المحتوى الرئيسى

طلائع فجر التغيير التاريخي في العالم العربي بقلم:نعيم الأشهب

02/09 19:58

طلائع فجر التغيير التاريخي في العالم العربي نعيم الأشهب naimashhab@gmail.com طلائع فجر التغيير التاريخي عرف العالم العربي، بعد الحرب العالمية الثانية، نقلة نوعية في تاريخه، تمثلت في تحرره من أغلال الحكم الاستعماري. لكن بدل أن تفتح هذه النقلة الأفق لانطلاق هذا العالم العربي على دروب التطور السريع، في مختلف المجالات، خاصة وأنه يمتلك من الثروات الطبيعية والقوى البشرية ما هو ضروري لهذا التطور، وذلك لتعويض قرون التخلف المريع الموروث عن السيطرة العثمانية ثم الحكم الاستعماري الغربي، واللحاق بركب الحضارة المتقدم.. بدل ذلك، فان الحكام الذين تسلموا الدفة في هذا العالم العربي جنحوا به وكرسوا أنظمة حكم، القاسم المشترك بينها العداء للديمقراطية وكبت الحريات العامة لشعوبهم. ورغم أن قسماً من هذا النظام العربي اتخذ، في مرحلة معينة، نهج اصلاحات اقتصادية – اجتماعية معينة، اقترنت بمعاداة الامبريالية وأحلافها العسكرية العدوانية، وضد الصهيونية، لكن هذه الاصلاحات لم تشمل التخلي عن العداء للديمقراطية ونظرة الاستخفاف بالجماهير ودورها في صناعة التاريخ. مما اسفر، بالنتيجة، عن تصفية كل ما حققته تلك الاصلاحات. وكانت المحصلة العامة من كل ذلك أن ترسخت، على مدى عقود، وتكلست، نماذج من حكم القمع البوليسي، يتماثل ويتساوى فيها الجمهوري مع الملكي. وفي ظله راحت تتشكل قواسم مشتركة أخرى. فالأنظمة الجمهورية تماثلت مع الملكية في حكم الفرد حتى الموت، ثم تعمق هذا التماثل في السنين الأخيرة، ببدعة التوريث في الأنظمة الجمهورية، بحيث لم يبق من اختلاف، بين الملكي والجمهوري، سوى الأسم! أما على الصعيد الاجتماعي، فقد تفاقم بلا انقطاع تكريس اقتصاد البلاد في خدمة مصالح الحلقة الضيقة من أصحاب الامتيازات التي يستند اليها الحكم البوليسي، على حساب اهمال احتياجات أكثرية الشعب الساحقة. وبمقدار ما كانت تتقلص القاعدة الاجتماعية لهذا النظام العربي، بمقدار ما كان يتفاقم اعتماده على وسائل القمع والقهر، لتأمين استمرار بقائه، وبمقدار ما كان يجنح للاستعاضة عن دعم الشعب له بالاستقواء بقوى خارجية طامعة في السيطرة على هذا العالم العربي وخيراته. أما قشرة الانتخابات الزائفة، التي ظنها تخفي حقيقته، فقد افلست منذ زمن، وغدت موضع انتقاد وتندر، حتى من حلفاء هذا النظام العربي. ولكن للحياة والتاريخ منطقهما. فتراكم غربة هذه الانظمة عن شعوبها، وارتفاع منسوب النقمة والقهر ومشاعر الكبت والاذلال، مصحوباً بتفاقم فرز الثروة الوطنية بين حفنة من أصحاب المليارات وحلفائهم في السلطة من جهة، والفقر والعوز للجماهير العريضة الجائعة من الجبهة الأخرى، كان لا بدل له أن يبلغ، آخر الأمر، الى نقطة الانفجار المحتوم، كما يحدد قانون الثورة، حيث لا يعود الشعب يحتمل مواصلة العيش في ظل النظام القائم، ولا يعود النظام القائم قادراً على مواصلة الحكم. وفي هذا المضمار، يمكن القول، أن المراقب لتطور هذه العملية السياسية – الاجتماعية توصل، خلال العقد الأخير على وجه الخصوص، الى القناعة بأن العامل الموضوعي للانفجار، في سبيل التغيير، قد غدا ناضجاً، في العالم العربي. أما ما كان ينقصه، فهو العامل الذاتي: القوى السياسية المنظمة، المدعوة لتعبئة الجماهير المفعمة بارادة التغيير وقيادتها نحو الهدف. لكن وقوع الانفجار، أخيراً، على النحو العفوي الذي جاء فيه، أكد أن نظام القمع أفلح، على مدى عقود، في تدجين أحزاب المعارضة دون استثناء – كما في الحالة المصرية – سواء بالارهاب والمطاردة أو بالافساد، وهذا ما سيرفع بالضرورة من تكلفة عملية التغيير ويطيل أمدها. وحين وقع الانفجار، ونزلت الملايين الى الشارع، فقد بدت هذه الأحزاب المعارضة، سواء في تونس أو مصر، تلهث وراء الشارع بدل أن تتصدر قيادته، ثم تفاوت تجاوبها مع غليان هذا الشارع، وراح بعضها يناور بين النظام والملايين المطالبة بسقوطه. ويمكن الاعتقاد بثقة، أن حركة الملايين المتمردة كفيلة بافراز العامل الذاتي الملائم، خلال المعركة، وانضاجه على لهيبها. فاليوم في معركة الملايين يساوي حصاد سنين. وبالفعل، فخلال أيام أبدعت الحركة اشكالاً من التنظيم الخلاق واللجان الشعبية لنشاطها وحمايتها وتعزيز لحمتها، وأختفت نهائيا النعرة الطائفية التي كان يغذيها النظام لتمزيق وحدة الشعب بين مسلم ومسيحي. من جانب آخر، فصورة الوضع المأزوم للنظام العربي، لم تكن خافية على الدوائر الامبريالية ذات المصالح الانانية في المنطقة، ولا سيما الاميركية، وكذلك حكام اسرائيل الصهاينة الذين يرون في الوضع الذي كان قائما، حالة مثالية لهم. وعلى امتداد ثلاث رئاسات اميركية، راحت الادارة الاميركية، تدعو وتحث النظام العربي، وفي مقدمته في مصر - باعتبارها مفتاح العالم العربي – على اجراء اصلاحات "ديمقراطية" على الطريقة الاميركية، بتبديل الوجوه – مع بقاء النظام - بين حين وآخر. تغيير ... تغيير أما التغيير الذي تحتاجه الشعوب العربية، وعلى نحوٍ لم يعد يحتمل التأجيل، فقد صاغته الملايين الغاضبة في الشارع، وفي مقدمته: أولاً- تأمين رغيف الخبز ومحاربة الجوع. ومعلوم أن الجماهير الفقيرة تحركت، أكثر من مرة، وفي أكثر من بلد عربي، لتأمين رغيف الخبز. ويكفي في هذا الصدد التذكير بالتقديرات الرسمية التي تسجل أن 40% في أكبر بلد عربي، وهي مصر، يعيشون تحت خط الفقر، وعلى ما يعادل دولارين للفرد في اليوم. والفقر في مصر له معايير خاصة، منها أن المتاح للمواطن هو وجبتين، لا ثلاثة، يومياً. أما نوعية هاتين الوجبتين، فهذا شأن آخر، حيث هناك في مصر من لا يذوق اللحم على مدى العام! ثانياً- تأمين العمل. فهناك الملايين العديدة بلا عمل ولا مداخيل، وفي عدادهم اعداد مرموقة من الجامعيين. وفي بلدٍ مثل مصر، يدخل سوق العمل كل عام أكثر من مليون عامل جديد. أما الجامعيون، ويزيد عددهم عن السبعة ملايين في العالم العربي، فتكفي الاشارة الى أن هناك أكثر من مئة وخمسة وأربعين الف عاطل عن العمل منهم في بلد صغير كتونس. ثالثاً- صيانة الكرامة الشخصية والوطنية المهدورة حتى الاذلال. فالمواطن، في العالم العربي، مهدور الكرامة الشخصية، وعلى مدى عقود، على أيدي أجهزة القمع. فالاعتقال، بسبب وبدونه، والاذلال والاهانة، والتعذيب حتى الموت في بعض الحالات، غدت السمة المميزة للنظام العربي. وحتى حين تقع جرائم القتل في أقبية التعذيب، يقتصر الأمر، اذا أثارت الجريمة ردود فعل، على بيان مقتضب، يزعم أن الضحية انتحر، أو مات بالسكتة القلبية! ونظام يجرد مواطنيه من انسانيتهم ويهدر كرامتهم على هذا النحو لا يمكن أن يصون كرامة وطنه أو يغار عليه. وقد بلغ مستوى اهدار الكرامة الوطنية حداً، أباح لمسؤول اسرائيلي أن يتبجح علناً، بأن اي رئيس لمصر ينبغي أن يحظى بموافقة واشنطن ورضى اسرائيل! رابعاً- محاربة الفساد ومحاسبة سارقي الثروة الوطنية. وتكفي الاشارة في هذا الصدد، الى ما كشفته وسائل الاعلام، هذه الأيام، من أن ثروة الرئيس التونسي المخلوع هو وزوجته تبلغ الأربعين مليار دولار، بينما ثروة حسني مبارك وزوجته وأولاده أكثر من خمسين ملياراً. أما شركاؤهم في سرقة أموال الشعب من أصحاب المليارات، فكانوا لا يكتفون بنهب الثروات، بل راحوا يشاركون مباشرة في الحكم، كما كانت عليه تركيبة الحكومة الأخيرة لحسني مبارك. أما التغيير الذي تدعو اليه واشنطن والغرب، فهو تغيير مختلف كلياً. أنه التغيير في وجوه الحكام، بين حين وآخر، باسم الديمقراطية – كما يحاولون اليوم تقزيم اهداف المعركة – مع استمرار النهج العام الذي تحدد خطوطه تعاليم البنك والصندوق الدوليين والليبرالية الجديدة، التي أدت في عالمنا العربي، كما في بعض دول العالم الثالث الى تدمير الصناعة والانتاج الوطنيين، وفتح أبواب البلاد دون قيود أمام غزو رأس المال العالمي والبضائع الأجنبية، وخصخصة قطاع الدولة، والهجوم على مكتسبات الشعب في المجالات الاجتماعية، وتحويل المجتمع الى خدماتي – استهلاكي، مصحوباً بالبطالة الجماهيرية. وشواهد دول العالم الثالث كلها، تؤكد أن تلك التي تمردت على هذا النهج المدمر هي التي أفلحت في تحقيق تنمية حقيقية وتقدم ملموس في مستوى معيشة شعوبها. بمعنى آخر: يستحيل على العالم العربي أن يحل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية، التي أزمنت وتعقدت وتفاقمت، كما تبدو اليوم، دون التحرر من هذه القيود والتبعية. *** أما الحقائق التي اثبتتها ثورة الملايين، في تونس ومصر، حتى الآن، فلعل أبرزها: أولاً- أن الانجاز التاريخي الأهم، الذي تحقق ولم يعد ممكناً الغاؤه أو تجاهله بعد الآن، هو كسر حاجز الخوف من الارهاب البوليسي، الذي كان يكبّل ارادة الشعوب العربية، على امتداد عقود. وبالتالي، فان أية حلول مجتزأة أو ناقصة لأهداف ثورة الملايين لن تعمر طويلاً وستتجدد المعركة بزخم أكبر، واذا كان الشهيد محمد بوالعزيزي قد شكل صاعق التفجير، وبهذا كلل الشعب التونسي بلواء الريادة في معركة التغيير الجارية.. فان ثورة الملايين في مصر هزّت المنطقة والعالم، ومن السابق لأوانه تحديد تداعياتها ولا سيما في المنطقة. ومثلت المظاهرات الجماهيرية في عدد من البلدان العربية أرقى أشكال التضامن الشعبي مع ثورة الملايين. من جانب آخر، اذا كان نظام مبارك قد هبط بهيبة مصر الى الحضيض، فإن شعب مصر المنتفض أعاد لمصر في أيام معدودة مكانتها اللائقة، كما يؤكد الاهتمام العالمي غير العادي بما يجري فيها. ثانياً- أن وقود هذه الثورة، في كل من تونس ومصر، هو الشعب الكادح. أما فئة الشباب المستنير فلعبت دوراً طليعياً مشهوداً، وجندت التكنولوجيا العصرية في خدمة المعركة، ولا سيما في تنظيم انطلاقتها. وبهذا يكون التكنيك قد خدم التكتيك، أما بعد الانطلاق فكل اجراءات السلطة، من قطع الاتصالات بأشكالها، وتعطيل السكك الحديدية، والاستعانة بالبلطجية والحثالات وغيرها، لم تفلح في ايقاف حركة الملايين بعد انطلاقها. ثالثاً- ان الادارة الاميركية، التي وأن كانت تتوقع الانفجار، فقد فوجئت كغيرها، بتوقيته وبقعة انفجاره، وأحست بالارباك. ورغم أنها تخاطب نظام مبارك بلغة الموظفين التابعين لها، فهي تحجم، حتى الآن، عن مطالبة مبارك بالرحيل، وما تزال تتخبط في الارتباك تحت تأثير هاجسين: اذا فعلت ذلك، فقد يؤدي ذلك الى تداعيات الدومينو في المنطقة كلها. واذا لم تفعل ، وطالت الازمة وحركة الملايين في الشارع، فهذا سيعمق راديكالية الحركة ويقضي على فرص الحلول الوسط. ومع هذا، تراهن واشنطن على اصابة الملايين بالاعياء، وعلى مناورات النظام باسم المفاوضات، وعلى محاولات تقسيم الحركة. وخلال ذلك تنهمك في تحضير البدائل. وهذا يؤكد أنها تتجاهل ارادة الشعوب وتصميمها. رابعاً- إن التقاء نتنياهو ومبارك في التلويح بفزاعة الاخوان المسلمين الغرض منها إطالة عمر نظام الأخير. مع أن هذا النظام راح يفاوض هؤلاء الاخوان. فاسرائيل، من جانبها، تدرك أن نظام مبارك لا يُعوض بالنسبة لها، من حيث خنوعه لعنجهيتها وتطاولها على الحقوق العربية ولا سيما الفلسطينية، وتضحيته بكرامة مصر وثرواتها لصالح اسرائيل، حيث يبيعها الغاز الطبيعي بأقل من كلفة استخراجه. بينما اثبتت المعركة في كلٍ من تونس ومصر، أن دور التيار الديني عامة والاخوان المسلمين خاصة، كان دون التصورات والتوقعات، وقد تردد الاخوان المسلمون في مصر، في الانضمام لحركة الشارع لدى بدايتها، ثم راحوا يتقربون من البرادعي ، المقبول اميركياً، وفي الوقت ذاته يحاورون نظام مبارك. خامساً- أن حركة الملايين للتغيير، في العالم العربي، هي اسهام نوعي في زعزعة مواقع الامبراطورية الاميركية في المنطقة، وهي المصابة بالاعياء، من تراكم ازماتها. كما أن هذه الحركة، تمثل رافداً حيوياً، للنضال الطبقي الذي تخوضه الملايين في اوروبا وغيرها, دفاعاً عن حقوقها في ظروف تفاقم أزمة الرأسمالية العالمية. سادساً- إن ثورة الملايين جاءت، بأهدافها وأصدائها المباشرة، في طول العالم العربي وعرضه، لتؤكد على وحدة النضال والمصير للشعوب العربية ومتانة لحمة تضامنها الكفاحي في وجه اعدائها. وكان هذا رداً حاسماً على نهج القطرية، الذي حرص النظام العربي على تعميقه باستمرار، بتحريض من الدوائر الامبريالية والصهيونية. وبينما هبت الشعوب العربية كلها، للتعبير بأشكال مختلفة، عن تضامنها مع ثورة الملايين في تونس ومصر، فان أي حاكم عربي،جمهوري أو ملكي ، لم يعبّر عن مجرد التفهم لمطالب الملايين للتغيير. وهكذا، فرزت هذه المعركة العالم العربي الى معسكرين مكشوفين متواجهين. سابعاً- يعزّي حكام اسرائيل أنفسهم، في تصريحاتهم العلنية، بأن لا علاقة للقضية الفلسطينية بأهداف ثورة التغيير. لكنهم يدركون جيداً، كما يؤكد اضطرابهم الشديد، أن التغيير المنشود، سيستبدل أولئك الخانعين لارادة التحالف الاميركي – الاسرائيلي بآخرين لا يتنكرون لنصيبهم في المعركة ضد الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية. فأهداف المشروع الصهيوني، منذ البدء، لم تكن ضد الشعب الفلسطيني وحده، بل ضد مجموع الشعوب العربية ولمنع وحدتها وتقدمها. من جانب آخر فان ثورة التغيير التي بدأت، تهيء أفضل الأجواء لينتقل الجانب الفلسطيني من حالة الدفاع الى الهجوم، على مختلف الجبهات: المقاومة الشعبية، وفي الميادين السياسية والدبلوماسية، ضد الاحتلال الاسرائيلي، حتى كنسه عن أرض وطننا. لقد بزغ أخيراً ، فجر التغيير، الذي لا راد له.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل