‬المماليك الصغار من رجال الاعمال وابناء الاثرياء،‮ ‬وعناصر شلة الصعود بلا معايير يتبخترون في جوانب المشهد العام،‮ ‬ويتحصلون اضاءته ويحتكرون مقدراته ويتساءلون‮ -‬بقرف‮- ‬عن اسباب وجود الاخرين،‮ ‬أو مطالباتهم التي لا تنتهي أو ضجيجهم الذي يخدش متعا أوسعها الاثرياء وابناؤهم استمتاعا‮.‬ثورة ابناء الطبقة الوسطي في شقها الاجتماعي‮ - ‬الاقتصادي الخاص بالعدالة الاجتماعية وفي الترجمة السياسية له المرتبطة بالاصلاح السياسي،‮ ‬كانت‮ -‬في الدرجة الاولي‮- ‬ضد مشروع صعود سياسي،‮ ‬رأوه اهانة قاسية مؤلمة لهم علي مستوي‮ »‬المواطنة‮« ‬أو تساوي الجميع‮ -‬فيما هو مفترض‮- ‬في الحقوق والواجبات‮.‬الي ذلك فإن المنظومة السياسية‮/ ‬الاجتماعية والتعبيرات السياسية عنها التي ظلمت الطبقة الوسطي وسحقتها،‮ ‬خلقت‮ -‬أيضا‮- ‬تعبيراتها الاعلامية والصحفية‮ »‬الحكومية أو الخاصة‮« ‬التي عمدت الي التخديم علي الطبقة الجديدة ومشروعها للصعود،‮ ‬بطرق مباشرة،‮ ‬أو ملتوية وملفوفة،‮ ‬وبطريقة حاولت اختطاف وعي الناس ودفعهم الي تأييد ذلك المشروع،‮ ‬أو اعتقالهم داخل حدود ذلك المشروع‮ »‬رفضا أو قبولا‮« ‬غير قادرين علي تصور‮ ‬غيره بما فيه فكرة الثورة نفسها علي اجمالي الوضع‮.‬ولذلك فإن دهشة المجتمع كبيرة جدا‮ -‬اليوم‮- ‬وسط احداث الثورة ووقائعها من خلال مراقبة التحولات المباغتة وغير التدريجية في مواقف الذراع الاعلامي والصحفي‮ »‬الخاص والحكومي‮« ‬من كل ما يجري في البلاد الان،‮ ‬وبالذات هؤلاء الذين يتظاهرون بالمعارضة فيما قاموا‮ -‬لسنوات‮- ‬بتسويق والتخديم علي بعض من سياسات اساءت للناس ولفرصهم في الحياة الكريمة‮.‬ارتج علي الجماهير في هذا البلد حين شاهدوا بعض رؤساء تحرير الصحف ونجوم الاعلام يتحولون‮ -‬بمرونة ملبنية‮- ‬من حال تمرغ‮ ‬تحت اقدام السلطة ونفاق وملق كانوا مثار استنكار مجتمعي عام،‮ ‬الي حال تعنتر واستئساد علي تلك السلطة،‮ ‬فضلا عن ادعائهم الثورية حتي أوشكوا ازاحة ثوار ‮٥٢ ‬يناير من فوق منصات ثورتهم والاستئثار الثقيل بفضائها وضوء قنديلها الذي كان زيته ووقوده دم مئات الشهداء‮.‬لم نسمع من اولئك قبل اليوم‮ -‬حتي في اطار انتمائهم للحكومة أو لرجال الاعمال‮- ‬كلمة انتقاد واحدة،‮ ‬أو يتناهي الي اسماعنا موقف اصطدم فيه احدهم بشخص أو جناح أو شلة من تلك الشلل المهيمنة علي حركة الحزب الحاكم أو حكومته فيما قبل ‮٥٢ ‬يناير ودفع ثمنه تضييقا أو حصارا أو اهدارا لحقوقه المهنية أو الوظيفية‮.‬لا اناقش‮ -‬هنا‮- ‬حتي موقفهم من القيادة ولكنني اناقش مواقفهم من مجموعة العناصر السلبية التي صاغت المتوسط الحسابي للسياسات الاقتصادية‮/ ‬الاجتماعية للنظام،‮ ‬أو تجاه عمليات الاصلاح الديمقراطي وهما النسقان اللذان افضيا الي ثورة ‮٥٢ ‬يناير فضلا عن رغبة الثوار المجردة في التغيير،‮ ‬وارادة جيل بأكمله في ان يضطلع بمسئولياته في تشكيل مستقبله وهندسته واختراعه‮.‬تحولت الصحافة والاعلام علي ايادي أولئك الي قنوات مسدودة ليس للناس ظهور في ساحتها ابدا ولو بنسبة يسيرة،‮ ‬ولم تعد الصحافة أو الاعلام أوعية للحوار،‮ ‬فبات ذلك الحوار فريضة‮ ‬غائبة،‮ ‬ووسيطا مستحيلا‮.‬كنا‮ -‬فقط‮- ‬نسمع من آن الي آخر ترديدا اخرق لكلمة‮ »‬حوار مجتمعي‮« ‬من دون ان يكون لها ادني معني أو صدقية‮.‬واذكر انني‮ -‬مع عدم انتمائي لاي حزب‮- ‬دعيت الي اجتماع رسمي اراد مناقشة سياسة جديدة معينة،‮ ‬وطرح احد الحضور فكرة حوار مجتمعي حول تلك السياسة،‮ ‬فطلبت الكلمة،‮ ‬رغم انني‮ -‬في مثل تلك الحالات‮- ‬أوثر الصمت واميل الي الكتابة في الجرائد لتكون كلمتي خبزا يوميا للناس علي الرصيف بدلا من قولها في الغرف المغلقة معرضا نفسي لاجهاد اللجاج المرذول السمج الذي يحاول اقناعي بما لن اقتنع به‮.‬وقلت لمن حضر انني اريد مناقشة حكاية الحوار المجتمعي كما يطرحونها،‮ ‬اذ لا يقصدون منها سوي ابلاغ‮ ‬معارضيهم بقرارات أو سياسات أو توجهات وليس تطعيم تلك السياسات والقرارات بآراء الاخرين،‮ ‬وذلك ليس حوارا مجتمعيا ولكنه تكريس لهيمنة روح املاء كاسح يحاول التدثر‮ -‬زورا وبهتانا‮- ‬بعنوان الحوار‮.‬نعم‮.. ‬اعرضت الطبقة الجديدة وتعبيرها السياسي وتعبيرها الاعلامي عن الحوار مع الناس،‮ ‬والانحناء أمام احتياج المجتمع ان يشارك في رسم مستقبله،‮ ‬وتغيير نظام توزيع القيم والفرص والاهداف في البلد الي صيغة اكثر عدالة،‮ ‬فاسهمت في تعميق جراح ابناء الطبقة الوسطي الذين ظهروا في ساحة زماننا كما لو كانوا تجسيدا لقول محيي الدين بن عربي‮: »‬يمشون علي الأرض وهم شهداء‮«!!‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل